الاتحاد

تقارير

وكالة تبادل المعلومات... وثغرات النظام الاستخباري

أغلب الوكالات الفيدرالية الأميركية التي استُحدثت في أعقاب هجمات 11 سبتمبر باتت أسماؤها مألوفة للجميع مثل وزارة الأمن الداخلي وإدارة أمن وسائل النقل، ولكن هناك وكالة لا أعتقد أن أحداً سمع بها من قبل، ويطلق عليها اسم وكالة تبادل المعلومات!
ففي أحد المكاتب التابعة لمدير الاستخبارات الوطنية يوجد مقر الوكالة غير المعروفة التي أوكلت إليها مهمة إشراك جميع الوكالات الاستخبارية في الولايات المتحدة المكلفة بمحاربة الإرهاب في تبادل المعلومات واقتسامها بسلاسة ويسر، وهي المهمة التي ظهرت الحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى في ظل المحاولة الفاشلة التي دبرها الشاب النيجيري لتفجير طائرة ركاب متجهة إلى أميركا في أعياد الميلاد.
وعلى مدى سنواتها الأربع من الخدمة دفعت وكالة تبادل المعلومات الوكالات السبع عشرة الموجودة حالياً إلى تبادل معلوماتها وتوفير قاعدة بياناتها لتصبح متاحة لكل المسؤولين المشرفين على مكافحة الإرهاب بما في ذلك أجهزة الشرطة والأمن الداخلية.
وإلى غاية العام الماضي كان على رأس هذه الوكالة المهمة "توماس ماكنمارا" البالغ من العمر 69 عاماً بتجربته الواسعة كرئيس لشعبة مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية، وهو أيضاً إحدى الشخصيات البارزة غير المتحزبة وقد قضى أربعين عاماً متقلداً العديد من الوظائف الحكومية، ولهذه الأسباب فهو شخص يستحق أن يُسمع عندما يتحدث.
وفي هذا الإطار لا يعتقد ماكنمارا أن إدارتي بوش وأوباما خصصتا ما يكفي من الوقت والجهد لتعزيز تبادل المعلومات بين كافة الوكالات الاستخبارية. ومع أن إدارة بوش قامت بعمل جيد في البداية، يقول ماكنمارا، إلا أنها سرعان ما تراجعت لاحقاً وفقدت اهتمامها فيما لم تركز إدارة أوباما على الموضوع حتى الآن.
وقد أخبرني في الأسبوع الماضي بأن "الإدارة الجديدة كانت بصراحة منشغلة بأولويات أخرى ولم تنتبه للمشكلة، فقد كانت منهمكة بالعديد من الأمور، وكان مؤدى الأوامر أن استمروا في عملكم دون خطة واضحة"، واللافت أن منصب ماكنمارا الذي ظل شاغراً منذ شهر يوليو الماضي بعد تقاعده لم يُملأ بعد في إشارة واضحة إلى استمرار عدم الاهتمام الكافي بمسألة تبادل المعلومات.
لكنه يتفق، كما قال لي، مع تقييم أوباما لحادثة ديترويت بأنها كانت فشلا "منهجياً للنظام" الأمني الأميركي وإخفاقاً واضحاً في الربط بين المعلومات المتوفرة للخروج بخلاصة واضحة، ويستطرد ماكنمارا قائلا: "إن شيئين لم يكونا على ما يرام في العمل الاستخباري، أحدهما إدارة المعلومات، لاسيما الطريقة التي يتم بها تصنيف وترتيب المعلومات الاستخبارية"، مضيفاً "إن الطريقة المستخدمة في التعامل مع المعلومات ليست موحدة بحيث يستطيع المطلعون عليها معرفة ما إذا كانت مهمة، أم لا... ويتم النظر إلى المعلومة نفسها بطريقة مختلفة وفقاً للشخص وللوكالة التي تتوصل بها. وعلى سبيل المثال عندما وصل التقرير من السفارة في نيجيريا بأن والد الإرهابي حذر من تشدد ابنه فالمرجح أن هذه المعلومة لم تحظَ بنفس الاهتمام في جميع الوكالات، ولربما نظر إليها البعض واعتبرها أمراً يتعلق بالشؤون القنصلية".
ولكن هذا الفشل في توحيد عملية تصنيف المعلومات حسب خطورتها يقودنا إلى الثغرة الثانية في العمل الاستخباري التي يسميها ماكنمارا بـ"التلقي والطلب"، موضحاً ذلك بقوله:
"عندما تظهر معلومات على شاشة الكمبيوتر دون أن يطلبها المحلل فهو في وضع التلقي، وعندما يطلبها يكون في وضع الطلب، وهو ما يصعب من عملية وصول المعلومات المفيدة إلى الأشخاص المعنيين في الوقت المناسب".
ولو كان النظام أكثر تطوراً، يقول ماكنمارا، لأمكن للكمبيوتر وبطريقة أتوماتيكية إيجاد الرابط بين المعلومات المختلفة مثل أن يربط بين الاسم "عمر" والتقرير الذي رفعته السفارة الأميركية في نيجيريا دون أن يطلب المحلل ذلك، ولكن لماذا لم تتبن الوكالات الفيدرالية المختلفة هذه التقنية المتطورة في تصنيف المعلومات وربط بعضها ببعض؟ لأن ذلك سيكلف المال والجهد والكثير من الاهتمام والتركيز، وأيضاً لأنه لا يوجد من يرغم تلـك الوكالات على اعتمـاد هذا النظـام المتطور.
ويخلص ماكنمارا إلى أن المشكلة الرئيسية التي واجهها على رأس وكالة تبادل المعلومات هي عدم توفره على صلاحيات مناسبة، وعندما أدرك موظفوه أنه لا يملك القوة الحقيقية لإقالتهم، أو التحكم في الموازنة المرصودة لهم، لم يهتموا بتطوير النظام، ولذا ينصح "برفع المنصب وترقيته ليعمل مباشرة مع مكتب الرئيس في واشنطن ومنحه صلاحيات مهمة في تحديد الموازنة".
غير أن المشكلة تكمن في الانتقادات التي يوجهها أحياناً بعص "الجمهوريين" للإدارة الحالية لاستعانتها بموظفين كبار يعرف الواحد منهم باسم "القيصر"، فهذه الانتقادات تعرقل فرص الإدارة في تعيين المزيد من المسؤولين في حين أن "الجمهوريين" لم ينبسوا ببنت شفة عندما كان بوش يعين هؤلاء المسؤولين.
ولذا وبعيداً عن الديماغوجية السياسية لابد لأوباما، إذا كان يريد تسهيل عملية تبادل المعلومات بين الوكالات الاستخبارية المختلفة، من تعيين مسؤول جديد على رأس وكالة تبادل المعلومات وملء الشاغر الذي تركه ماكنمارا، على أن يُمنح صلاحيات أكبر لتطوير النظام وفرض الإصلاح.


محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي إنترناشونال»

اقرأ أيضا