الاتحاد

تقارير

أميركا اللاتينية: جفاف وانكشاف بسبب «الاحتباس»

لو سألت عمدة أي مدينة من المدن الواقعة في جبال الإنديز بأميركا اللاتينية حول محصلة المفاوضات المناخية التي عقدت في كوبنهاجن الشهر الماضي، فإن الاحتمال الأرجح هو أن تتلقى إجابة روتينية غير مبالية. أما إذا ما توجهت لذلك العمدة بسؤال حول الانخفاض الكبير في مستويات خزانات المياه العذبة في مدينته، فإنك ستسمع منه كلاما كثيراً. ويرجع السبب المباشر في ذلك للاختلافات الجوهرية التي أحدثت انقساماً بين الدول الصناعية والدول النامية، وحالت دون توقيع اتفاقيات ملزمة طويلة الأمد، بشأن الحد من الاحتباس الحراري في العالم. ومع ذلك يقول العلماء إن المفاوضات الدائرة حول هذا الموضوع، تفتح طريقاً لمقاربة أكثر فعالية، لموضوع التعاون بين دول الشمال والجنوب، في مجال الحد من التغير المناخي.
وفي أميركا اللاتينية ترتبط المياه بالمستقبل الإنساني، والتنافسية الاقتصادية، ارتباطاً يفوق مثيله في غيرها من القارات. ويعود ذلك إلى حقيقة أن القارة تحتوي على 31 في المئة من موارد المياه العذبة في العالم، في الوقت الذي تضم فيه فقط 8 في المئة من سكان العالم. وهذه الميزة المائية الهائلة، مكنت القارة من الحصول على 68 في المئة من الكهرباء التي تحتاجها من مصادر "هيدروكهربائية" في حين لا يزيد المعدل العالمي عن 16 في المئة.
والصادرات السلعية للمنطقة - وعلى وجه الخصوص في الزراعة والتعدين- تعتمد على كميات المياه الهائلة المتوافرة.. فنصف صادرات اللحوم في العالم، وثلثا الصادرات تقريباً من فول الصويا تأتي من أميركا اللاتينية، حيث تنتج هناك بتكلفة رخيصة بسبب الأمطار الوفيرة.
ولكن بعد حالات الجفاف الشديدة التي حلت بالكثير من مناطق القارة في السنوات الأخيرة، تحولت هذه الميزة المائية إلى نقطة انكشاف شديدة الوضوح. ففي عام 2008، فقدت الأرجنتين على سبيل المثال 1.5 مليون رأس من الماشية، ونصف محصولها من القمح، بسبب الجفاف، كما هبط الناتج الهيدروكهربائي في تشيلي بنسبة 34 في المـئة.
وفي فترة أقرب، وجدت مناطق شاسعة في فنزويلا، والإكوادور، وكولومبيا، والباراجواي، والمكسيك، نفسها مضطرة إلى تقنين استخدام المياه، أو تخفيض استهلاك التيار الكهربائي، أو الاثنين معاً. وهذه القيود تعمق الفجوة بين الناس الذين يعيشون في منازل مزودة بخدمات المياه والكهرباء، وبين الملايين من الفقراء الأميركيين اللاتينيين الذين يضطرون للحصول على احتياجاتهم إلى اللجوء إلى بائعي المياه غير القانونيين أو شراء المياه غالية الثمن المعبأة في زجاجات.
وعلى رغم أن الموجة الأخيرة من موجات الجفاف ترجع إلى الظواهر المناخية الموسمية في القارة مثل ظاهرة "النينو"، إلا أن علماء المناخ يرون فيها نذير شؤم. فالتقلبات الحادة في مستويات سقوط الأمطار، سوف تكون في رأيهم، من أخطر التداعيات الدراماتيكية لارتفاع درجة الحرارة في أميركا اللاتينية.
والتقاطع بين موضوعي المياه والمناخ يمكن أن تكون له فائدة في التوفيق بين الأولويات المتضاربة التي عطلت المفاوضات في كوبنهاجن: أولا، في إطار جهودها للبحث عن أفضل الوسائل لإنفاق المليارات من أموال المعونات المخصصة لمساعدة الدول النامية على التكيف مع التغيرات المناخية، ستجد الدول الصناعية نفسها مضطرة إلى التركيز على المشكلات قصيرة الأجل، المرتبطة بالمناخ، مثل إمدادات المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي. ثانياً، إن هذه البراجماتية تعتبر في حد ذاتها اعترافاً ضمنياً بالضغوط التي يتعرض لها زعماء الدول التي لا يتوافر للكثير من مواطنيها الرعاية الصحية، والطعام، والتعليم، ما يدفعهم للاعتقاد بأن الهدف الخاص بتقليص انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون هو نوع من الرفاهية. ثالثاً، أن ذلك سيقنع الدول النامية، بأن الدول الصناعية الغنية مهتمة بالأهداف قصيرة الأمد مثل المحافظة على حياة الأطفال، قدر اهتمامها بالأهداف طويلة الأمد مثل الحفاظ على بيئة الكوكب. وليست هناك حاجة لأن تكون هذه الأهداف من النوع الذي ينفي بعضه بعضاً: فإسبانيا على سبيل المثال، أصبحت من الدول الرائدة عالمياً في مجال الترويج لطاقة الريح والطاقة الشمسية -كجزء من سياستها المناخية- في الوقت نفسه الذي قدمت فيه منحة مقدارها 1.5 مليار دولار لدعم مشروعات المياه والصرف الصحي في الدول الأكثر فقراً في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.
من جانبها يجب على حكومات أميركا اللاتينية أن تبدأ في التعامل مع المياه على أنها مورد استراتيجي بدلا من اعتبارها مصدراً مجانياً غير قابل للنضوب وهو ما يعني - في المدى القصير- إعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية والإصلاحية في الخدمات الأساسية، من أجل تقليل الفاقد، وتغطية الفجوة بين الموارد وبين الاحتياجات، والقضاء على الأمراض المنقولة عن طريق المياه، التي تصيب الفقراء.
ويتطلب الأمر أيضاً استعداداً لتقديم تنازلات، في مجال السعي لتقليص الانبعاثات الكربونية على مستوى العالم، بما يمكن أن يلعب دوراً جوهرياً، وفي الوقت المناسب، في تأمين إمدادات من المياه يمكن الاعتماد عليها.
ومدينة "لاباز" عاصمة بوليفيا، التي تقع في منطقة مرتفعة من البلاد، تقدم حالة نموذجية لذلك. فالمانحون الدوليون يساعدون في تمويل توسيع شبكات المياه والصرف الصحي للمناطق التي يقطنها ذوو الدخل المحدود من هنود "الإيمارا"، ولكن نظراً لأن الأنهار الجليدية التي توفر جزءاً كبيراً من احتياجات المدينة من المياه تذوب بمعدلات سريعة، فإن جزءاً من تلك المعونات يذهب لتوفير مصادر جديدة للمياه.
وباعتبارها دولة توجد فيها غابات مدارية كبيرة، فإن بوليفيا يمكن أن تساعد في تقليص خطر التغير المناخي الكارثي، وذلك عن طريق الانضمام للبرامج الهادفة للقضاء على ظاهرة تقلص المساحات الغابية نتيجة للانبعاثات الكربونية. ويرجح أن يدعم البوليفيون مثل تلك البرامج في حالة واحدة فقط وهي أن يقتنعوا بأن العالم الصناعي ملتزم بمساعدتهم على تحقيق نوعية كريمة من الحياة.


رئيس بنك تنمية دول الأميركتين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي إنترناشونال»

اقرأ أيضا