الاتحاد

تقارير

أوباما ... وكارثة زلزال هايتي

حتى هذه اللحظة يمكن القول إن أوباما قام بكل ما يجب القيام به إزاء ضحايا كارثة الزلزال الذي ضرب هايتي يوم الثلاثاء الماضي. فقد سارع بإرسال سفن الغوث الأميركية، وكذلك طائرات النقل، إضافة إلى نشر ما يزيد على ألفي جندي للمساعدة في توزيع مواد الإغاثة وعمليات البحث عن الناجين، فضلاً عن المساعدة في عمليات حفظ الأمن في تلك الدولة الكاريبية المنكوبة. وخلال مؤتمر صحفي عقده يوم الخميس الماضي، تعهد أوباما بتخصيص مبلغ 100 مليون دولار في شكل مساعدات عاجلة لهايتي. غير أن هناك تعهداً واحداً لم يقطعه أوباما على نفسه بعد: زيارة هايتي شخصياً للوقوف على هول الكارثة وتقديم الدعم المعنوي والسياسي اللازم لمواطنيها المنكوبين.
فحين تضرب الكوارث الطبيعية أي جزء من أجزاء الولايات المتحدة الأميركية، ظل من دأب الرؤساء زيارة المنطقة المنكوبة شخصياً بهدف تقديم الدعم الرمزي والمادي للمواطنين. وعادة ما تشير الزيارات الرئاسية هذه للتعبير عن مدى اهتمام الأمة كلها بالضحايا، ولفت الاهتمام العام لمأساتهم. وقد حان الوقت الآن كي يمدد أوباما هذا التقليد الرئاسي إلى خارج حدود بلادنا، تعبيراً عن وقوفه مع الشعب الهايتي الذي يصعب تصور المعاناة التي يواجهها جراء الكارثة الطبيعية التي أصابته.
ويعود تقليد هذه الزيارات الرئاسية في حالة وقوع الكوارث إلى منتصف القرن العشرين حيث سهل النقل الجوي قيامهم بمثل هذه الزيارات. وعلى سبيل المثال كان الرئيس الأسبق هاري ترومان، قد زار ولاية أوريجون في عام 1948 بهدف الوقوف الشخصي على كارثة الفيضانات التي شهدتها الولاية. وقد أثارت فيه تلك المشاهد ذكريات السيول والفيضانات التي شهدها في فترة طفولته في ميزوري. وعندما ضربت هذه الأخيرة والمناطق القريبة منها كارثة السيول والفيضانات مجدداً في عامي 1951 و1952 كان ترومان هناك في كلتا المرتين ليشهد بنفسه ما شاهده في طفولته، وليقدم الدعم المعنوي والمادي للضحايا المنكوبين. عندها قال "ترومان" خلال حديثه في مؤتمر صحفي عقده في أوماها عام 1952: إن علىّ أداء خدمة عامة للمواطنين هنا. وهذا كل ما يتعين عليّ القيام به.. وقد حضرت من أجله بنفسي". يذكر أن ذلك المؤتمر الصحفي كان قد عقده ترومان عقب الدمار الهائل الذي سببته كارثة فيضان عام 1952. وبعد ذلك التاريخ بثلاثة عشر عاماً، ضرب إعصار "بيستي" شريط الساحل الخليجي، فسارع الرئيس ليندون بي. جونسون إلى المنطقة على الفور. وهناك قال ليندون في خطابه الشهير: "إنني هنا لأرى بعيني ما فعله تحالف الماء والرياح معاً بهذه الأرض وأهلها".
وفي اليوم التالي للكارثة، خاطب جونسون جمعاً من الحضور في مطار نيو أورليانز بقوله: "ثقوا أن موارد الحكومة الفيدرالية كلها سوف توجه لخدمة مواطني لويزيانا لمساعدة هذه الولاية وأهلها على الوقوف على أقدامهم مجدداً من هذه الكارثة المروعة التي حلت بهم".
وكثيراً ما قارن المؤرخون حديثاً بين وقفة جونسون المشرفة مع منكوبي إعصار بيستي، وخذلان استجابة الرئيس السابق جورج بوش لكارثة إعصار كاترينا الذي ضرب الساحل نفسه في عام 2005. ومهما أخذ على تلك الاستجابة من مآخذ، إلا إن الحقيقة أن بوش بزّ الرؤساء السابقين فيما يتصل بالنشاط والتمويل الموجهين لصالح الضحايا. فقد خصص بوش ما يقارب مبلغ الـ400 مليار دولار من الخزانة الفيدرالية، لمساعدة الولايات والسلطات المحلية في عمليات إزالة الحطام الذي تخلفه الفيضانات والحرائق والأعاصير وراءها.
وفي ذلك الوقت أعلن بوش عن وقوع 400 كارثة على المستوى الفيدرالي. إلى جانب ذلك أكثر بوش من ظهوره في موقع الحدث والتجوال في المناطق التي أصابها الدمار. بل كثيراً ما احتضن ضحايا تلك الكوارث، فضلاً عن مواساته لأسر المتوفين والمفقودين. وكان هناك من منتقدي بوش وخصومه من سخر من سلوكه ذاك واصفاً إياه بالمغالاة والتنافس الضمني مع سلفه السابق بيل كلينتون في الوقوف مع ضحايا الكوارث. وضمن تلك السخرية قال بعضهم إن بوش يبذل قصارى جهده لأن يحل محل كلينتون في نيل لقب "المواسي الأعظم للأمة" على غرار لقب "القائد الأعلى للجيش" الذي هو صفة رئاسية رسمية كما نعلم! والحق أن الرئيس كلينتون هو الذي ارتقى بهذا الشكل من أشكال التضامن مع مواطنيه المنكوبين إلى حد الإبداع الرئاسي. فابتداءً من ولاية كارولينا الشمالية التي عصفت بها الأعاصير، وصولاً إلى مجتمعات ولاية أركانساس -مسقط رأسه- التي ضربتها الأعاصير المدمرة هي الأخرى، قلما فوت كلينتون فرصة لزيارة المناطق المنكوبة. ومما أدركه كلينتون من مغزى تلك الزيارات الرمزية، أنه كلما التفتت أنظار أعداد أكبر من الأميركيين لوقوع كارثة ما في منطقة ما، كلما تزايد أعداد المسارعين إلى مد يد العون. وكان إدراك هذه الحقيقة هو ما دفعه إلى تمديد تقليد الزيارات هذه إلى خارج حدود بلاده في عام 1999 لدى زيارته لضحايا كارثة زلزال أرضي في تركيا، خلف وراءه ما يزيد على 17 ألف قتيل.
وبصحبة قرينته وبنته حينها، طاف كلينتون بمدينة كاملة من الخيام كان يسكنها مؤقتاً نحو 9 آلاف من الذين شردهم الزلزال ودمر بيوتهم. خاطب كلينتون هؤلاء الضحايا بقوله: سوف نكون إلى جانبكم ونعمل معكم بيد واحدة. وصحب تعهده بإرسال المساعدات العاجلة للضحايا بقوله: "إنني لا أطلب منكم شيئاً سوى الإبقاء على روحكم المعنوية عالية، وعلى ارتسام البسمة دائماً على شفاه أطفالكم. وعليكم أيضاً بمساعدة أولئك الذين فقدوا أحباءهم جراء الزلزال، وأن تثقوا بأننا سوف نعبر معاً من هذه المحنة المروعة إلى مستقبل أجمل وأفضل".
امتداداً لهذا التقليد، فلا ريب أن زيارة أوباما لهايتي المنكوبة، سوف تعزز جهود أميركا في مجال الغوث الإنساني الدولي، ومؤازرة شعبها، بما لا تستطيع فعله أي مساعدات تقدمها أميركا بعيداً عن حضوره. وفي زيارة كهذه ما يؤكد الشراكة الإنسانية التي توحد البشرية كلها.
ومن حسن الحظ أن قال أوباما في مؤتمره الصحفي الذي عقده يوم الخميس الماضي: "أرغب في الحديث مباشرة إلى الهايتيين". وهذا ما ينبغي عليه القيام به.


أستاذ التاريخ والتربية بجامعة نيويورك
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا