أحمد عثمان (باريس) قبل أيام قليلة، صدرت عن دار غراسيه، باريس، مجموعة قصصية اكتشفت مؤخراً في الولايات المتحدة، ضمن أرشيف جامعة برنستون، لفرانسيس سكوت فيتزجيرالد، مؤلف الرواية الشهيرة «غاتسبي العظيم»، تضم ثماني عشرة قصة قصيرة، معنونة «أنتحر من أجلك وقصص أخرى غير منشورة من قبل». دوما كثير من النجوم في سماء فرانسيس سكوت فيتزجيرالد، ولكن أيضا هناك الكثير من عيون الفتيات، ربما لأنهن يبحثن عن الحب وربما لأنهن مشعل يسبر أغوار أرواح الصبيان. «آتلانتا داونز»، ممثلة ناشئة تلمع عيناها بوميض غريب، تحقق فيلما وقتما تقابل جلاد قلوب يحمل اسم «ديلانو». «لا شيء يثير خوفي في كل ما يخص شؤوني»، تقول آتلانتا لنفسها. تنسى أن تخشى، كبطلة لإحدى قصص فيتزحيرالد، كل شيء من دون استثناء. أن تحب، مثلا، من دون أن تنتظر المقابل. بالنسبة لـ«فيتزجيرالد»، لسنا بعيدين عن الغرق في فتور الأهواء المعاكسة. على الأقل، لا نتجاهل أبدا المهمة التي كلفنا بها: إضاءة العالم بالأنوار المتحققة بطريقة تحافظ على نظافة البيئة المحيطة: «من الطيب التفكير بأن أتلانتا، التي تنير كنجمة حياة جميع الناس، تنام بسلام في غرفتها على بعد مائة متر من هنا». مثل فوكنر، اتجه فيتزجيرالد إلى القصة القصيرة ليس بدافع حب هذا النوع الأدبي، وإنما بحثاً عن تدبير حياته المعيشية اليومية. مثل فوكنر، جاهد طوال حياته لكي يحقق «أعلى ثمن» لقصصه التي كان يرسلها إلى كبرى مجلات عصره. على الأقل، كان هذا العمل أقل «إذلالا» من الذهاب إلى هوليوود، وهو عمل أحمق، ومع ذلك اقترفه. بيد أن فوكنر، يمتلك تلك القوة الجنوبية، المرتبطة بالأرض، تلك القوة الصوفية التي تعينه على اجتياز المصاعب الحياتية في مدينة الملائكة. ولكن فيتزحيرالد لا يمتلك هذا الدرع الوقائي. كان يمتلك قلبا رقيقا، كما تبين هذه المجموعة القصصية غير المنشورة من قبل، وحيث يعتبر نشرها للمرة الأولى «حظا» غير متوقع. حينما كتب هذه القصص، كانت الشهرة قد أصابته وحلق معها بعيدا. غير أن زمن «غاتسبي» توارى وحل محله زمن الأزمة الاقتصادية. حينما نسمع منه ما قاله عن الآلام الكبيرة التي تكسو السماء الليلية حيث تلهو النجوم الخيطية، يتبدى أن فيتزجيرالد لا يرى إلا اكتئاب زوجه زيلدا، وكذا أميركا من الناحية المقابلة. وعندما يصف زوجين، ماري وسام، في القصة المعنونة «إجازة حب»: امرأة في حاجة للجوء إلى مكان تجد فيه نفسها، حالة تشبه نوعا ما رجل في حاجة إلى طموحه». وهكذا، يمضي الزوجان أمسيتهما في بيت ريفي، بفرجينيا. ماري ترتدي حزاما فضيا مرصعا بالنجوم البارزة. علامة الزمن: هنا تلمع هذه النجوم وتتلألئ في الغرفة، بينما النجوم الحقيقية أختفت من سماء فيتزجيرالد إلى الأبد.