الاتحاد

دنيا

وراء كل بيل جيتس ·· ميليندا


اعداد ـ هالة دروج:
عندما حصلت ميليندا فرنش، فتاة تكساس البالغة من العمر 23 عاما، على وظيفة في شركة مايكروسوفت قالت إن لها هدفين: الأول أن تشارك في الجري في ماراثون، والثاني أن تتحمل مسؤولية برنامج مايكروسوفت وورد في الشركة· وكان كلا الطموحين يتطلبان درجة عالية من التصميم والعزم· لكن خلال عام واحد من التحاقها بالعمل في الشركة بدأت علاقتها مع رب العمل، وبعد ذلك بخمس سنوات تزوجت ميليندا من بيل جيتس لتصبح زوجة أثرى رجل عرفه العالم·
في بداية علاقتها الزوجية حاولت ميليندا الابتعاد عن الأضواء، على عكس زوجها الذي كان يسعى دائما الى أن يظل في دائرة الضوء· وفي الوقت الذي كانت فيه شركة مايكروسوفت سعيدة بلمعان نجم مالكها، كان الاتفاق على ألا يكون لميليندا أي دور في حياة زوجها العامة· وكان أحد المسؤولين السابقين في شركة مايكروسوفت قد صرح بعد زواجهما بفترة قصيرة أن هناك اتفاقا بين بيل جيتس وميليندا على أن تظل هي في نطاق حياته الخاصة الشخصية فقط·
ولهذا كتبت ميليندا الى سكان حيها القديم في سياتل تطلب منهم ألا يتحدثوا عنها· وفعلت الشيء نفسه مع مدرستها الخاصة في دالاس· وطلب من الموظفين الذين قاموا بتنظيم حفل الزفاف أن يوقعوا على تعهد بالحفاظ على السرية· وكان والد زوجها يلقبها مازحا بالمرأة السرية· وكان بيل جيتس نفسه قد طلب من الصحافة المختصة بشؤون الكمبيوتر ألا تتناول الحديث عن المرأة التي يحبها ويريد الزواج بها·
من السرية إلى العلن
أما الآن فاسم ميليندا بات متداولا بشكل مستمر في الأوساط العامة، ولا سيما من خلال اسم جمعية (بيل وميليندا جيتس) التي أعلنت مؤخرا عن تبرعها بمبلغ 750 مليون دولار للاتحاد العالمي للقاحات والتحصين· وبذلك تصل قيمة تبرعات الجمعية بهذا الاتجاه الى 1,5 مليار دولار وهو أكبر مبلغ يحصل عليه الاتحاد منذ تأسيسه·
لكن حتى هذا المبلغ الهائل يبدو صغيرا جدا مقابل الهدف الأكبر لبيل جيتس بالتبرع بنسبة 95% من ثروته التي تقدر بأكثر من 46 مليار دولار لحل المشاكل الصحية في العالم· ويقول المقربون من العائلة أن ميليندا هي القوة الدافعة وراء اهتمام زوجها بتحسين أحوال العالم الثالث· وقالت السيدة جيتس مؤخرا في لقاء صحفي أجري معها: 'أنا وزوجي نشأنا في أسرتين معروفتين بالعمل الخيري والتطوعي، لذلك فإن ما نقوم به أمر طبيعي· فلقاحات التحصين التي تعتبر بمثابة حق بديهي لسكان الدول الغنية ما تزال غير متوفرة للأطفال في الدول الفقيرة· لذلك آن الأوان لأن يتخذ المتبرعون من القطاعين العام والخاص خطوات كبيرة لمحاولة سد الفجوة بين العالمين في هذا الخصوص'·
في السنوات القليلة الماضية زاد اهتمام ميليندا بقضايا الأمراض الشائعة والفتاكة في الدول الفقيرة· وهذا ما جعلها تتغلب على تحفظها عن التحدث علنا لاظهار فصاحتها التي يفتقر اليها زوجها الذي يجيد التحدث بالأرقام أكثر من الكلمات· وأضافت السيدة جيتس: 'حان الوقت لنؤكد أن الوقاية من الأمراض الممكن التحصن ضدها أصبح حقا من حقوق كل انسان· هل تعتبر خسارة طفل في مكان ما من العالم أقل وطأة منها في مكان آخر؟ قد يعتقد البعض بهذا، ولكن الأمر ليس كذلك·'
ولدت ميليندا فرنش في دالاس في عام 1964 ونشأت في بيئة متوسطة· كانت الرياضيات هي مادتها المفضلة في المدرسة· وقد اشترى لها والدها مهندس الطيران أول كمبيوتر عندما كانت ما تزال في المدرسة وكان من نوع آبل ماكنتوش المنافس الأول لشركة مايكروسوفت· كانت ميليندا طالبة مجدة والتحقت بجامعة (ديوك) في (نورث كارولينا) حيث درست هندسة وعلوم الكمبيوتر، وأكملت دراستها للحصول على الماجستير في الأعمال·
حصلت ميليندا على أول وظيفة لها في شركة مايكروسوفت التي كان بيل جيتس وصديقه بول آلن قد أسساها في عام ·1975 وقد ركز الاثنان على العمل في مجال البرامج أكثر من الأجهزة· حققت الشركة الانجاز الأكبر في عام 1980 عندما وقعت اتفاقية لتزويد نظام التشغيل (إم إس دوس) لأجهزة كمبيوتر آي بي إم الشخصية· وكان لذلك الدور الرئيسي في رفع مستوى بيل جيتس الى رتبة ملياردير·
انضمت ميليندا الى شركة مايكروسوفت في عام ·1987 وبعد ذلك بعام بدأت علاقتها مع بيل جيتس الذي كان محط اهتمام معظم النساء العاملات معه لدرجة أن البعض منهن كن يرتدين قمصانا كتبت عليها عبارة 'تزوجني يا بيل'· لكن والدة الشاب الثري لم ترض أن يعيش ابنها حياة الشاب اللعوب وكانت تلح عليه بالالتزام بالزواج وفي عام 1993 أعلن خطوبته لميليندا· ويقال أن الجميع ذهلوا بحجم الماسة التي وجدت في خاتم الخطوبة والتي كانت ميليندا تحاول اخفاءها بوضع فنجان قهوة فوقها·
تزوج الخطيبان في قاعة ملعب جولف في احدى جزر الهاواي في الأول من يناير عام ·1994 كان بيل وقتها في الثامنة والثلاثين من عمره، في حين لم تكن ميليندا قد تجاوزت التاسعة والعشرين· ويقال أن ميليندا لعبت دورا في تنشيط الجانب الحيوي من شخصية بيل جيتس· يروى أن الزوجين شاركا مرة في احدى الحفلات التي أقامتها شركة مايكروسوفت، وعندها طلبت ميليندا من جيتس أن يقفز فوق الطاولة· عندما قام بذلك طلبت منه أن يعيد الكرة بعد أن وضعت شمعة مضاءة على الطاولة وقام فعلا بذلك· واستمرت هي باضافة الشموع وتكررت قفزات عبقري البرمجة الذي يعتقد الكثيرون أنه لا مكان للمرح في حياته الجادة·
أعمال خيرية
لكن الأهم من ذلك أن ميليندا نشطت أيضا الجانب الخيري في شخصية جيتس الذي نشأ أيضا في أسرة ليبرالية· فوالدته ماري كانت تعرف بنشاطها في مجال جمع التبرعات للمشروعات الخيرية· ويعرف عنها ايمانها بفكرة أن الجميع يتوقع أن تكون مساعدات الناس الأثرياء الذين أنعم الله عليهم بالمال والوفرة كبيرة· بعد وفاة الأم خلال العام الأول من زواج بيل وميليندا بدأ الابن يركز على الأعمال الخيرية· تقول ميليندا: 'بدأنا نفكر كثيرا ونتساءل ما هو العمل الذي يمكن لبيل أن يقوم به مع والده ويكون محط اهتمام الاثنين؟ إنه العمل الخيري ومساعدة الغير التي كانت والدته تؤمن بها الى أبعد الحدود·'
في عام 1994 أسس بيل جيتس جمعية وليام جيتس التي تهدف الى تحسين الصحة العامة وكان والده المحامي المتقاعد يديرها من منزله· بعد ذلك بثلاث سنوات أسس مع زوجته جمعية مكتبة جيتس· وفي عام 2000 تم دمج الجمعيتين معا تحت اسم جمعية بيل وميليندا جيتس·
يعترف بيل جيتس أنه احتاج الى وقت حتى أدرك أن الكمبيوتر لا يستطيع أن يحل كل مشكلات العالم· خلال زيارة له الى سويتو في جنوب أفريقيا في منتصف التسعينات عرض عليه كمبيوتر موصل بمولد كهربائي في ذلك المجتمع الفقير· يقول جيتس: 'عندما كنت هناك وجدت أن تلك الآلة تعمل، وأن الجميع كانوا شاكرين· لكنني نظرت حولي وفكرت أن الكمبيوتر قد لا يكون الأولوية الأهم بالنسبة الى ذلك المكان بشكل خاص·'
ويحرص الزوجان بيل وميليندا على التحدث في المواضيع الخاصة بالظلم المنتشر في العالم· ففي مؤتمر صحي في واشنطن تحدث بيل وقال: 'أعتقد أن غياب المساواة هي الحقيقة السائدة في المجتمعات· فهناك أكثر من خمس مليارات من سكان العالم لا يحصلون على الأدوية المتوفرة للمليار الآخر'· وأضافت زوجته في المؤتمر نفسه: 'من غير المقبول أن يعتبر نبأ سقوط طائرة خبرا عالميا تتداوله كل وسائل الاعلام التي تهمل تسليط الضوء على حقيقة أن 50 ضعفا من الضحايا يموتون بنفس اليوم وكل يوم بسبب أمراض يمكن الوقاية'·
يعيش الزوجان جيتس مع أطفالهما الثلاثة جينفر (8 أعوام) روري (5 أعوام) وفويب (عامين) في منزلهما الذي تبلغ كلفته 25 مليون جنيه استرليني والمكون من 20 غرفة نوم على شاطئ بحيرة واشنطن بالقرب من سياتل· أما جمعيتهما الخيرية فتتم ادارتها من قبل مسؤولة سابقة في شركة مايكروسوفت· لكن الزوجين يلعبان أيضا دورا في اتخاذ القرارات المتعلقة بمبالغ التبرع اذ تقول ميليندا: 'نقوم أنا وبيل بقراءة جداول المبالغ المتبرع بها في أي وقت فراغ لنا، وذلك بشكل منفصل· قد يكون ذلك في وقت متأخر من الليل، أو بالنسبة لي أثناء وجود الأولاد في المدرسة· ثم نجتمع معا في عطلة نهاية الأسبوع لنتشاور بشأنها·'
أولاد بيل وميليندا سيرثون فقط عدة ملايين من الدولارات من ثروة والدهم لذلك لن يكونوا من الأثرياء السوبر· أما ميليندا فقد تركت عملها في شركة مايكروسوفت في عام 1996 لتقوم بتربية أطفالها· لكنها ما تزال تحتفظ بحقها بالعمل على طريقتها الخاصة اذ أنها عضو في مجلس ادارة شركة لبيع الأدوية على الانترنت· كما انضمت مؤخرا الى مجلس ادارة صحيفة الواشنطن بوست بمرتب شهري قدره 30 ألف جنيه استرليني· لكن بوصفها زوجة أثرى رجل في العالم هناك الكثير من الأمور التي تسبق المال من حيث الأولوية في حياتها· فهي ترى أن السعادة لا تكمن في امتلاك المال بل في طريقة استخدامه· وتعتقد أنها ستشعر حقا بمثل هذه السعادة لو تمكن العالم بفضل الأموال التي تتبرع بها جمعيتها الخيرية من اختراع لقاح تحصين ضد الملاريا ومن تأمين الأدوية اللازمة للشعوب التي تكثر فيها اصابات هذا المرض·

اقرأ أيضا