الاتحاد

دنيا

كلمتان !

استفزني موقف هذا الزميل وما قاله في حقي، فرحت أطلق الدخان الأسود من أذني كما يفعلون في الرسوم المتحركة، ورحت أبتلع غيظي.. أعترف أنني تصرفت بتحضر بالغ فلم أتهمه بأنه وغد سوى ثلاث مرات، واتهمته بأنه خنزير مرتين، واتهمته بأنه أسود القلب طرًا وأنه من أسفل من مشوا على ظهر البسيطة.. فعلت هذا ثلاث مرات فقط..
في النهاية أقنعوني بـأن هذه القطيعة حرام وأن علي أن أتصل به، فوعدتهم بأن أفعل.. فقط سوف أشتمه قليلاً على الهاتف وبعدها سوف أستعيد هدوئي.
اتصلت به على الهاتف المحمول، فوجدته مغلقا.. بعد ساعة جربت الاتصال به فسمعت أغنية شبابية مرحة مع عرض بأن تكون هذه النغمة الخاصة بي. بعد عشر محاولات دق الهاتف .. لكن أحداً لم يرد.. فعرفت أن الهاتف ليس معه..
كنت أعرف جيداً ما سوف أقوله له وكتبته في ورقة:
أنت تتهمني بصفات ليست في.
أنت تنقل أسراري لأطراف أخرى.
كنت تأكل شطيرة من الكفتة ولم تعرض علي أن أتذوق قضمة منها.
أعرف ما سأقول وكيف أقوله.. بل إنني أوشك على سماع نفسي وأنا أهز رأسي في أسى: كفتة ؟.. قطعة كفتة تضن بها علي أنا صديقك ؟.. ثم أبكي..
نمت على هذا الحوار، فلما صحوت في الصباح وجدت أنه اتصل بي ست مرات.. كيف لم أسمع الجرس ؟
طلبته فراح الجرس يدق بلا جدوى.. إنه غير موجود.. سوف أجرب أن أطلبه عند الظهر..
لكني نسيت أن أطلبه ظهراً.. نمت عصراً ثم صحوت لأجد أنه طلبني ولم أكن مستيقظاً..
هكذا دارت الأيام وهكذا تحول الأمر إلى محاولات مستمرة من أحدنا للقبض على الآخر، لكن هيهات.. مستحيل أن تجده.. كلانا لا يستعمل الهاتف الجوال إلا كأنه هاتف أرضي. لدرجة أنني فكرت جدياً في كتابة فاكس ألومه فيه وأرسله لمكتبه لكن بدا لي أن هذا نوعاً من المبالغة..
اليوم بعد أسبوعين أحاول تذكر لماذا كنت أريد صديقي.. لا أذكر..
اتصل بي فاقتنصت السماعة وأنا أرتجف.. قال لي:
ـ«كيف حالك أيها العزيز ؟.. هل كنت تريدني ؟»
قلت في لطف مرتبك:
ـ«بصراحة لا أذكر السبب.. هناك كفتة في الموضوع لكن لا أذكر التفاصيل. لا عليك.. المهم انني سمعت صوتك..»
ـ»أنت صديق عزيز ..»
ـ»وأنت كذلك .. أدام الله المحبة»
ووضعت السماعة شاعراً بأن هناك شيئاً ناقصاً.. غريزة العدوانية عندي تهيأت للافتراس ثم خاب أملها. بالطبع يستحيل أن أتذكر أسباب الخلاف.. ولم أجد الورقة التي تشرح ما سأقول ..
فيما بعد قرأت عن الخط الساخن الذي كانوا يريدون عمله بين الرئيس الأميركي والسوفييتي أيام الحرب الباردة. عندما يقرر الرئيس السوفييتي أن يشن الحرب النووية يتصل بنظيره الأميركي.. بالطبع لا يجده لأنه يلعب الجولف. يتصل الأميركي بنظيره السوفييتي في الصباح ليعرف لماذا طلبه، فيجد أنه في مسرح البولشوي يشاهد باليه بحيرة البجع.. تمر أيام وكلا الرئيسين يحاول الظفر بالآخر، وفي النهاية يلتقيان فيحاول الرئيس السوفييتي تذكر سبب اتصاله.. لا يذكر.. يتمنى للرئيس الأميركي ليلة طيبة، ثم يذهب للحانة ليتناول الفودكا..
إن الهاتف الجوال وسيلة ممتازة لتوطيد العلاقات البشرية.. بشرط ألا يكون أحد الطرفين موجودًا !

اقرأ أيضا