الاتحاد

الملحق الثقافي

محمد فوزي.. صريع «مصرفون»

لم ينل الفنان محمد فوزي ما يستحقه من تقدير، لذا فإنه أمر طيب أن تلتفت اليه وزارة الاستثمار وتصدر كتابا عنه في سلسلة «رواد الاستثمار» ويحمل عنوان «محمد فوزي.. المجد والدموع» للناقد والباحث مصطفى بيومي.
ولد محمد فوزي عبدالعال الحو في 28 أغسطس 1918 في قرية كفر الجندي على حدود مدينة طنطا، والده مقرئ للقرآن الكريم، وهو رقم 21 بين اخوته ولم يكن أصغرهم، ودرس بالمرحلة الابتدائية في مدرسة طنطا ونال شهادتها عام 1931، ولم يواصل تعليمه، فقد انشغل بالموسيقى والغناء، وكان يردد الاغاني الشهرة لام كلثوم وعبدالوهاب في الموالد والحفلات، مما اثار غضب والده، وحاول منعه، لكنه تمكن من تعلم أصول الموسيقى العربية متتلمذا على عضو فرقة طنطا الموسيقية محمد الخربتلي، الذي كان عسكريا بالمطافئ، واندمج فوزي في عالم مولد السيد البدوي الذي كان واحدا من اشهر الموالد في مصر آنذاك وحدث ان استمع اليه ضابط الايقاع في معهد الموسيقى العربية والملحن المعروف في زمنه مصطفى العقاد، فأعجب بصوته وساعده على الالتحاق بمعهد الموسيقى العربية، وعانى كثيرا في سنواته الأولى بالقاهرة فقد التحق بالمعهد وغادر طنطا الى القاهرة بدون رضا والده، لذا لم يمده بأي أموال، ولا قدم له أي مساعدة.
مع بديعة
وظل كذلك حتى تمكن من الالتحاق بفرقة بديعة مصابني كمطرب، بأجر يبلغ سبعة جنيهات شهريا، وهو مبلغ كبير آنذاك، الفرقة عرفت اسماء كبيرة مثل فريد الاطرش ومحمد عبدالمطلب وعبدالغني السيد وغيرهم. لكن فوزي لم يلبث ان استقال من الفرقة، تضامنا مع الراقصة «لولا» التي كان يحبها وفصلتها بديعة من الفرقة، حاولت بديعة منعه لكنه أصر، وكوّن مع «لولا» ثنائيا فنيا يتجول في انحاء مصر، ثم عادا ليستقر فوزي في فرقة فاطمة رشدي المسرحية وزوجها المخرج الكبير عزيز عيد، وهما اول من اكتشفا موهبة فوزي كملحن، وفي أثناء ذلك تخرج من المعهد ولم يكن امامه غير ان يحترف الفن، ثم الحقته فاطمة رشدي بالفرقة القومية المصرية، لكن تجربته المسرحية عموما لم تكن ناجحة، فلم يتمكن من التوافق مع العمل المسرحي، لكن هذه التجربة قادته الى العالم الكبير الذي حقق له نجاحا وشهرة، هو السينما، فقد انتبه الى موهبته يوسف بك وهبي فتعاقد معه على القيام بدور ثانوي في فيلم «سيف الجلاد» عام 1944، الذي اخرجه ولعب بطولته يوسف بك نفسه، وفي العام التالي مباشرة اختاره المخرج احمد بدرخان للبطولة الثانية في فيلم «قبلة في لبنان» وبعدها صار البطل الاول في الافلام، وبلغت افلامه رقم 36، ومثل مع كبار النجوم والنجمات.
منتج سينمائي
مع نجاحه في السينما قام بتأسيس شركة انتاج سينمائية خاصة في عام 1947 ويذكر له تاريخ السينما انه اول من انتج الفيلم الملون، كان ذلك مع فيلم «نهاية قصة» وفيلم «بابا عريس» وقد مني بخسارة مادية كبيرة بسببهما، لكنه خطا بالفن السينمائي العربي خطوة هائلة الى الامام. وفي نهاية الخمسينيات اقدم على مشروع عمره وهو تأسيس شركة لانتاج الاسطوانات الفنية اسماها «مصر فون» وكانت صناعة وانتاج اسطوانات الموسيقى والغناء حكر للاجانب، فاقتحم هو هذه الصناعة وجمع كل ما لديه من ممتلكات وثروة اسس بها الشركة، وهو مبلغ ضخم آنذاك بلغ 300 ألف جنيه مصري، وافتتح الشركة في 30 يوليو عام 1958 د.عزيز صدقي وزير الصناعة الذي اشاد بالمشروع الذي يوفر العملة الصعبة.. كانت الاسطوانة تستورد بجنيه، وكانت الاسطوانة المنتجة هنا بثلث هذا المبلغ فضلا عن انها لم تكن سهلة الكسر، وكانت تستوعب اغنيتين، بينما المستوردة كانت تستوعب اغنية واحدة. حققت الشركة نجاحا كبيرا، وبدأت بانتاج اغنيات ام كلثوم ونجاة ووضع فوزي نظام تعاقد محترما للفنان كانت الشركة الاجنبية تدفع مبلغا معينا للمطرب وتنتهي علاقته بعمله، لكن فوزي اضاف انه من حق الفنان ان ينال نسبة معينة من ايرادات الاسطوانات، وهكذا استفاد الفنان والجمهور، فضلا عن الصناعة والاقتصاد الوطني، ويذكر له معاصروه ان علاقته كانت ودودة بالعمال في مصنع الأسطوانات وكانوا يقدرونه.
صاعقة التأميم
كان محمد فوزي سعيدا بهذا النجاح، وفي عام 1961 نزلت عليه الصاعقة، فقد تم تأميم الشركة واستولت الدولة على الشركة وعلى المصنع، وكانت هناك غلظة وقسوة في التعامل معه، فقد حددوا له مكتبا صغيرا يجلس فيه، بدلا من مكتبه، وقدروا له راتبا معينا.. كل هذا وهو يتألم، حتى امسك بروحه المرض وكان مرضا نادرا، عولج منه في الولايات المتحدة دون ان يتحقق الشفاء، فقد نقص وزنه حتى صار 40 كيلوجراما، ولم يتمكن الاطباء من تحديد ذلك المرض، ويسمى في المراجع العلمية باسمه.. وقد صدر قرار علاج له على نفقة الدولة، وحاولت الدولة ان ترعاه كقيمة فنية، وفي 20 من أكتوبر 1966 وافته المنية، مات وحسرته معه على جهده وعرقه الذي اخذ منه، رغم انه لم يكن «عدو الشعب» بمصطلحات ذلك الزمان، ولا كان من الوارثين فقد جمع ثروته من عرقه وجهده، ولذا كان الواجب ان يتم التمييز في تطبيق التأميمات، فهو ينطبق عليه ما كان يسمي وقتها «الرأسمالية الوطنية» لكن احدا لم يميز ولم يفرق.. ولعل مشهد جنازته كان دالا اذ تقدم الموكب د.عبدالقادر حاتم نائبا عن الرئيس جمال عبدالناصر، وسار في الموكب كبار الكتاب والفنانين، مثل يوسف السباعي وعماد حمدي وأحمد مظهر وغيرهم. وتوقف عدد من النقاد والمعاصرين لمحمد فوزي عند واقعة تأميم شركته، بعضهم قالوا انه اخطأ لأنه اسماها شركة ولو اطلق عليها تسمية اخرى لما خصصت للتأميم، وبعضهم قال انه غنى لوطنه وبلده فقط، لكنه لم يقم بالغناء لزعيم الثورة عبدالناصر، كما فعل عبدالحليم حافظ ومحمد عبدالوهاب، لذا فإن التأميم لم يقترب من أيهما، رغم ما كان لديهما من ثراء يفوق ما كان لدى محمد فوزي، أما زوجته الثانية الفنانة مديحة يسري فقالت: لو انهم احسنوا معاملته كأن يكون مستشارا للشركة، بدلا من ان يصير مجرد موظف صغير بها لتغير الأمر.. أيا كان التفسير، فما جرى كان خطأ قاتلا، والاخطر منه ان الشركة تراجعت بعد ان تم تأميمها.
صراحة فنية
لم يكن محمد فوزي رغم ما فيه من طيبة وبساطة يتردد في ان يعلن رأيه بصراحة وبشجاعة، دون ان يخاف من احد أو ان يحرج احدا، ففي الموسيقى قال ان موسيقانا محلية وانها محدودة في صياغتها لان اغلبها يعتمد على سلم موسيقى مختلف عن السلم الموسيقى العالمي، ولغتنا الموسيقية غير مفهومة للعالم الغربي، لذا كان يدافع عن المزج بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية، وقال ان روح التقدم والتجديد تستوجب تقديم الموسيقى العربية في اطار مختلف ومغاير للمنهج التقليدي السائد، وبهذا المعنى تمكن من القول انه يحترم موسيقى محمد عبدالوهاب لكنه لا ينتمي إلى مدرسته ولا يجد نفسه منجذبا الى اسلوب لا يريده. ظهر محمد فوزي في عصر مليء بالنجوم والقامات الكبيرة، مثل محمد عبدالوهاب والقصبجي والسنباطي ومحمود الشريف وزكريا احمد وفريد الاطرش وليلى مراد ولم يجد صعوبة في ان يتقدم الصفوف، وان يكون فنانا له اسمه وشهرته وهذا يكشف موهبته الصادقة وجديته واخلاصه لفنه. لقد ظلم محمد فوزي في حياته وراح ضحية قرار سياسي طائش، ومع ذلك لم يخلط بين الخاص والعام، لذا ظل حتى النفس الاخير يقول «بلدي احببتك يا بلدي».. والآن بعد مرور 43 عاما على رحيله، وقرابة نصف قرن على تأميم شركته، وتغير سياسة الدولة فباتت تشجع الاستثمار، وتتيح الفرص للمستثمرين فهل يتم رد الاعتبار للفنان الكبير محمد فوزي؟! لابد ان يحدث ذلك.
? الكتاب: محمد فوزي ـ المجد والدموع ? المؤلف: مصطفى بيومي ? الناشر: سلسلة رواد الاستثمار - بالقاهرة 2009

اقرأ أيضا