صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

«راعي الماعز» الذي أقلق الجنرال فرانكو بقصائده

رغم القلق السياسي والاجتماعي الذي نتج عن فقدان إسبانيا لمستعمراتها في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا مع نهايات القرن التاسع عشر بعد هزيمتها أمام الولايات المتحدة في معركة “هافانا” الشهيرة، إلا أن هذا الوضع القلق حرك المياه الراكدة في الحياة الثقافية الإسبانية وحرك موجاتها لتشهد خلال النصف الأول من القرن العشرين نتاجا منقطع النظير في جميع مجالات الإبداع الأدبي والفني أطلق عليه النقاد مسميات متعددة اشهرها “جيل 27”.
فقد قدم “جيل 27” العديد من المبدعين الذين تخطت شهرتهم العالمية حدود الإبداع مثل “لوركا” و”البيرتي” و”فيثنتي اليكساندري” الذي حصل على جائزة “نوبل للآداب” عام 1977، إلا أن هذا الجيل قدم تضحيات دموية حقيقية، فقد تم إعدام “لوركا” على أيدي الفاشيين عام 1936، وواجه “ميجيل ايرنانديث” مع “انطونيو بويرو باييخو” حكم الإعدام في محكمة عسكرية بقرار من الجنرال فرانكو انتقاما منهما باعتبارهما من أصوات الجمهورية التي انقلب عليها الجنرال، ولكن تدخل كبار الكتاب العالميين مثل بابلو نيرودا وهيمنجواي خففا هذا الحكم إلى المؤبد ليموت ميجيل ايرنانديث في السجن بعد إصابته بداء الرئة نتيجة الإهمال الصحي والحياة القاسية، فيما بقي بويرو باييخو ليخرج من السجن ويستمر في نضاله من خلال نشر كتاباته المسرحية، ويذكر له التاريخ انه صاحب الصورة الشهيرة وتكاد تكون الوحيدة للشاعر التي رسمها له خلال انتظارهما تنفيذ الإعدام.
من سخرية القدر أن تحتفل إسبانيا هذا العام بالعيد المئوي لمولد الشاعر ميجيل ايرنانديث (1910 ـ 1942) الملقب بـ”راعي الماعز” فيما طوى النسيان تماما الجنرال “فرانكو” الذي حاول تدمير هذا الإبداع طوال أربعة عقود حكم خلالها البلاد بكل وسائل القمع، بقي الإبداع وألقى التاريخ بالقامعين إلى “النسيان”.
تشمل الاحتفالات بالذكرى المائة لمولد الشاعر العديد من المؤتمرات والموائد المستديرة واللقاءات التي تجمع عددا كبيرا من دارسي أشعار وحياة ميجيل ايرنانديث في إسبانيا والعالم، وذلك لمناقشة الأعمال الشعرية والمسرحية التي تركها هذا المبدع رغم رحيله المبكر.
نظرا لاهتمام العديد من الموسيقيين بتلحين وغناء قصائد ميجيل ايرنانديث فقد شملت تلك الاحتفالات إقامة العديد من الفعاليات الموسيقية وفي مقدمتها الحفلات الموسيقية التي يحييها المطرب القطالوني “جوان مانويل سيرات” الذي لحن وغنى معظم قصائد الشاعر وتغنى بها واستخدمها سلاحا نضاليا في مواجهة نظام الجنرال فرانكو، واهم تلك الأغنيات “ترنيمة البصلة” التي كتبها ايرنانديث في سجنه وخلال انتظاره تنفيذ حكم الإعدام ردا على رسالة كتبتها له زوجته خوسيفينا تخبره فيها أنها لم تعد تملك ما تقدمه لطفلها الرضيع كطعام سوى “البصل”، وهي ترنيمة تستند إلى التراث الشعبي لمنطقة اليكانتي التي ولد فيها الشاعر، والتي يهدد فيها طفله البعيد عنه ويطلب منه أن يمتص “لبن” البصلة البارد حتى يتغذى بعد أن عز عليه أن يقدم له لبن الماعز التي كان يمتلكها الشاعر ويدور خلفها في مراعي بلاده.
ولد الشاعر ميجيل ايرنانديث بقرية “اوريويلا” مقاطعة اليكانتي لأب يعمل راعيا للماعز ويربيها مما منعه من الدراسة كأمثاله من أطفال قريته، فقد التحق بالمدرسة الابتدائية في الخامسة من عمره ليغادرها بعد عام واحد فقط لم يحصل خلاله الكثير سوى تعلم الأحرف وكيفية كتابتها، وبدأ مبكرا ممارسة الحياة العملية في رعي الماعز مع أسرته، إلا أن هذا لم يمنعه من أن يحاول أن يعلم نفسه بنفسه من خلال قراءة الكتب الموجودة في المكتبات الخاصة ببيوت رفاقه الأثرياء بالقرية، وكذلك الكتب التي عثر عليها لدى كاهن الكنيسة الذي تنبأ بنبوغه المبكر وشجعه على القراءة، فاطلع على أهم شاعر صوفي في المسيحية “سان خوان دي لا كروث” و”فرجيل” مؤلف “الكوميديا الإلهية”، وكذلك قرأ لكبار مؤلفي العصر الذهبي في إسبانيا مثل لوبي دي بيجا وثربانتيس وغيرهم.
على اثر هذه القراءات بدأ ميجيل ايرنانديث يكتب أولى قصائده التي حازت إعجاب الكثيرين من الذين اطلعوا عليها، وشكل مع فتيان قريته جماعة “الطاحونة” وكانوا يجتمعون في الطاحونة التي كانت من أملاك أسرة صديقه “كارلوس فونيل”.
بعد شعوره بصقل موهبته قرر مغادرة قريته وماعزه والرحيل باتجاه العاصمة مدريد، ووجد هناك ترحيبا من كبار كتاب تلك الفترة وساعدوه على العمل في مجال الكتابة والنشر، فعمل سكرتيرا لإدارة موسوعة “مصارعة الثيران”، وتعاون مع مجلة “اوكسيدنتي” التي كانت ولا تزال من اشهر المجلات الأدبية، وكان طابع كتابته وقتها يتسم بالمنحى الاجتماعي، وكان محظوظا بسبب المقال الذي كتبه عنه شاعر إسبانيا الكبير “خوان رامون خيمينيث” الذي كتب عنه مقالا في صحيفة “الصول” لان هذا الشاعر قليلا ما كانت تلفت نظره كتابات الآخرين، وقليلا ما يبدي حماسا لشاعر جديد.
وبانفجار الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936 تطوع ميجيل ايرنانديث في الجانب الجمهوري وتنقل بين جبهات القتال المختلفة مقاتلا وشاعرا يحمس المقاتلين بقصائده وأغانيه ومسرحياته القصيرة التي كان المقاتلون يقدمونها على ارض المعركة.
في عام 1937 اختارته الحكومة الجمهورية ليكون عضوا في وفدها إلى المؤتمر الدولي الثاني للكتاب المعادين للفاشية الذي انعقد في موسكو، وعاد بعد المؤتمر ليكتب قصيدته “راعي الموت”، ثم كانت قصيدته الأخرى “ابن الضوء والظلال” التي كانت عبارة عن “بكاء” على طفله الأول مانويل رامون الذي مات بعد اشهر قليلة من ميلاده.
بعد ميلاد طفله الثاني القي القبض عليه وحوكم أمام محكمة عسكرية وصدر ضده حكم بالإعدام باعتباره محرضا على التمرد ضد نظام الجنرال فرانكو، وتم إيداعه بسجن اليكانتي رفيقا بالزنزانة مع الكاتب المسرحي الكبير انطونيو بويرو باييخو الذي خلد الشاعر من خلال رسم الصورة الوحيدة المعروفة له خلال مرحلة سجنه، وخلال انتظاره في السجن كتب قصيدته الشهيرة الأخرى “ترنيمة البصلة”، لم ينفذ الحكم بعد تدخل جهات دولية مطالبة بالإفراج عنه لكنه ظل بالسجن بعد تخفيف الحكم إلى السجن مدى الحياة، ولكنه سرعان ما غادر الدنيا في مارس 1942 بمستشفى السجن، وتم دفنه في القبو تحت رقم 1008 بمقابر مقاطعة اليكانتي شرق إسبانيا بالقرب من الأرض التي شهدت مولده.