صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

أدونيس.. اسمه لغم الحضارة

كتب أدونيس قصيدته الطويلة “هذا هو اسمي” مطلع عام 1969، حيث لا تزال الهزائم والأزمات مهيمنة على العقل العربي، وتكاد أسئلة الهوية الأكثر حرجاً وإحراجاً للجماعة تتصدر تلك الأزمات، فالانتماء لشعب مغلوب وأمة منهزمة هي جزء من توترات انعكست على الشعرية العربية المكتوبة في السنوات اللاحقة، وكذلك نفسر البحث عن أشكال أشد تحرراً وانطلاقاً في البنية الشعرية والهيجانات اللغوية والصورية والإيقاعية التي صاحبتها، فضلاً عن الدلالات الناقدة للواقع والأنظمة والحياة التي رضي بها الشعب واستكان لها..

ضم أدونيس القصيدة إلى اثنتين من قصائده الطوال تلك الفترة هما “مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف” و”قبر من أجل نيويورك” ونشرها في ديوان “وقت بين الرماد والورد” مطلع السبعينيات، ولعل طول القصائد يعكس الامتثال للمساءَلَة والتفكر في ما آل إليه وضع العرب الحضاري لا السياسي فحسب، بينما يهيئ أفق التلقي وتوقعات القراءة إمكانية التعرف إلى اسم يشير إلى الشاعر ويدل عليه لا سيما والشاعر هو علي أحمد سعيد، وما أدونيس إلا اسم مستعار من الذاكرة الأسطورية الإنسانية اختاره الشاعر فلازمه منذ بدء تجربته الشعرية.
من هنا قُرِأتْ قصيدة “هذا هو اسمي” بكونها مكاشفة مع الذات: عن كنهها، ومع الجماعة: عن حقيقتها وأحقيتها في الحياة. وسرعان ما أعيد نشر القصيدة في أكثر من مكان عربي أبرزها مجلة “الشعر” 69 الطليعية في العراق التي نشرت (البيان الشعري) في العدد نفسه، وحرضت على التمرد والتجاوز، ووجدت في القصيدة نموذجاً للوعي الجديد المزدوج: شعرياً بانطلاقة النص وتغير إيقاعاته، وسياسياً بكونه احتكاكاً جريئاً بالواقع المأزوم والمهزوم. وإذا عدنا إلى كثير من النصوص الستينية المكتوبة بعد نشر القصيدة فسنرى فيها أصداء أدونيس: جملته الشعرية ومكاشفاته وإيقاعاته المتبدلة والمتنوعة. والأخيرة كانت أكثر جذباً من سواها ومدعاة للحيرة والجدل، حتى أن أدونيس نفسه صرح مرة أن الكثير من الشعراء والنقاد لم يستوعبوا إيقاع القصيدة فعدّها بعضهم نثراً والآخر أخطأ في تعيين وزنها المتذبذب بين تفعيلة المتدارك والمتقارب (فاعلن، فعلن، فعولن)، بينما تتردد أصداء من الرمل والخفيف في بعض المقاطع، بل يمكن قراءة بعضها بالاحتكام إلى تفعيلات أكثر من بحر وبهيئتين أو كيفيتين موسيقيتين. ويزيد البلبلة الإيقاعية استخدام أدونيس لنظامين: الكتابة السطرية، أي استمرار الجمل على سطر كامل مدور كالنثر، وبين الكتابة البيتية الحرة، أي الركون إلى البيت القصير الموزون والمستقل.

هاجس الخروج
تحدث أدونيس عن اسمه في قصائد سابقة، وأعلن عن ضيقه به جزءاً من رفضه للصلة بالخارج الذي يناوئه، فقال في المقطع الثالث من قصيدة “أقاليم النهار والليل” المكتوبة عام 1962 والمنشورة في ديوان “كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل”:
يلزمني الخروج من أسمائي ـ
أسمائي غرفة مغلقة
جبٌ غائب
علي أسبر علي أحمد سعيد علي سعيد علي أحمد أسبر علي أحمد سعيد أسبر
يتصارع يتكسر كالبلور
وأدونيس يموت
والهواء شقائق والأعراس في جنازته
ولعل ذلك يفسر مغزى تقليب أدونيس لاسمه ببلاغة أشد من تعقيدات الترميز الفني والإخفاء السياسي اللذين حملتهما قصيدة “هذا هو اسمي”، التي يقبل عليها القارئ وكأنها تعريف سيري من الشاعر بنفسه في وهلة التلقي الأولى. يبغي الشاعر إذن الخروج من جب وغرفة هما الحصار الذي يحسه في واقعه وفي اسمه المختار ذاتياً: أدونيس الذي يموت في غيابة الجب وخلف جدران الغرفة؛ لذا آثر التحول، وهو ليس التحول الوحيد في كيان أدونيس بالمناسبة، فجنسيتاه اللبنانية والفرنسية من بعد وسكناه بلبنان وأوربا، واستقراره خارج سوريا مبكراً وأسفاره وتنقلاته في المكان هي مظاهر أخرى لهاجس الخروج الذي استحوذ عليه.

قراءة للاسم!
إذا جارينا التفسير الثقافي لمركزية الاسم لدى أدونيس الذي قدمه عبدالله الغذامي في كتابه “النقد الثقافي ـ قراءة في الأنساق الثقافية العربية”، فسنعدّ التسمية دليلاً على فحولة ونسقية وأبوة حداثية. يقول الغذامي: “فمنذ اتخذ الأب الحداثي لنفسه مسمّى ذا بعد أسطوري: أدونيس، وهو في صدد تصنيم الذات وتتويجها على صورة البعل الأسطوري”، ويأتي ذلك الاستنتاج تأسيساً على وصف الغذامي لأدونيس بأنه منذ الولادة “طفل فقير يعيش حياة فطرية شعبية... وكان تحوله إلى أدونيس ـ كمسمّى رسمي بديل للاسم الذي أعطاه له الأهل ليكون أبا لذاته ـ تحولاً له دلالته النسقية.. فهو اسم مفرد بديل عن الاسم المركب يحمل مضامينه الوثنية التفردية المتعالية”.
لكن هذه القراءة تحاكم النصوص لا بسياقاتها بل نسقياً، فالغذامي يسوق ذلك ليثبتت افتراضات مسبقة ضمتها أحكام وتعسفات طالت شعراء آخرين كالمتنبي ونزار بتعقّب ذرّي لتمظهرات الضمائر النحوية في نصوصهم دون توسيع دلالاتها المعبّرة عن الجماعة، وبتجريد المجازات من فضاءاتها الممكنة والمتاحة في سياق الكتابة الشعرية، وهو لا يعدل في إصدار أحكامه فيفسر مثلاً وجود الأنا عند جرير في قوله:
أنا الدهرُ يفنى الموتُ والدهرُ خالدٌ
فجئْني بمثلِ الدهرِ شيئا يطاوِلهْ
بأنها لا تتكلم عن جرير وحده، ولكنها الأنا النسقية/ الثقافية المغروسة في ذهن جرير وليست الأنا الجريرية وحدها.
فلماذا عند محاكمة الأنا الأدونيسية يحيل الغذامي دلالتها إلى الفحولة وتصنيم الذات وكونها تؤلّه الشاعر وتبرز فرادته؟ ولا يعدها أنا مغروسة في ذهنه؟ وهو يدين قول أدونيس في “هذا هو اسمي”: “قادر أن أغيّرَ، لغمُ الحضارةِ هذا هو اسمي” ويصفه بأنه يقوله عن نفسه دون مواربة. لاغياً بذلك كل الإشارات السياقية في القصيدة وما جاورها من نصوص الفترة ذاتها والتي تتضح فيها انعكاسات هزيمة حزيران وفقدان أراض أخرى من جسد الوطن العربي الجريح.
أما اللجوء لاسم أسطوري بديلاً عن الاسم العائلي الذي يأسف عليه الغذامي، فهو نوع من استدعاء الحل بالأسطورة والرمز. لكن الغذامي يجعل كل شيء دليلاً على النسقية حتى الترميز ـ وهو أقصى طاقات الخروج على النسق واختيار بدائل ذاتية للتعبير ـ يعدّه الغذامي لعبة تكشف عن مُضمرها النسقي. ويكون المجاز عند أدونيس مجرد تغيير بلاغي جمالي وليس تغييراً في الحقيقة.

برق في العتمة!
واقع الحال، كما تصوره القصيدة، هو الاضمحلال والتلاشي “نحن زبَد يتبخر من نهر الكلمات/ وصدأ في السماء وأفلاكها صدأ في الحياة”. هذه الذات الجماعية لم تلحظها القراءة (الثقافية) القافزة على سياق النص وزمنه معاً. وهذا يفسر اندفاع القصيدة الغنائي وإيقاعاتها المحتدمة وتدافع تفعيلاتها في المقاطع البيتية خاصة ونهايتها الموزونة التي تشبه القرار الموسيقي:
عائشٌ في الحنين في النار في الثورة في سِحر سمّها الخلاقِ
وطني هذه الشرارةُ، هذا البرقُ في ظلمة الزمان الباقي...
وهكذا يصرح أدونيس بأمله في وطن آخر يبرق في عتمة الزمن، كما صرح بخيبته لأن الأمة استراحت في عسل تقاليدها وميراث أغانيها ولم تعد تعرف أين الباب للخروج من واقعها ولا تسأل عنه.
تتناوب على موقع المخاطب في القصيدة أكثر من ذات منها ذات الشاعر والمرأة والجماعة، كما تتناوب ذات السارد أيضاً. وهذا يجعل من الضروري التنبه لما تؤسس له القصيدة، فهي تحيل إلى ما جرى من وقائع، لكنها لا تمسها بكونها تاريخاً بل حضارة تسقط وأخرى في مدار الوعد يومئ لها الشاعر حين اختار لغم الحضارة اسماً له ولمن حوله.
هذا هو اسمي


هذا هو اسمي
سنقول البساطةَ: في الكون شيءُ يُسمى الحضورَ وشيء
يسمى الغيابَ نقول الحقيقة:
نحن الغيابْ
لم تلدنا سماء لم يلدنا ترابْ
إننا زَبَدٌ يتبخر من نَهَر الكلماتِ
صدأٌ في السماء وأفلاكِها صدأٌ في الحياة
وطني فيَّ لاجئٌ
وليكنْ وجهي َ فيئا!
دخلتُ مدرسة العشب جبيني مشقق ودمي يخلع
سلطانه: تساءلتُ ما أفعل؟ هل أحزم المدينة بالخبز؟
تناثرت في رواق من النار/ اقتسمنا دم الملوك وجعنا
نحمل الأزمنة
مازجين الحصى بالنجوم
سائقين الغيوم
كقطيعٍ من الأحصنة
قادرٌ أن أغير: لغم الحضارة ِ ـ هذا هو اسمي
الأمةُ استراحت
في عسلِ الربابِ والمحرابْ
حصَّنها الخالقُ مثلَ خندقٍ
وسدَّهُ.
لا أحدٌ يعرف أين البابْ
لا أحدٌ يسأل أين البابْ
* مقاطع من القصيدة