الاتحاد

الملحق الثقافي

مثل مصباح انطفأ إثر ريح

عبد الله مفتاح

عبد الله مفتاح

عبدالله مفتاح، الجبل الذي تهاوى على رمل الوجه الأزلي، خانك العمر، ونستك ذاكرة الأصدقاء، مثل مصباح انطفأ إثر ريح صرصر، مثل نجمة شاخ وميضها، مثل غيمة استعصى عليها إنجاب القطرة، مثل سدرة طاردتها العصافير ولم تجد مأوى يدفئ الأجنحة، مثل قصيدة حاصرها القلق، واستبدت في مقطعها الأخير، رجفة النهايات القصوى، مثل قوس قزح، تدثر برماد الغيم، مثل عاشق خبت نياقه ولم يحتلب غير الفراغ، مثل راهب تناثرت تراتيله في خيمة العزلة، واستباحة الصمت بعد بوح، زلزل الجدران والخلان، مثل سنبلة مالت على الأرض تبحث عن رائحة القطرة، وتفتش عن البلل، مثل قبلة تجمدت على شفتي عذراء متلهفة.
عبدالله مفتاح، خذلك الموت وأنت في ريعان التجول في ميادين أبي الفنون، خذلك المرض وأنت لا زلت في أول الحلم، لا زلت تهدهد قلب الطفل في داخلك، لا زلت تشاغب محبوبتك وتمنيها بعرس بهيج على خشبة المسرح الكبير.. عبدالله مفتاح، كان لصوتك الليلي مثل همس الغيوم، مثل وشوشة الصوت الداخلي، مثل ضجيج عقلك الباطن، عندما تستوحشه نعومة أظافر من أحببت، وأنعمت النظر في محياه إلى حد العبادة.. مثل أغنية بحرية أوقفها الموج، حين تهاوى مركب السفر وأنت على سفح الموجة، تنادي أبي الفنون أن يفصح عن سره الكامن في أحشاء زملائك والعاشقين وهم كثر، هم مثلك، أذهلهم الغياب المبكر، فانسحبوا ناكصين وفروا من قسورة الموت اللئيم.

هزال
عبدالله مفتاح.. بعد سنوات من الهزيمة، بعد عمر من الغياب، تبدو الآن أكثر نصوعاً عندما نشاهد نصوصاً، تتوارى خلف الهزالة، تبدو الآن أكثر حضوراً عندما نعلم أنك الأهم، وأنت في وضح النهار، ترتب أشياءك الصغيرة وتغادر، متأبطاً حسنات فنك الرفيع، وصوتك الذي كان مثل الهديل، يشاغب أغصان القلب ويغري الروح، بمشاعر الحرقة الوجودية.. عبدالله مفتاح أنت في القبر أو في أول السطر، أنت في الخبر جملة لونت حروفها باسم لا يمكن إلا أن يكون مفتاحاً، لذاكرة لايبدو أنها تدفن أسماءها، بقدر ما تبحث عن الأشياء في التفاصيل، وتطلق الأسئلة كطيور أبابيل، ترجم شيطان الصمت، وتهلل نسل النسيان، فما بين الصمت والنسيان، غشاوة البيان. وصخور التبيين، ونحن سيدي الذين نمثل على خشبة الحياة، لعلنا نصطاد سمكة البوح، لعلنا نخيم عند مضارب الزمن، بدون رجفة تذهب العقل والفعل، وتطيح بالعبارة، كما تفعل الصاعقة بغصن اللوز. عبدالله مفتاح.. لم تذهب بعيداً، لم تغمض عينيك للريح، لم تلجم شفتيك بل لا زلت الكليم الذي لم يتوخ صبراً، عندما أغرق القرين سفينة الغواصين، وقال بفصاحة العباقرة.. لن تستطيع معي صبراً، وإنك سيدي الذي عاهدت ووعدت بأنك ستضرب الموت، بعصا الاستثنائية، لينشف البحر، وتمر جحافلك دون عائق أو عثرة، أنت الذي قلت إنك لن تهوي في قاع الكأس، لأنك ستأوي إلى جبل يعصمك من الضياع.
عبدالله مفتاح.. السارد، الشارد في بحيرات الألم، الناهض من صحراء الأمل، الباهظ، الرافض، القارض، من أتون ومتون، وفنون الشعر، المتحدر من فصيلة الأنبياء، المجاهر بحكمة الفلاسفة، وما فاض من قريحة الأفذاذ، أيقنت دوماً أن الموت ما هو إلا تحرير من مقبرة الجسد، فأعلنت عصيانك على الخوف، فكرعت من أوعية الجرأة، حتى فاض المسرح باسمك، كما فضت أنت بشمائل الأوفياء، وصنعت مجدك رغم العمر القصير، رغم الرحلة التي لم تتجاور المسافة ما بين السفتين، كنت سيدي الجائل في الوجدان، كما هي القصيدة المشبعة بالمعنى، كما هي النخلة الحارسة لغابة الفرح.

ضد الغياب
عبدالله مفتاح.. قد يذهب المسرح، لكن لن يغيب الفن، كما أنك لن تأفل وأنت تحتسي من عطر التراب المبجل، ترصد لألأة النجوم، وما أبدت قامات وهامات، تقتفي أثرك، لعلها تلتقط شيئاً من برتقالة وجدك.. سيدي للحزن أصابع كما للفن مواقع، وأن في موقع الفن، لوّنت أصابع الحزن بالفرح، حتى صفق الزمن متهافتاً، يسأل عن بوحك الذي لم يماثله بوح، وجرحك الذي زخرفت به عيوننا، حتى باتت الأسئلة أشبه بطيور، تحلق على أغصان لهفتنا، حتى بتنا أجنحة تردد لحن الريح عندما يشتد نفيرها، ويميل الشجر مردداً لحن الخلود، ووجود ربما لا ينقضي أثره، لكنه يبقى الجذر الذي أروته الفلسفة، حتي زعق «مونتين» قائلاً: نحتضن كل شيء ولا نملك إلا الهواء.. يا لها من صحوة، لكنها لا ترقى إلى يقظة الشيخ العجوز، في أقاصي الهيمالايا الذي أوقد النار، وأشعل سيجارة الزمن، عندما آمن الثلاثي المرير «الحب، التعلق، الحرية» قضبان الموت والحياة، سيقان لشجرة واحدة، وريقات لغصن واحد، ولكن ربما تكون سيدي أنت الآن في كنف ذلك، المتبتل الرهيب، نقص له حكاية الموت والمرض، ويحكي لك أنه الموت الذي يذهب بالعمر إلى لاشيء، وفي اللاشيء سيدي شيء أعظم من الموت، أنبل من الحياة. عبدالله مفتاح.. وأنت في السرمد، لا تتحدث مع ثرثار، فقد يغشيك ويغشي سر نقائك، وصفائك، ويكدر خلوتك وأنت في حضرة خلود لا يحتمل الجدل، ولا يقبل أنصاف الحلول.. سيدي، خذ بناصية أحلامك، واحلم ففي الحلم كما قال «كيركفار» فيلسوف الفصاحة، في الحلم تتحرر العصافير من قيود الكذب، وتصنع النفس عالمها في غياب أصفاد من سوروا الحياة بقوانين وأُطر، أشدها شراسة محاسب الجسد، وقلائد الروح المزورة..
عبدالله مفتاح في كراسة الذاكرة، تبدو الصورة أكثر وضوحاً، عندما يكون العقل بلا أفكار مسبقة، وأنت سيدي المتسابق الزعم في حياض من عرفوا الفن، وساوره ظناً أنهم يقبضون من حلاوته، افتئاتاً والتفاتاً إلى ذات مغلقة مثل زجاجة قديمة. عبدالله مفتاح.. هل ستغني الآن للأصدقاء، وأنت ترفع السماعة مهاتفاً ليلاً، وتقول لقد ضقت ذرعاً من الفراغ، فإياكم وهذه الثرثرة، فإنها تحرق الدماء كما تحرق الجمرات خشب المواقد، ثم تبتسم وتهمهم، وتغمغم، وتنعم بالبكاء لتغسل صدراً، اكتنز بالأسئلة.. وبأيامك المريرة والمقبلة، وأحلامك المسترسلة في التفاصيل، وما اختبأ في معطف الكلام. عبدالله مفتاح.. ستكتب عنك وتكتب عنها الدروب الضائعة، في خضم الدهشة المريعة، وتكتب عنك نثات المطر، ساعة اختلطت الدمعة بالماء وساعة غشي الهدير خشخشة الصدر الملتاع بالألم، وساعة اكتسى القيم شيء من النحيب، من وجيب ومضة الأسى، والوحدة الأليمة.. ويذكرك فنك وغصنك الذي حلقت على براعمه طائراً يبحث عن بوحه في فضاءات لم يغشيها غبار ولا سعار ولا دوار.
عبدالله مفتاح.. ما جرى في ليلة الغياب، أسباب من العتاب، واقتضاب الشفةِ، واستقطاب جل ما في الجوف من خوف وحيف، وأسف على عمر لم يكمل دورته الشمسية، ولم ينجز مشروعه المبتور..
عبدالله لا يكفي أن نبكي، المهم أن نغسل الكلمات من براثن اللوعة وأن نطهر العيون من قذا ما يحدث في الوجود، من لعبة هزلية تفضي إلى تهميش المهمش، وإقصاء الحكمة من بواطن الفلسفة ليبقى المسرح خاوياً، يسرد حكايته بلا سامع ولا رائي، ليبقى الفن مجرد رغاء وثغاء، في بيداء الثرثرة، ويبقى مثلك على قارع الذاكرة مجرد فراشة مرت من جانب الحقل ولم تمص الرحيق، حتى بدا الطريق كائناً وحشياً يتوارى في جلباب غطرسته، محتكماً إلى اللاعقل. سيدي، في محنة الغياب لا يسقط الأصدقاء ولا الرفاق، وإنما تتهاوى الذاكرة منكفئة من حفرة التلاشي، ثم بعد ذلك تتخلى السماء عن نجومها، وتحصد الأقمار خساراتها المفجعة.. سيدي في مأزق الصمت المريب، يصير الأصدقاء كائنات هلامية، لا ترى بالعين المجردة، ولا يرى النهار الشمس المنفلتة من زمام المعرفة، وفي الحاشية نكتب عن معانٍ وتعاريف بسطور تختزل كل شيء حتى الحب، ممتعضة كأنها غزالة مطاردة، كأنها حثالة في قعر كأس قديم، كأنها أحفورة معتقة بالرمل، وبقايا رميم.
عبدالله مفتاح.. مفتاح صبرك صدأ عندما تلاشت الأمنيات، وغاب المحبون تحت ملاءة الباب العميق، ولم ينهض فيك غير الألم، لم تستيقظ غير دموع الحسرة، لم يعِ بوجودك سوى ذاك القلب المهشم، كزجاجة بالية لم ينع زمنك سوى فنك الذي بات مثل لغة مجروحة بمشرط التأتأة.. عبدالله مفتاح، وحدك تفهم كيف يصبح الحب نحنحة ضائعة في صدر عليل، عندما يستبد النسيان ويصير ذرات مسممة، وتصير أنت على السرير الأبيض، كبقع الدماء التي تدفقت من أحشائك، لتلون بياضك باللاشيء، ولم يبق سوى النظرات الساهمة إلى سقف الغرفة الموحشة، ترى ما لا يراه سواك، ترى أصابع حزنك معلقة في الجدار، ترى موتك يسدد المخالب، ويتفرس في وجهك الشاحب، ويمضي النظر في آخرين طوقوا صدورهم بآهات بحجم الفراغ الذي تركته. عبدالله مفتاح.. هذا كل ما في الأمر، أنك أحببت، والمسرح خال من العشاق، ولما استفاق رأسك، لم تجد سوى بحر من الصور الهاربة إلى اللاشيء، لم تر سوى حشد من الفراشات الغاربة، لم ترَ سواك، محطماً عند هاوية المحطة الأخيرة.. فاشتد عصفك وخسفك ونزفك، وقصفك ورجفك وعزفك، واغترفت من الصدر ما جادت به الروح من زفير، وأغمضت العينين مودعاً خالي الوفاض، إلا من قلب لم يزل الحب يلون جدرانه.

اقرأ أيضا