الاتحاد

الإمارات

الاحتضان العائلي ·· دفء ورعاية للطفل وتعويض للكبار عن مشاعر الأبوة والأمومة

تبدو السعادة في عيني أحمد وهو يتحدث عن ابنته ''المحتضنة'' حميدة وابنه المحتضن خالد· يعرض صورهما منذ كان عمرهما شهراً ونصف الشهر مروراً بالأشهر الثمانية التي قضياهما في كنفه، بينما تجلس زوجته وطفلتهما حميدة في حجرها وتلثمها بقبلات حنونة بين الفينة والأخرى·
اقترن أحمد بزوجته منذ سنوات، لكن الله لم يرزقهما أطفالاً، بيد أن مشروع الاحتضان العائلي التابع لـ''مؤسسة زايد العليا للشؤون الإنسانية'' مكّنهما من تعويض حاجتهما للأبوة والأمومة·
ويسعى مشروع ''الاحتضان العائلي'' إلى تأمين نشأة مميزة للأطفال الأيتام والمظلومين، ويساعدهم على تكوين شخصياتهم، ليتحولوا إلى كفاءات إيجابية في مسيرة بناء أرض الوطن، بحسب ما يقول سالم الكعبي مدير إدارة شؤون الأبناء في الدار الذي أضاف أن المؤسسة باشرت بتطبيق هذا المشروع بداية العام المنصرم، بناءً على توجيهات سمـــو الشيــــخ منصــــور بــــن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة·
وتشير خولة حمد البادي رئيسة قسم التربية والرعاية الاجتماعية - بنات إلى أن هذا المشروع ''يقوم على دمج الأطفال في المجتمع عن طريق العيش لدى أسر بديلة قادرة على توفير أوجه الرعاية المختلفة لليتيم ومن في حكمه، وفق شروط محددة بحيث تتولى هذه الأسرة المسؤولية الكاملة نحو تلك الفئة من إيواء ورعاية وتربية تحت إشراف متخصصين، ليصبح اليتيم عضواً نافعاً لنفسه وللمجتمع''·
وبلغ عدد الأطفال الذين تم احتضانهم من قبل عائلات 35 طفلاً وطفلة· يتوزعون كالآتي: 22 في أبوظبي و6 في العين، و5 في دبي، وواحد في رأس الخيمة وآخر في الفجيرة·
ويروي أحمد، الذي تجاوز الأربعين من عمره، كيف أمضى حياته وزوجته وهما يربيان أبناء إخوانهما وأخواتهما، قبل أن يبلغه أحد أصدقاء العائلة قبل عام تقريباً عن برنامج الاحتضان العائلي· آنذاك؛ هرع وزوجته إلى أحد المراكز التابعة لـ''زايد العليا''، وبعد تلبيتهما الشروط المطلوبة ''التي تجعل المؤسسة تطمئن بأن الطفل سيعيش في بيئة ملائمة''، عادت معهما حميدة إلى المنزل·
وتوضح البادي رئيسة قسم التربية والرعاية الاجتماعية - بنات الشروط التي يجب توفرها في الأسرة الحاضنة، تفادياً لحدوث أية مشاكل ''منها أن تكون الأسرة من أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة، وأن تتكون من زوجين صالحين أخلاقياً واجتماعياً· ويجوز عند الضرورة الاحتضان من قبل امرأة ذات ظروف خاصة، أي مطلقة أو أرملة، كذلك أن تكون الأسرة قادرة على رعاية الطفل اجتماعياً ونفسياً واقتصادياً من واقع البحث الاجتماعي للأسرة من قبل اللجنة التنفيذية''·
وتشمل الشروط كذلك ''خلو الأسرة من الأمراض المعدية والاضطرابات النفسية والعقلية، إضافة إلى حسن السيرة والسلوك، وأّلا يقل العمر عن 25 عاماً ولا يزيد عن 50 عاماً وتفضل الأسرة القادرة على إرضاع الطفل''·
ويعدد أحمد وزوجته، سلسلة الإجراءات التي اتبعاها ليحظيا بحميدة، بدءاً من تقديم أوراقهما الثبوتية، وصورة عن جوازي سفريهما ساريي المفعول و4 صور شمسية، وكشف طبي يثبت خلوهما من الأمراض المعدية، وشهادة حسن سير وسلوك، إضافة إلى إثبات الوضع الاقتصادي (شهادة الراتب وملكية المنزل وعقد الإيجار وعمل خاص)·
بعد ذلك، تولت اللجنة التنفيذية للمؤسسة بحث الطلب المقدم إليها، وعقب تأكدها من استيفائه الشروط، يقول أحمد ''قابلتنا اللجنة وطرحت علينا أسئلة للإلمام بكل الجوانب المتعلقة بالاحتضان والاطلاع على اتفاقية الاحتضان وتوضيح كل الاستفسارات''·
ويضيف أحمد وزوجته، اللذان ربيا 13 طفلاً من أبناء أقاربهما طوال السنوات الماضية، إن فكرة تبني طفل ظلت تراودهما، ''لأن نصرة اليتيم والمظلوم فيها بركة، كما أن الصدقة والترحم وتربية اليتيم وإدماجه في المجتمع تدفع بمصائب كثيرة''، بحسب أحمد·
بعد حصولهما على حضانة حميدة، رتبا غرفة خاصة ملآها بالألعاب والملابس وحتى بالذهب، ولونا جدرانها باللون الزهري· وانهمك الأبوان برعاية ابنتهما ''المحتضنة'' حيث التقط أحمد ما يزيد عن 2000 صورة فوتوغرافية، فضلاً عن توثيق مراحل نموها ولعبها ونومها بعدد من أفلام الفيديو· يقول أحمد ''اهتم بحميدة أكثر مما لو كانت ابنتي من صلبي''·
ولا تسمح زوجة أحمد للخادمة بالاهتمام بحميدة، بل تهتم هي بكل تفاصيل حياة الصغيرة من طعام وشراب وغيرها، ووضعت لها برنامجاً يومياً للخروج، حيث تتنزه الصغيرة كل صباح مع والدها في سيارته قبل الذهاب إلى عمله، وبعد الظهر تصطحبها الأم إلى المراكز التجارية والأماكن الترفيهية·
وتقول زوجة أحمد ''بعد أن دخل الفرح إلى منزلنا بدخول حميدة إليه، قررنا جلب طفل يؤاخي حميدة ويزيد الفرحة التي أنعم الله بها علينا· فمع دخول حميدة لمنزلنا ما عدت أشعر بآلام المعدة التي رافقتي لعشرات السنوات، وكنت قد قصدت بسببها أوروبا عدة مرات للعلاج''· تتابع اللجنة التنفيذية للمؤسسة حالة الأطفال عند أهلهم الجدد، من خلال الزيارات الدورية للاطمئنان على استقرار الطفل في الأسرة الحاضنة، كما تتولى توثيق ملاحظاتها في ملف خاص بكل طفل حتى بلوغه سن الرشد·
ويعرب أحمد عن أسفه الشديد لأن كثيراً من العائلات الغنية ''لا تلتفت لهؤلاء الأطفال ولا تتبناهم، ويغيب عن بالهم أن هذا الشيء يعتبر تجارة مع الله''·
ويؤكد سعود سعيد غانم القمزي مدير عام دار زايد للرعاية الشاملة أن عدد الطلبات المقدمة للاحتضان ''تجاوز 93 طلباً تم قبول 40 منها، فيما رفضت البقية''·
وهناك طريقتان يتم بهما تسجيل الأطفال في الدار، وهما أبناء دائمون وأبناء مؤقتون· في الحالة الأولى يتم تسلمهم للإقامة بالدار بناءً على تعليمات من الجهات العليا، أو بقرار من النيابة العامة بتسليم الأطفال إلى الدار· أما الثانية، فيتم تسلمهم بصفة مؤقتة بالدار وهم الأبناء الصادرة بحق أولياء أمورهم أحكاماً بالسجن ويصعب توفير من يحل محلهم في الرعاية· ويشير القمزي إلى أنه في كلتا الحالتين يتم تسلم الأطفال بعد إخضاعهم لفحص طبي يؤكد خلوهم من الأمراض المعدية (الكبد الوبائي والإيدز والزهري)· ويتم التعامل مع الحالات المرضية بصورة فورية ومباشرة، وتقديم كل الاحتياجات لهم من مسكن ومأكل وملبس، مع توفير كل الرعاية الاجتماعية والنفسية والصحية والتعليمية وغيرها لهم·
ويوضح أنه بإمكان غير المتزوجة احتضان أطفال في منزلها، حيث يجب أن لا يقل عمرها عن 30 عاماً، وأن يوافق أفراد الأسرة الحاضنة، وأن توفر السكن والدخل المناسبين للطفل المحتضن، وأن تكون الحاضنة مؤهلة وقادرة على تربية الطفل وتخضع للدورات التدريبية التي تنظمها الدار والتي تصب في مجال التربية والرعاية الاجتماعية والنفسية·
ويبلغ عدد غير المتزوجات اللواتي احتضن أطفالاً من الدار ،15 مقابل 19 أسرة تتكون من زوجين· وفي منزل آخر، تروي أمل قصتها مع ابنتها التي احتضنتها من الدار، حيث رزقت بأربعة أبناء ذكور، وطالما تمنت أن يكون لديها ابنة، وحققت لها دار زايد للرعاية الشاملة هذه الأمنية، حيث حصلت على طفلة أرضعتها وأصبحت أختاً لأبنائها بالرضاعة·
ويقول زوج أمل إن طفلتهما الجديدة ''زهرة العائلة''، ويضيف ''نهتم بها وندللها اكثر مما دللنا أولادنا (··) خصصنا لها غرفة وجلبنا لها مربية أطفال بخبرة ممرضة''·
ويعرب الزوج عن أمله في أن يتمكن من تسجيل الطفلة باسمه، قائلاً ''هذه أمنيتي وأمر يشرفني''·
لكن قسم الإفتاء في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية يقول إن الإسلام حرَّم التبني ونسبة الولد إلى غير أبيه، لكنه فتح أبواباً أخرى من الخير لهؤلاء الضعفاء من اليتامى واللقطاء الذين لم يُعرف لهم نسب ولا يُستدلُّ على أهلهم، أو عُرفوا لكن تخلوا عنهم وتركوهم للضياع، بل يمكن أن يحصل الخير لهؤلاء بما حثنا عليه الشارع من كفالة الأيتام، بل وكفالة اللقطاء أنفسهم، وفتح باب الإحسان إليهم على أوسع نطاق

اقرأ أيضا