الاتحاد

دنيا

المائدة الروسية تضم كوكتيلاً من طعام القياصرة والفقراء

المائدة الروسية تنوع يجمع التاريخ

المائدة الروسية تنوع يجمع التاريخ

الحديث عن المائدة الروسية حديث لا يقل إثارة عن حضارة هذا البلد العريق الذي شغل الدنيا بفنونه وعلومه وأدبه وموسيقاه ومعماره وصناعاته المتطورة. ورغم أن الكثيرين حتى وقت قريب لا يعرفون إلا النزر اليسير عن الطعام الروسي إلا أن ثورة الإنترنت والعولمة السياحية فتحت باباً شاسعا لتقدم المائدة الروسية باتجاه المطبخ العالمي عبر انتشار المطاعم الروسية في جميع أنحاء العالم وقد لعبت المراكز الثقافية الروسية دوراً بارزاً في هذا الانتشار السريع للطعام الروسي.

أصبح المطبخ الروسي مشهوراً في العالم كله، وفقاً لموقع “روسيا اليوم” الذي يتناول المجتمع الروسي، فبعد أن وصلت بعض المأكولات الروسية الأصيلة إلى قوائم الطعام في المطاعم في جميع أنحاء العالم، أصبح الناس يألفون أطباق الكافيار وأصناف السمك الأحمر والقشطة أو “سميتانا” والحنطة السوداء ودقيق الجودار، وأشهر الأطباق الروسية مثل “ستودين” و”شي” و”أوخا” و”بليني”، وهو الأمر الذي أسهم في تأثير فن الطبخ الروسي على مطابخ الشعوب الأخرى. وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بدأ المطبخ الروسي ينافس المطبخ الفرنسي الشهير من حيث تأثيره وشعبيته في أوروبا، وقطع المطبخ الروسي القديم درباً طويلاً في تطوره، ليمر عبر عدة مراحل هامة، وبدأ يتطور بسرعة في القرن التاسع الميلادي ليبلغ أوجه في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وتشكلت خلال هذه المرحلة الملامح والخصائص الأساسية لفن الطهي الروسي.

عجين وفطائر وسمك
شهدت بداية هذه المرحلة ظهور خبز الجودار وهو يعتبر حتى اليوم جزءاً لا يتجزأ من أية مأدبة في روسيا إلى جانب شتى المأكولات المصنوعة من العجين والفطائر الروسية، وفي الوقت نفسه ابتكر الروس مجموعة متنوعة من المشروبات منها الـ”كيسيل” الذي كان يصنع في البداية من حبوب الشوفان والقمح والجودار وبعد فترة بدأ الروس يستخدمون مختلف أنواع الفواكه في إعداده كما احتلت العصائد بشتى أنواعها حيزا هاما في قائمة الطعام الروسية بعد أن كان تناولها قبل ذلك يقتصر على الأفراح والمناسبات الدينية حيث كان طعام الروس القدماء يتألف من السمك وأنواع الفطر، لكن اللحم بقي طعاما نادرا على مائدتهم.

الصوم خريطة
أدى دخول المسيحية إلى الأراضي الروسية إلى تقسيم جميع أنواع المأكولات إلى مجموعتين: أولاهما الأطباق في فترات الصوم عبر المنتجات النباتية والفطر والسمك، وثانيهما الأطباق الأخرى المتمثلة في المنتجات اللبنية والبيض واللحم حيث يتراوح عدد أيام الصوم في السنة لدى المسيحيين الأرثوذوكس ما بين 192 و216 يوماً، وهذا ما أدى إلى ظهور عدد كبير من الأطباق لفترة الصوم واستخدام كافة أنواع الخضر والفواكه والأعشاب والحبوب والتوابل والزيوت النباتية مثل زيت القنب والبندق والخشخاش والزيتون وعباد الشمس, وابتكار أساليب طبخها العديدة، وقد تجنب الطباخون والطباخات خلط مختلف أنواع الخضر واللحوم في طبق واحد باستثناء أصناف الحساء التي كانت متنوعة ومحببة لدى الروس.

فنون طهي الأثرياء
في منتصف القرن السادس عشر بدأ تطوير المطبخ الروسي، وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر شهد المجتمع الروسي تعمق الفجوة الاجتماعية بين الشريحة الحاكمة والأثرياء من جهة والناس العاديين من جهة أخرى. وجرى عندئذ تبسيط قائمة الطعام على مائدة الفلاحين بسبب تدهور الظروف الاجتماعية والحروب وفترات الفتنة، فيما بلغ فن الطهي في بيوت التجار الأثرياء والأمراء والنبلاء ازدهارا لا نظير له وازداد عدد المأكولات على مائدتهم وأصبحت الأطباق التقليدية أكثر تعقيداً كما تسرب عدد من الأطباق الأجنبية والشرقية إلى المطبخ الروسي الذي كان معزولاً قبل ذلك.

المطبخ الشرقي والتتري
كان الروس في السابق يتناولون اللحم المملح أو المسلوق فقط، ولكن ظهر على مائدة الأفراح الروسية الكباب واللحم المشوي ولحم الفراخ والصيد وبعد انضمام أراضي إمارتي “أستراخان وقازان” وأقاليم “بشكيريا وسيبيريا” إلى روسيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ازداد تأثير المطبخ الشرقي وبالدرجة الأولى المطبخ التتري على تقاليد الطهي الروسية وفي هذه الفترة تعرف الروس على الأطباق المصنوعة من العجين “لابشا” و”بيلميني”، وعلى الحلويات الشرقية والفواكه المجففة كالزبيب والمشمش والتين إلى جانب الليمون والشاي اللذين أصبح تناولهما تقليداً في روسيا.
أما المرحلة التالية من تاريخ المطبخ الروسي فيعتقد المؤرخون أنها بدأت في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر وانتهت في مطلع القرن التاسع عشر، وخلال تلك الفترة بات واضحاً انقسام المطبخ الروسي إلى جزءين منفصلين المطبخ الشعبي ومطبخ النخبة الحاكمة وإذا ما كان مطبخ النبلاء في القرن السابع عشر يحتفظ بطابعه القومي، فابتداء من عهد بطرس الأول ازداد تأثير التقاليد الأوروبية في فن الطهي الروسي, حيث أعلن بطرس عن فتح “نافذة على أوروبا”، ومن أهم عناصر استراتيجيته لتحديث وتغريب النخبة الروسية كان إجبار الأرستقراطيين على تناول الأطباق والمشروبات الغربية بدلاً من المأكولات التقليدية كما كان القيصر يرسل النبلاء الشباب إلى أوروبا للدراسة والعمل، حيث اعتادوا على تناول المأكولات الأوروبية. لكن بعد تحقيق النصر في الحرب الوطنية على قوات نابليون في عام 1812، بدأ النبلاء يستعيدون الروح الوطنية والفخر بالتقاليد الروسية الأصيلة بما فيها تقاليد الطهي.

المذكرات الاقتصادية
في عام 1918 حاول “فاسيلي ليفشين” من مقاطعة “تولا” جمع وصفات الأطباق الروسية القديمة لأول مرة في كتابه “المذكرات الاقتصادية”، لكنه اضطر إلى الاعتراف بأن تقاليد الطهي الروسية أصبحت في حالة انحطاط. لكن بداية القرن التاسع عشر شهدت عودة كثير من الأثرياء والمثقفين إلى ما حققه المطبخ الروسي في القرن السادس عشر حيث أنعش ظهور الطبقة الوسطى في المجتمع الروسي وتنمية المدن وزيادة عدد المثقفين في البلاد، اهتمام الروس بتاريخهم وثقافتهم بما فيها المطبخ الروسي القديم. واعتبر البعض انه لدى روسيا طريقة خاصة تختلف عن طرق أوروبا، في كافة مجالات الحياة بما فيها السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة, فحتى الشرائح العليا من المجتمع الروسي والعائلة القيصرية حاولت العودة إلى تقاليدهم القديمة وأدركت ضرورة إزالة الفجوة العميقة التي كانت تفصل النخبة عن شعوب روسيا المتعددة القوميات.
وبقي المطبخ الروسي في تلك الفترة تحت التأثير الفرنسي، وما زال ممثلو النخبة الروسية يدعون طباخين أجانب معظمهم من فرنسا، للعمل في بيوتهم. لكن هؤلاء درسوا أساليب وخصائص فن الطهي الروسي وسعوا لإصلاح المطبخ الروسي وتحديثه دون أن يخرجوا من أطر تقاليده الأصيلة. كما أسهم الطباخون الأجانب في تأهيل الكوادر المحلية ليصل المطبخ الروسي في نهاية القرن التاسع عشر أعلى المستويات الأوروبية.

قبضة المطبخ الحديدي
في المناطق الريفية بعيدا عن العاصمتين بطرسبورج وموسكو، جرى العمل الكثيف على جمع المعلومات حول تقاليد الطهي لدى الفلاحين وإنعاش الأطباق القديمة، وظهر عدد كبير من الدراسات في تاريخ الطهي وكتب الطباخة. كما بدأ تبلور مفهوم المطبخ الروسي بمعنى أوسع ليضم بعض أطباق شعوب روسيا الأخرى، وبالدرجة الأولى، الأطباق الأوكرانية والبيلوروسية، علماً بأن مطابخ الشعوب الثلاثة تستند إلى قاعدة واحدة هي المطبخ الروسي القديم لكن وصول البلاشفة إلى السلطة وتبني المشروع الشيوعي ألحق أضرارا جسيمة بتقاليد الطهي لجميع شعوب الاتحاد السوفييتي حيث أنشأت الحكومة شبكة مطاعم عامة كانت تقدم عدداً محدوداً من المأكولات معدة انطلاقاً من المعايير الموحدة لجميع أنحاء الاتحاد السوفييتي أما اليوم فقد انتعش فن الطهي الروسي الأصيل بعد فتح آلاف المطاعم الروسية في روسيا إلى جانب زيادة الاهتمام بالمطبخ الروسي في العالم.

أشهر الأطباق الروسية

? تعتبر سلطة “اوليفيه”: وهي معروفة في الدول الأخرى بالسلطة الروسية، طبقا تقليديا في عيد رأس السنة في روسيا كلها إلا أنها بشكلها المعاصر ظهرت في المطبخ الروسي منذ وقت غير طويل, وترتبط تسمية هذه السلطة باسم الطباخ الفرنسي “لوسيان أوليفيه” الذي كان يمتلك مطعما في موسكو في بداية الستينات من القرن التاسع عشر وهو مطعم “ارميتاج” المعروف باعتباره أحد أفضل المطاعم في روسيا، حيث كان يقدم لزواره شتى المأكولات الفرنسية.
واختلفت طريقة عمل هذه السلطة في العقود اللاحقة نظراً للتغييرات الكثيرة في المجتمع وذلك لتبسيطها وجعلها مقبولة وسهلة المنال للمواطن السوفييتي ذي الدخل المتوسط. فتم استبدال أنواع اللحوم العالية التكلفة في السلطة بقطع السجق المسلوقة (الصوصج او المارتيديلا أو صدر الدجاج )، واستبدل لحم السرطان النهري بالجزر المسلوق، أما الزيتون فحلت محله البازلاء الخضراء.
? سلطة “سليودكا بود شوبوي”: وتترجم إلى العربية باسم “سمك الرنجة تحت الفروة”، ويقصد بالفروة هي الطبقات التي تغطي طبق السمك وهي من أشهر المأكولات التقليدية الروسية في عيد رأس السنة وعادة ما يتم صنعها عندما يكون الجو بارداً جداً في روسيا في شهر يناير.
? شوربة الملفوف “شي” : يعتبر تحضير هذا النوع من الشوربة بسيطا للغاية حيث يستخدم فيها الملفوف الطازج دون طبخه سابقاً. وهذه الشوربة لا تحتوي على اللحوم أو أية منتجات حيوانية، ولهذا ممكن تناولها في أيام الصوم عند المسيحيين.
? شوربة “البورش” : تعرف شوربة البورش في كل أنحاء روسيا، إلا أن تاريخها بدأ في أوكرانيا وبيلوروسيا وفي مناطق روسيا الجنوبية. وهذه الشوربة لا تزال حتى يومنا هذا مأكلاً شعبياً محبوباً. وتعتبر شوربة البورش من بين أروع ما ابتكره المطبخ الروسي مع الفطائر على أنواعها.

حلويات الروس.. كلها عسل

الروس يحبون الحلويات منذ القدم، إذا كانوا يصنعون مختلف أصناف المربى المتنوعة من الفواكه وبعض الخضر مثل الجزر والفطائر الحلوة وكعكات العسل (“بريانيك” و”كوفريشكا”) والفواكه المحلاة. وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر وصل إلى روسيا سكر القصب وترك أثرا هائلا في أساليب الطبخ وتنوع الحلويات، حيث كانت معظمها قبل ذلك مصنوعة على أساس العسل.

اقرأ أيضا