حسونة الطيب (أبوظبي) دمرت حرب السنوات الثلاثين أجزاء كبيرة من القارة الأوروبية في الفترة بين 1618 إلى 1648،في وقت تعتبر واحدة من بين العديد من الاضطرابات السياسية إبان الأزمة العامة. والأزمة العامة، هي اللفظ الذي استخدمه بعض المؤرخين لوصف فترة من انتشار الصراعات وعدم الاستقرار، التي اندلعت بداية القرن السابع عشر حتى بداية القرن الثامن عشر في أوروبا، وحسب بعض المؤرخين الحديثين، في العالم عموماً. وبينما أطلق عليها المؤرخ الإنجليزي أريك هوبسبون في 1954 لفظ، أزمة القرن السابع عشر، أسماها هاف تريفور، الأزمة العامة للقرن السابع عشر. وفي الوقت الذي ناقش هوبسبون الأزمة الاقتصادية في أوروبا، رأى تريفور أزمة أكبر اتساعاً في العلاقات بين المجتمع والدولة وتصدعاً في السياسات والاقتصاد والمجتمع، بسبب مشاكل سكانية ودينية واقتصادية وسياسية. وتخللت هذه الأزمة، جملة من الأحداث مثل، الحرب الأهلية الإنجليزية وحروب الفروند في فرنسا وحرب الثلاثين سنة في الإمبراطورية الرومانية والثورات ضد التاج الإسباني في البرتغال. ومن أهم أسباب الأزمة العامة من وجهة نظر تريفور، الصراع بين المحكمة والدولة، الذي تصاعد بين الدول الأميرية السيادية القوية التي تمثلها المحكمة، وارستقراطية الأرض التقليدية والطبقة العليا التي تمثلها البلاد. ويتفق العديد من المؤرخين، على أن القرن السابع عشر، هو قرن الأزمات. وبينما ركزت حرب الثلاثين سنة، الاهتمام على الرعب الذي تخلفه الحروب لكل الشعوب، شهدت حرب العقد الرابع من القرن السابع عشر، المزيد من تفكك الدول حول العالم، الظاهرة التي لم تشهدها أي فترة بعدها على الإطلاق. كما اندلعت العديد من الحروب حول العالم في منتصف القرن السابع عشر، لم يسجل التاريخ قدرها في أي حقبة من حقبه. وتميزت أسرة مينج الصينية الحاكمة، بنظام اقتصادي وسياسي واجتماعي، يختلف عن نظيره للحاكم توكوجاوا في اليابان. وشهد النظامان، سلسلة من الأزمات خلال منتصف القرن السابع عشر، مشابهة إلى حد كبير لأزمات أخرى حول العالم. ويُعزى انهيار أسرة مينج، للتغير المناخي ولمشاركة الصين الواضحة في اقتصاد الدول النامية. ومن مظاهر امتداد الأزمة العامة خارج حدود أوروبا، انخفاض عدد السكان في الصين بنحو 50 مليون في الفترة بين 1600 إلى 1644، بنسبة تزيد على 30%، وذلك مع انهيار أسرة مينج الحاكمة. وبالمثل، تراوح انخفاض عدد سكان ألمانيا، بين 15 إلى 30%، خلال حرب السنوات الثلاثين . ويعزي بعض الخبراء انخفاض عدد السكان، لعدم نمو الإمدادات الغذائية بالوتيرة ذاتها لنمو السكان. وكان القرن السادس عشر، شاهداً على النمو الاقتصادي، حيث كانت أوروبا ولأول مرة تعتاش من آسيا وأفريقيا وأميركا، وذلك عبر التجارة من أسيا وسبائك الذهب من أفريقيا وأميركا. وربما لم يكن هذا النمو متكافئاً، وكانت هناك صعوبات وخسائر، سواء في النمو أو الأرواح. وحالات إفلاس الدولة المتكررة الناتجة عن الديون القديمة، لا تؤثر بالضرورة على الرفاهية الجديدة. وأن الحرب التي تزيد من معدلات الاستهلاك، لا تعني استهلاك مصادر الثروة. ويمكن للاقتصاد المزدهر، حمل العديد من الانتهاكات والحالات الخاصة، بجانب حمله لبعض المؤسسات التي تهدر الأموال، شريطة استمراره في النمو. وفي غضون ذلك، يتم شحن الأحجار الكريمة من الأجزاء المكتشفة حديثاً في أميركا، خاصة الفضة من بوتوسي في بوليفيا الحديثة والمكسيك، للصين عبر إسبانيا، إضافة إلى أوروبا. وكانت الفضة غير منتشرة وقتها في الصين بالمقارنة مع أوروبا وبالتالي أكثر قيمة. وتسبب التدفق المستمر للفضة من العالم الجديد، في تدفق مستمر للثروة من الصين إلى إسبانيا. كما نتج عن واردات الفضة، تضخم في السعر حول مختلف أرجاء أوروبا. كما ساهم النمو السريع في السكان حتى منتصف القرن السابع عشر، مبدئياً في التضخم في بعض المناطق. لكن وبحلول 1590، بدأت تظهر بعض الشروخ في جدار هذا النمو. كما بدأت تتوالى الشكاوى ليس ضد مؤسسات الحكومة، بل ضد نمو أو تكلفة البيروقراطية الطفيلية. ورغم أن الحرب لم تخلق المشكلة، لكن فاقمتها، فكلما زادت تكاليف الحكومة، لجأت لذرائع مالية مثل، بناء وبيع المكاتب الجديدة، بيع أو إيجار طويل الأجل، لأراضي التاج أو الكنيسة دون القيمة الحقيقية ورفع الضريبة الإقطاعية وغيرها. والحروب التي كشفت عن الضعف الاقتصادي للنظام البيروقراطي، منعت أيضاً أي إصلاح للنظام. وتمت محاولات إصلاح خجولة، لكن المناخ السائد تغير بسرعة. ودفعت الحاجة الملحة للأموال، الحكومة لاستغلال الآليات الموجودة،ولم تشهد أي حقبة بذخاً كالذي ظهر بين انتهاء حروب فيليب الثاني واندلاع حروب الثلاثين سنة، عندما حكم العالم فيليب الثالث ودوق ليرما في إسبانيا وجيمس الأول ودوق بيكهام في إنجلترا وهنري الرابع وماري دو ميديسيس في فرنسا. وساد العالم وقتها، إسراف في الإنفاق وموجة من البناء والتشييد، خاصة في إنجلترا. وبفشل رفاهية القرن السادس عشر التي استمرت فترة طويلة من الوقت وحقبة سلام القرن السابع عشر في العقد الثاني من القرن السابع عشر، بلغ الاقتصاد الأوروبي مرحلة كبيرة من التردي بسبب عادات انتعاش فترة السلام، ليصاب بكساد مريع وانتشار «انحلال التجارة» على نحو عالمي في 1620. والحدود بين الطبقات المتعارضة، ليست واضحة بسبب نسيج معقد من المصالح، إذ من الصعب التعرف على طبقات مثل، مالكي المكاتب والبورجوازيين والمنتجين والمستهلكين ودافعي الضرائب والعاملين على جمعها. واتسمت سياسة المدن في القرون الوسطى بسياسة الاقتصاد القومي داخل المدينة الدولة، حيث بدأت المدينة كوحدة سياسية واقتصادية في ذات الوقت. وقامت تشريعاتها على المتطلبات التجارية وضبط أسعار المواد الغذائية والعمالة والحد من الاستيراد لمصلحة مصنوعاتها المحلية، بجانب تشجيع طرق التجارة الأساسية وبناء السفن وصيد الأسماك، لتستغل أرباحها في فتح أسواق جديدة ولاحتياجات الاقتصاد الوطني، مثل التعليم الفني وتحسين البلديات ومساعدة الفقراء. وفي ممالك إسبانيا، ألقت الحكومة بأعباء إنفاقها على عاتق المواطن، بدلاً من توزيعها داخل البلاد. ولم يكن في مقدور الاقتصاد الإسباني تحمل هذا العبء، في وقت تقلصت الثروة الوطنية بدلاً من الزيادة. وتم كتم أصوات المنادين بالمذهب التجاري، حيث أوشك الأجانب على الاستيلاء على تجارة إسبانيا. وفي حين يرى العديد من الخبراء الاقتصاديين، أن الاقتصاد الإقطاعي، انهار خلال فترة «الموت الأسود»، يعتقد آخرون، أن جزءاً كبيراً من النظام الاقتصادي الاجتماعي القديم، استمر خلال القرن السادس عشر المزدهر. وبنهاية تلك الفترة، تسببت العناصر الإقطاعية بشدة، في عرقلة مسيرة النمو. ونتج عن هذا التراجع الواسع والعميق، فرصة لحدوث تغيير هيكلي، الفرصة التي تحققت بشكل كامل في إنجلترا، حيث قضت الثورة السياسية على العقبات التي وقفت أمام التحول الاقتصادي. ويرى بعض المؤرخين، أن أجزاء من دول أوروبا الهامشية مثل، إسكتلندا ومسكوفي وإيطاليا وأيبيريا، تأثرت بشدة بفعل أزمة القرن السابع عشر، لكنها لم تتغير كثيراً. ونجم عن هذه الأزمة بالنسبة لمستعمرات خارج أوروبا، بناء مستوطنات وفلاحة أراضي جديدة. واعتمد مؤرخو إسبانيا الجديدة، فكرة الأزمة، لإلقاء الضوء على التاريخ الاقتصادي لأميركا اللاتينية، رغم عدم الإجماع فيما بينهم على هذا الرأي. ويعتقد مؤرخون آخرون، أن سلسلة من عمليات الإفلاس الحكومي وسخط النخبة والتوترات الشعبية، على خلفية الضغوط السكانية الطويلة الأجل وتضخم الأسعار، كلها تجسدت في انهيار الدولة عبر أوراسيا، لتشمل الإمبراطورية العثمانية والصين بجانب فرنسا. وفي المقابل، وبادراك أزمة المواد الغذائية في الفترة بين العقد الرابع إلى الخامس في القرن السابع عشر والتي امتدت من المحيط الأطلسي إلى الهادئ، يقول المؤرخ نيلز ستينزجارد، إن الموقع والمسار وتداعيات أزمة كبيرة وطويلة الأمد، تشير إلى عملية اختفاء جديدة لقارة أوروبا. وبينما ليس من الممكن إنكار فرض هذا التراجع الكبير على الدول والاقتصادات، فإنه يسلط الضوء على الفرص المصاحبة، والتعديلات، والتكيف مع الظروف الجديدة. وبالتالي فإنه يسهم في فهم أكثر تمييزاً، لأهمية القرن السابع عشر وطبيعة الأزمة في بداية العالم الحديث، على حد سواء. ونجم عن أزمة القرن السابع عشر وتحديداً في العام 1627، نهاية هيمنة النظام المصرفي لمقاطعة جنوا ودمار نظام الدفع العالمي فيها. وفي السنة التي تلت، أُرغمت إسبانيا على خفض قيمة عملتها المعدنية من النحاس «فيلون» بنحو 50% والتي كانت تعتمد عليها، لتسود فوضى نقدية. وبعد أشهر من ذلك، تلقت مدريد أنباء بأن «دوتش ويست إنديا كومباني»، قد استحوذت على كامل عملتها التي تشكل شريانها المالي. وظل تراجع التجارة الإسبانية في ظل إمبراطوريتها الواسعة النطاق، غير مفهوم بما يكفي، وأن فكرة تراجع اقتصادات إسبانيا الجديدة «المكسيك» وبيرو، بفعل انهيار الكثافة السكانية في الهند، مشكوك فيها وكذلك انخفاض إنتاج الفضة. لكن نتج عن اقتصاد عالمي جديد يتميز باكتفاء ذاتي أكثر، ومقاوم للاعتداءات الاجتماعية الإسبانية، تراجعاً كبيراً في حجم التجارة مع إسبانيا، ما يزيد على 30 ألف طن سنوياً من سعة الشحن خلال عشرينيات القرن السابع عشر، إلى 13 ألف طن في الخمسينيات منه وتراجعاً واضحاً في عائدات التاج خلال الفترة نفسها. ولم يشكل الاقتصاد القشتاني المحلي، أي حضور في القطاع التجاري والصناعي في أوروبا، لكن صادراته من الصوف وإنتاج المنسوجات والكثافة السكانية، أسهمت بشدة في دعم الدولة والامبراطورية. وقوّض هذا الوضع مصحوباً بتنامي الضغوط الاجتماعية، التسويق الزراعي وساعد في ظهور تراجع مريع طال الاقتصاد المحلي. واحتضنت شمال ووسط إيطاليا ولوقت طويل، قدراً كبيراً من النشاط الصناعي لأوروبا مع الريادة التجارية. وتركز معظم النشاط التجاري والمصرفي، في جنوا التي تلبي احتياجات امبراطورية هابسبورج التي تعاني الانهيار. وظل النشاط الصناعي مهماً في أول عقدين من القرن السابع عشر، بيد أنه عانى مباشرة بعد بروز النشاطات العسكرية في أوروبا الوسطى في 1618. ونتج عن هذه الأحداث، تعطل الطرق التجارية، سواء البرية منها أو البحرية. كما لم تعد الأسواق داخل منطقة البحر الأبيض المتوسط، منافذ تعتمد عليها البضائع الإيطالية. ولم يكن من السهل للمؤرخين المعاصرين، فهم مزيج الأحداث الاقتصادية في القرن السابع عشر، حيث تقاربت عدة فروع للتنمية، لإنشاء شبكة حضرية هامة تقوم بضخ الاقتصادات الكبيرة في أسواق عالمية مختلفة.