الاتحاد

دنيا

أول ذراع روبوتية تشغلها دماغ قرد


عدنان عضيمة:
لعل من أهم الأهداف التي يسعى علماء الروبوتات الآن إلى تحقيقها، والتي يمكنها أن تمثل الثورة العلمية المقبلة، هي التي تتعلق بالنجاح في إقامة علاقة الارتباط والتكامل بين الجهاز العصبي الطبيعي للبشر أو الحيوانات مع الدارات الرقمية التي تعمل على تشغيل الروبوتات أو الأذرع الاصطناعية· ويطلق على العلم الذي يهتم بهذه التطورات (البيولوجيا الالكترونية) bionic. وإذا كان من المعروف أن الأذرع الاصطناعية التي يستخدمها مبتورو الأيدي يتم التحكم فيها بتحريك بعض أجزاء الجسم الأخرى أو اليد المقابلة، فإن الباحثين يسعون الآن إلى جعل عملية التحكم فيها تتم عن طريق الدماغ ذاته· وجاء في تقرير نشر على موقع (لايف ساينس) يوم الجمعة الماضي أن الباحثين تمكنوا من بناء التقنية التي يمكنها أن تجعل من تحقيق هذا الهدف أمراً ممكناً·
ففي دراسة حديثة، أمكن لقرد مقطوع اليد أن يشغل ذراعه الروبوتية المتصلة بجهازه العصبي بناء على الأوامر التي يصدرها دماغه· وجرى استعراض هذا النجاح الكبير ضمن فعاليات ندوة أشرفت على تنظيمها الرابطة الأميركية لتقدم العلوم في واشنطن· وتحاكي الذراع الروبوتية التي استخدمها القرد من حيث حجمها حجم ذراع طفل، وكانت مبنية بحيث تحقق معظم وظائف اليد الحقيقية بما فيها التقاط الأشياء كالفواكه والخضار· وقال أندرو شوارتز من جامعة بيتسبورج التي أسهمت في هذا الإنجاز الكبير: (إن هذه الذراع تتحرك بطريقة تشبه تماماً تلك التي نحرك بها أذرعنا)·
اتصال الأعصاب والآلة
وحتى يتم التحكم بالذراع الروبوتية، تم توصيل 96 قطبا كهربائيا لا يتجاوز قطر كل منها قطر شعرة الإنسان، مع القشرة الدماغية لقرد، وهي منطقة من الدماغ مسؤولة عن التحكم بحركة الأعضاء· ويشرح شوارتز قضية مهمة في هذا الصدد عندما يشير إلى أنه وبالرغم من أن القشرة الدماغية تتضمن عادة منطقة متخصصة بتحريك الذراع، إلا أن اختيار الأمكنة منها التي تم تثبيت نهايات الأقطاب فيها، لم يكن يمثل مشكلة كبيرة أمام نجاح مسعى ربط العلاقة التفاعلية بين الدماغ والذراع· ويقول شوارتز موضحاً هذه النقطة الدقيقة: (لا يتوجب على المرء أن يكون بالغ الدقة في هذه المسألة، لأن الدماغ جهاز عالي المرونة· وهناك حقيقة تفيد بأن في وسع الدماغ أن يكيف تراكيبه المعقدة مع الوضع الجديد حتى يضمن أداء الأعمال المطلوبة)·
ولقد اتضح من الدراسات المعقدة التي أجريت للوقوف على آلية عمل الذراع الطبيعية للقرد أن مليارات العصبونات neurons تتآزر فيما بينها لتحريك الذراع بالطريقة الملائمة لرغبات وحاجيات القرد· وهناك مثلاً مجموعة ضخمة من العصبونات مسؤولة عن تحريك الذراع إلى الأعلى أو الأسفل أو إلى اليمين أو اليسار· وباعتماد برمجة حاسوبية خاصة، تمكن الباحثون من اكتشاف طريقة لتحقيق حركة للذراع يعوزها بعض الدقة ولكنها معقولة· وأشار روب كاس من جامعة كارنيجي ميلون الأميركية والذي لم يشارك في هذه الدراسة بل اكتفى بمراقبة نتائجها، إلى أن مثل هذه الطريقة في البرمجة معروفة منذ عام ،1960 وإلى أنها تجد تطبيقات أخرى بعيدة عن الدراسات البيولوجية كما في تتبع مسارات الصواريخ وتوجيهها· وقال:(تكمن الفائدة الأساسية لهذه الطريقة في البرمجة المنطقية في أنها تسمح باستخدام البيانات على نحو يتميز بفعالية أكبر· كما أنها تقدم القاعدة الأولى لتحقيق عملية التعلم الذاتي والتأقلم مع الوضع الجديد)· والمقصود من التعلم الذاتي هو قدرة القرد على الانسجام مع واقعه الجديد بحيث اتضح من التجربة أنه أصبح بمرور الزمن أكثر خبرة وسرعة في استخدام ذراعه الروبوتية المتصلة بدماغه· ويفسر شوارتز هذه النقطة أكثر وأكثر عندما يقول: (لا شك أن دارتنا المنطقية الالكترونية التي استخدمناها في هذا العمل لا تتطابق تماماً مع ما يجري عادة ضمن دماغ القرد ، إلا أن دماغ القرد قادر على التكيف والتجاوب مع الأوامر التي تصدر عن الدارة المنطقية)·
عوائق
وبعد هذا النجاح اللافت، اشار شوارتز إلى أن الخطوة المقبلة سوف تتركز على محاولة توصيل أصابع الذراع الروبوتية بالدماغ، حتى تكون الحركة أكثر تعقيداً، وذلك في إطار الاقتراب أكثر وأكثر من تحقيق الحركة الطبيعية للذراع كلها، إلا أن المشكلة الكبرى التي صادفها العلماء في هذا العمل المعقد تكمن في أن مادة الأقطاب ضعيفة القدرة على الصمود داخل جسم القرد، فقد كانت تتجمع عليها مواد عضوية تضعف من قوة النبضات الكهربائية التي تعمل على توصيلها بحيث لا يمكن للقطب الواحد أن يعمل على النحو السليم لأكثر من ستة أشهر في المتوسط· ولهذا السبب، يبحث العلماء الآن في ابتكار أجهزة اتصال يمكنها أن تمرر الإشارات داخل الجسم بطريقة لاسلكية· وإذا ما نجحوا في ذلك فسوف يمثل هذا النجاح، خطوة كبرى نحو تحقيق الاتصال المفيد بين الأدمغة الطبيعية والأجهزة الرقمية المبرمجة·

اقرأ أيضا