الاتحاد

دنيا

القصبجي قصبٌ من ذهب!

تشكّل التاريخ الإنساني واتخذ هيئته من جملة أقولٍ وأفعال، قمنا بها منذ النشأة الأولى حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم· أفعالٌ كثيرة انعطفت بذلك التاريخ وحولت مجراه· أفعالٌ طائشة وأخرى حكيمة أعادت صياغة المستقبل ليصل إلينا في شكله الحالي·
من جانبٍ آخر، لم تكن يوماً الأقوال أقل نافذيةً وفاعلية في تغيير التاريخ والانعطاف به من محلٍ إلى آخر!، عباراتٌ أقامت تاريخاً وأخرى أقعدته!، وإني لأرى أن الأفعال في التاريخ لم تكن يوماً أهم من الأقوال طالما أن الكلام كان وما زال يسبق الفعل ويوجهه في كثيرٍ من الأحداث· وكثيرة هي الكلمات التي لو حبست أو أطلقت في الماضي كان يمكن لها أن تغير حاضرنا!·


''أنت تعبت يا قصب··· يبدو أنك بحاجة لراحة طويلة!''، هذه العبارة التي قالتها أم كلثوم لمحمد القصبجي بعد محاولات عدة لاسترضائها بلحنٍ جديد إثر إعطائه ألحاناً بديعة لمنافساتها آنذاك أثارت غضبها!، هي إحدى الجمل التي غيّرت مسار الموسيقى العربية برمته -من وجهة نظري- وحوّلت هذا العملاق الحساس من ملحنٍ فذّ إلى مجرد عازف عودٍ في فرقتها!·
لست هنا ألوم سيدة الغناء على جملتها هذه وإن قست، ولا أعاتب فائق حساسية القصبجي وبالغ تعلقه العاطفي بأم كلثوم، إنما أوطئ للكتابة عن شخص بمثل تلك الحساسية التي يندر مثيلها، كما -وبذات الوقت- أشير إلى أن رب كلمةٍ، قد تغير حياة الكثير من المبدعين·
محمد القصبجي بنى كيانه الموسيقي على نظرية بالغة الأهمية تدعم الموسيقى بهيئتها العلمية الأكاديمية والإلمام بفنون الموسيقى العالمية، وهذا فعلاً ما كان ينقص موسيقانا، (وأستهجن أنه ما زال!!)، فانطلق من المعرفة العلمية ليزاوج بين الموسيقى العربية والغربية بروحٍ بالغة العبقرية، بدلت من الشكل الموسيقي السائد، حيث بدأ تجاوز فكر القصبجي الموسيقي بدايةً بدفع ''المونولوج'' إلى الواجهة ليصبح في مقدمة الضروب الغنائية آنذاك، كما أن ''قصب'' هو أول من فكر بقراءة النص الشعري والتعبير عنه موسيقياً، فلا يجادل أحد بأنه صاحب المدرسة التعبيرية الموسيقية عربياً، ومن هنا طالت المقدمات الموسيقية للأغنيات وبدأت تطول الأغنية فيما بعد كي تحتمل الرؤى الموسيقية التعبيرية·
إلا أن أهم ما قدّمه القصبجي للموسيقى العربية هو الفكر السيمفوني الأكاديمي، معتمداً على خصوصية الموسيقى العربية الشديدة وتزاوجها مع الأوروبية من خلال ''هارموني'' بعيدة عن الارتجال الذي كان سائداً والجمل اللحنية المتداولة والبسيطة· فقد تشبع القصبجي بمعرفة المرحلة ''البوليفونية'' التي اعتمدت تعدد الأصوات الموسيقية وتداخلها كما تشبع بدراسة المرحلة التي تلتها وحلت محلها وهي الكلاسيكية الهارمونية التي اعتمدت التوافق اللحني، لهذا اتخذ من دار الأوبرا المصرية مدرسةً له، ليبقى قريباً من الأعمال الأوبرالية والسمفونيات العالمية، وهذا ما بدا جلياً في أغانيه التي قدّمها مثل أغنية ''يا طيور'' التي غنتها أسمهان ،1941 وتبدو مقدمتها الموسيقية كأنها مكتوبة بطابع سيمفوني، لكنها ظلّت متمسكة بطابعها الموسيقي العربي في الوقت عينه·
ويعترف الموسيقار محمد عبدالوهاب بأنّ القصبجي كان سبّاقاً في استخدام ''الهارموني والبوليفوني''، بأسلوب علمي صحيح، كما يعترف بأنه تأثر بما أنجزه القصبجي في مجال ''المونولوج''، ومنه جاءت أعمالهك ''اللي يحب الجمال'' و''الليل يطوّل عليّ'' و''بلبل حيران'' وغيرها·
ولعل لتكوينه النفسي سبباً في عدم شهرته كأقرانه مثل سيد درويش والشيخ زكريا أحمد، وهو صاحب أكثر الألحان تجاوزاً آنذاك، وابن عائلة القصبجي العريقة موسيقياً، فوالده الشيخ علي إبراهيم القصبجي، المنشد والمقرئ والعواد والملحن الذي غنى له الحامولي وصالح عبدالحي وزكي مراد (والد ليلى مراد) ومحمد السنباطي (والد رياض السنباطي)، وأحد أوائل من كتبوا النوتة الموسيقية للملحنين الذين عاصروه·
والقصبجي، مثله مثل عمالقة الموسيقى العالمية، عمل على تطوير الموسيقى العربية بدراسة الموسيقى العالمية وتاريخها وتطورها، فأوجد صيغة ''هارمونية'' جديدة تقع بين التي يستخدمها الأوربيون وبين الألحان الشعبية العربية ومقاماتها·
ولم ينقد انقياداً أعمى ''للهارموني'' الغربي كما يفعل الكثير اليوم لمجرد أنه يعرفها!، بل مزج بين خصوصية الموسيقى العربية وأغراضها وبين ''الهارموني'' وسلالمها، وهذا ما فعله قبله موسيقيو روسيا الكبار ممن اطلع القصبجي على تجربتهم، بنقل ''الهارموني'' الأوروبية ومزاوجتها مع الألحان الشعبية الروسية مثل تشايكوفسكي ورخمانينوف وغيرهما·
وأذكر هنا تجربة الموسيقي الروسي العظيم جلينكا، مؤسس المدرسة الموسيقية الروسية القومية الكلاسيكية، الشبيهة بتجربة القصبجي، والذي عاد من دراسته في إيطاليا وألمانيا، وكتب أول سيمفونية روسية المسماة بـ''تاراس بولبا''، وكيف مزّق سيمفونيته بعدما أيقن أن ''الهارموني'' الكلاسيكية الأوروبية التي استعملها لم تنسجم مع الألحان الروسية الشعبية التي عالجها· ومثله ''شوبان''، عبقري ''الهارموني''، الذي خرج عن ''الهارموني'' الكلاسيكية في معالجة الألحان الشعبية البولونية· ومثلهما موسورجسكي وكلود دوبوسي الفرنسي لتنطلق بعد ذلك مدرسة الموسيقى الانطباعية، التي تعتمد على الروح الأصيلة الشعبية في معالجة ''الهارموني'' واللحن·
أُحصي للقصبجي العظيم 360 أغنية من تأليفه، و35 لحناً موزعاً بين خمس مسرحيات، و91 أغنية وضعها لـ38 فيلماً سينمائياً، أغلبها ينتمي إلى ''الطقطوقة الأوبرالية''، إن جاز التعبير، ولعل أشهر أعماله مثل ''ايمتى حتعرف ايمتى'' و''يا طيور''، و''أنا قلبي دليلي''، شواهد على عبقريته وعلمه الموسيقي·
محمد القصبجي، بيده (المعروقة) أكثر من ريادة وفتح موسيقي، فهو رائد مدرسة التعبير الموسيقى العربية، ومعلم العود والموسيقى لكبار ملحني الوطن كمحمد عبدالوهاب ورياض السنباطي وفريد الأطرش ومحمد الموجي ومحمد فوزي، وهو الذي أدخل آلتي الـ''تشيللو'' و''الكونترباص'' لإعطاء التخت الشرقي عمقاً صوتياً في خلفيته، كما أنه- بإجماع كبار عازفي العود العرب- ''سيد العازفين''· ولقد قدّره الأتراك منذ وقتٍ طويل واعترفوا بأهميته حينما أطلقوا على أحد معاهدهم الموسيقية اسم القصبجي·
كلما سمعت أغنية ''رق الحبيب'' للسيدة، والتي أعد لحنها -شخصياً- أحد أهم الألحان العالمية قاطبةً، تداخلني غصة ممزوجة بشجن وحزن، وأقول في سري: عفواً يا ''ست''··· ''قصب''··· لم يتعب ولا يحتاج إلى راحة طويلة!·

اقرأ أيضا