الاتحاد

الملحق الثقافي

الفن الحديث.. أسئلته الشائكة

حين ننطلق من عنوان المعرض “على الرغم من ذلك!؟” ونقرأ الـ 14 عملاً من الأفلام ومقاطع الفيديو التي ضمها المعرض، سيبدو لنا فعلا موازياً لأغلبها وموحياً بأجواء بعضها؛ إذ إن الأفلام ومقاطع الفيديو وعلى رغم اختلاف ثقافات المشاركين بها، إنتاجاً وأداءً، إلا أنها جاءت في معظمها لتؤكد على انه، وبالرغم من كل شيء، يمكن للمرء أن يغالب شقاءات هويته المزدوجة أو قسوة معيشته أو شروخ روحه وان يقاوم الاضطهاد والإرهاب وأن يحيا ويستمر في العيش على أمل أن يكون الغد أفضل!.

يحتاج الراغب في متابعة وقراءة الأنشطة الدورية والشهرية التي تقيمها مؤسسة الشارقة للفنون إلى أن يلغي، ولو لوقتٍ قصير، تصوراته المسبقة حول الفن وما يُنتظر أن يكون عليه، كماً وكيفاً، صورة أو لوناً، كتلة أو فراغاً، جماعياً أو فردياً، عربياً أو غربياً، يحتاج المرء لأكثر من ذاكرة مشاهداته في المعارض واللقاءات الفنية التي يجري تنظيمها في العواصم العربية؛ فمشروع هذه المؤسسة في ما يبدو، يهدف في جوهره إلى تبني الجديد والمغاير سواء في أشكال الأعمال الفنية أو موضوعاتها أو مفاهيمها وفي طرائق تلقيها والاستجابة لها، وبالتالي تجاوز المكرس والراسخ والمعتاد من أحوال وقضايا وأسئلة اعتدناها في مناسبات فنية عديدة هنا وهناك.
وهذا الدفع.. نحو الأمام، أو هذا الطموح إلى طرح الرؤى الفنية الجديدة واستثارة استجابة المتلقيين والفنانين (العرب خصوصاً) بطريقة مختلفة، يبدو حاصلا وماثلا بصفة عملية مع كل معرض فني تنجزه المؤسسة؛ وذلك ما تشهد به تقارير صحفية وتعليقات لمتابعين وغير ذلك، أي أن الأمر هنا لا ينحصر على كومة من “التخريجات” النظرية أو المقالات الإنشائية المثقلة بالأفكار الكبيرة لكن غير المختبرة!. وما يكسب تجربة المؤسسة أهميتها أنها لا تعمل في الحقل سعياً وراء الربح المادي ولا هي محكومة بأجندات ايديولوجية أو سياسية كما يشاع حول مؤسسات فنية عديدة تجول في هذا العالم؛ فمؤسسة الشارقة للفنون تعمل على إشاعة الوعي الجمالي وسط العامة والنخبة انطلاقا من مبانيها الفنية التي جرى تعميرها مؤخرا في قلب منطقة التراث الشارقة وتتميز بطابعها المعماري الذي يمزج بين مفردات البيئة المحلية مع لمحات هندسية معاصرة مماثلة لما نراه في صالات العرض الفني الحديثة.
وقد تحققت صورة مؤسسة الشارقة للفنون في خريطة المشهد الفني العربي والعالمي من خلال هذا الدور الرشيد الذي يمكن للمرء ان يلمسه ويلتمسه في المشاريع الداعمة والبرامج التوعوية التي طرحتها المؤسسة في السنوات الفائتة لفائدة فنانين شباب من جنسيات عدة سواء عبر اللقاء الفني الدولي الذي ينعقد كل عامين “بينالي الشارقة” حيث تستقبل المؤسسة عبره العشرات من التجارب الفنية من مختلف انحاء العالم وتتيح لها فضاءات العرض المناسبة في انحاء مختلفة من الشارقة كما تبذل لشيوعها وانتشارها أفضل الظروف الاعلامية فضلا عن ان المؤسسة تستضيف بصفة دورية ثلة من الفنانين في “إقامة فنية” تمكنهم من إبداع مشاريعهم الجديدة، كما ان المؤسسة تكلف بعض الفنانين لانتاج اعمال فنية مخصوصة وهي تبادر احيانا وتقتني بعض اعمال ضيوفها دعما لذاكرة الفنون المحلية.
وحين يتعلق الأمر، باختيارات المؤسسة من العروض الفنية فيمكن القول ان كل من يحاول قراءة تجربة هذه المؤسسة يلزمه ان يتزود بعدة جديدة وان يحدّث قاموسه، تحليلا ووصفاً، وإلا فان المهمة ستصعب أكثر على نحو ما قد يبدو في ثنايا هذه المقاربة التي نحاول عبرها استعراض بعض ما اقترحته المؤسسة من أنشطة خلال العام 2013 .

على الرغم من ذلك!
في الثالث من يناير2013 اختتمت مؤسسة الشارقة للفنون معرضا فنيا وسمته بـ “على الرغم من ذلك” وهو كان انطلق في الثالث من نوفمبر 2012 بتقييم من الشيخة حور القاسمي رئيسة المؤسسة وهي فنانة أيضا، وقد تدرجت اكاديمياً في حقل الفنون حيث حصلت على بكالوريوس في الفنون من كلية سليد للفن التشكيلي كما حصلت على دبلوم في الرسم من الأكاديمية الملكية للفن عام 2005 وماجستير في تقييم الفن المعاصر من الأكاديمية الملكية للفن عام 2008 وجميعها في لندن، وهي عضو مجلس إدارة متحف الفن المعاصر في نيويورك وكانت ضمن لجنة اختيار القيمين لبينالي برلين عام 2012.
ضم معرض “على الرغم من ذلك” مجموعة فيلمية متنوعة على خط الوثائقيات والتسجيليات والسينمائيات وهي مجتمعة من مقتنيات المؤسسة وسبق عرضها في دورات سابقة من بينالي الشارقة بين عامي 2003 و2011. وهذه الاشارة مهمة لأنها تثير سؤالا حول معيار الاختيار أو المنظور الذي حكم انتقاء هذه المجموعة من الأفلام ومقاطع الفيديو من دون سواها؛ وقبل أن نحاول الإجابة يلزم أن نشير إلى أن الفرز بين الأعمال واختيار بعضها من دون بعضها الآخر هو أمر على قدر من الحساسية ولا يتم جزافاً ولكن بوعي وانتباه أكثر، وحين يتحقق هذا الاختيار على كفايته الرؤيوية والجمالية يصعد إلى مقام الشغل الفني ايضا. أكثر من ذلك، يرى بعضهم إلى عملية التقييم الفني هذه، بما تنطوي عليه من ارادة اختيار أو انتقاء، بوصفها الدليل إلى المعرض الفني وهي أيضا دلالته، أو هي معناه ومبناه. إذن، بقدر ما ينشغل المتلقي بما تستبطنه قطعة فنية ما من دلالات (حيث يتعلق الأمر هنا بالفنان) لا بد ان هذا المتلقي سينشغل بالخيط الرابط بين جملة الاعمال المعروضة أمامه والعلاقة بينها والعنوان المقترح للمعرض سواء كان هذا العنوان مستلهما أو مستعارا من الأعمال الفنية ذاتها أو معبراً عنها، ههنا، غالباً، ما يتعلق الأمر بالقيم الفني.
حين ننطلق من عنوان المعرض “على الرغم من ذلك!؟” ونقرأ الـ 14 عملاً من الأفلام ومقاطع الفيديو التي ضمها المعرض، سيبدو لنا فعلا موازياً لأغلبها وموحياً بأجواء بعضها؛ إذ إن الافلام ومقاطع الفيديو وعلى رغم اختلاف ثقافات المشاركين بها، انتاجاً وأداءً، إلا انها جاءت في معظمها لتؤكد على انه، وبالرغم من كل شيء، يمكن للمرء أن يغالب شقاءات هويته المزدوجة أو قسوة معيشته أو شروخ روحه وان يقاوم الاضطهاد والإرهاب وأن يحيا ويستمر في العيش على أمل أن يكون الغد أفضل!.
في أوقات قصيرة وبلغاتٍ عدة جرى عرض هذه الأفلام التي توزعت على حجرات مهيأة على نحو لا تملك إلا أك ن تتأثر به وتندمج في ما تراه ولكن ما تسمعه ايضا إذ ان المادة الفيلمية هنا مثيرة في موضوعها ربما أكثر من شكلها، أي ان الأمر لا يتعلق باختبار اخراجي ولكن برؤية فكرية، إن جاز القول، فلدى كل واحد من منتجي تلك الاعمال رسالة يريد ابلاغها بوساطة الصورة، ووساطتها فقط.
اجمالاً، يوحي المعرض بالطبيعة التواصلية والدينامية لعمل المؤسسة فالأعمال التي عرضت به مستعادة من مناسبات مختلفة كانت نظمتها المؤسسة في أوقات سابقة، وهي مستعادة هنا ائتلافاً لتخلق سياقها الجديد والمختلف. وقد شارك بالمعرض: آيرين أنسطاس ورينيه غابري وجان لوك مولين ومليك أوهانيان وشريف واكد ومعتز نصر ومها مأمون ورائدة سعادة ورشيد مشهراوي ونيكولاي لارسن وماريو ريتسي وجايس سلوم وليو وي وجلنارا كاسمالييفا ومراتبك جماليف ومارسيل أودنباخ.

الضربة القاضية
المعرض الذي تلا “على الرغم من ذلك” جاء تحت عنوان “الضربة القاضية” وضم اعمالاً للفنانة لارا فافاريتو “مواليد 1973” وقد اختتم في السادس من فبراير 2013، ويشعر الناظر إلى أعمال الفنانة فافاريتو بنوع من التشويش والغرابة، فما قدمته الفنانة وهو يضم أعمالا تلوينية ونحتية وتصويرية ووسائطية، يغالط ما حفظته الذاكرة من مرئيات فنية ليدخل في إطار حديث يعرف بـ “الفن المفاهيمي”، وحين تحاول التوسط بالعنوان المقترح للمعرض”الضربة القاضية” فهو لا يسعف بشيء تقريباً لو قرأته قبل أو بعد جولة قصيرة في غرف المعرض الذي أقامته مؤسسة الشارقة للفنون في “بيت السركال”، بالتعاون مع مؤسسة “موما بي أس”.
وفي هذا المعرض يتحقق أكثر كلامنا عن الحاجة لأكثر من الذاكرة التقليدية لمشاهداتنا وقراءاتنا حول معارض الفنون العربية حتى نقدر على التفاعل، بشكل أو بآخر، مع ما تقدمه الفنانة المتخرجة في جامعة كينجستون في لندن1999 والحائزة جائزة كويني استامباليا للفنانين الايطاليين الشباب 2001؛ إذ ما الذي يبدو ملهماً أو جميلاً أو مثيراً لأي شعور في العمل الموسوم “اتكاء، حفر، دفع”؛ فثمة ثلاثة قوالب خرسانية؛ وُضعت على مسافة واحدة في شكل أفقي، وقد ظهر أعلى القالب الأول أثر قبضة يد، فيما بدا رأس القالب الثاني كما لو أن احدهم اتكأ عليه بساعديه!.
نقرأ في كتيب المعرض: “تصب فافاريتو الخرسانة في قوالب مستطيلة تشبه قاعدة تمثال، وعندما تبدأ الصب تدفع بجسدها في مادة رطبة في مواقف سلبية ومندفعة مختلفة”! إذاً، ما يتكلم عنه هذا المقتبس هو الجزء الذي لم نتابعه من هذا العمل؛ هو الجزء الحي، والذي عاشته الفنانة قبل أن تجعل من عملها مادة قابلة للعرض؛ وهو يمكن ان يشكل فرقاً من نوع ما، عندما يعرفه المتلقي، ومن ثم ينظر إلى المستطيلات الخرسانية.
يصح القول؛ إذاً، إن مقصد الفنانة هنا يتعلق بالأفكار قبل الأشكال؛ أو يتعلق بما يمكن ان نفكر به عند تلقي العمل أول مرة. قد يكون دقيقاً أكثر أن نتكلم عن “خلفية العمل الفني” أو “ظروف/ طرق إنتاجه”؛ فالعمل الذي نراه الآن ليس كاملاً؛ ولكي يُفهم لا بد أن نحكي قصته، أو نجيب على سؤال مثل: ما الذي جعل الفنانة تنجزه؟.
ولكن أين العمل الفني؟ يسأل أحد الحضور، وهو يتجول وسط الغرفة المشعة بلونها الأبيض، تحت الإضاءة الشديدة، وذلك بعد أن قرأ خطاطة ورقية ملصقة على الحائط وقد كُتب عليها “دي بلاسي آر 7 “؛ وظل يبحث إلى أن انتبه أخيراً إلى أن العمل هو تلك الخربشات على الجدران. نقرأ في الدليل: “على مدار أسبوع تركب الفنانة بصورة متكررة دراجة نارية صغيرة وتدور بها حول قاعة العرض، تحتك وتخربش جدران الغرفة”! أية قيمة جمالية يمكن ان ينطوي عليها مثل هذا الفعل الحركي المتكرر، أو أثره على الجدران؛ أم أن الأمر هنا لا يتعلق بالجماليات؟ فلنسأل، إذاً: أي شعور يمكن أن يثيره هذا الفعل المخبر عنه والمتجلي في تلك الخربشات، أهو سلوك عبثي، أم أن علينا ان ننظر إليه بصفته طريقة للتفكير بالأثر، مثلاً؟

أين العمل؟
سؤال المشاهد “أين العمل؟” يتكرر ايضا في عمل فافاريتو الموسوم “فعل”، إذ يصعب الانتباه إلى أنه من معروضاتها؛ فهو مجرد مقطع صوتي يتردد في فناء بيت السركال الذي قد لا تفكر بالخروج إليه، فيما انت تتجول في صالات المعرض الصغيرة. نقرأ في الدليل شرحاً لهذا المقطع الصوتي الذي قد تحسبه، للوهلة الأولى، صدى لأشغال بنائية في الجزء الخلفي من فضاء المعرض “دعيت لارا .. للمشاركة في معرض جماعي في سيينا بإيطاليا فطلبت من ثلاثة نحاتين هواة أن يبدأوا بتحطيم كتل من الرخام حتى تتحول إلى غبار كعرض أداء، وذلك على امتداد شهرين، طيلة فترة المعرض، ثم عمدت إلى تسجيل صوت الطرق، وقد دهشت لقلة إنجاز النحاتين حينها تخلصت من المنحوتات التي تكونت بشكل عرضي وأبقت على التسجيل الصوتي الذي يوثق عملهم غير المجدي”!.
لكن، السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا لو لم نقرأ هذه القصة المؤثرة؛ كيف كنا سنتفاعل مع هذا العمل؟ أم أن الفنانة ترمي فعلًا إلى ان تجعل المتلقي يستجيب لأعمالها بهذه الطريقة المشوشة؟.
يتكلم القيم على المعرض بيتر ايلي عن لغة بصرية مازحة، ولكن مضللة في شغل فافاريتو “فعلى الرغم من عنصر المرح الجلي، إلا أن لمسة مأساوية خفيفة تسري في تلك الأعمال” وينتبه ايلي إلى ان الكثير من النتاجات هنا تخضع لعوامل التحلل والاستهلاك والهجران، على أن هذا الخيط الرابط بين الأعمال يبدو رهيفاً جداً قياساً إلى الاستجابات المختلفة التي تثيرها أعمال فافاريتو.
إجمالا، يمكن القول إن زيارة قصيرة إلى معرض “الضربة القاضية” من شأنها أن تجعلك تطرح المزيد من الأسئلة، أو تعيد التفكير في الكثير من المفاهيم المتعلقة بهذا الضرب من الأداء الفني.

وجهة نظر
وفي السياق الدينامي ذاته استضافت المؤسسة معرضا فنيا مهماً أيضا بعنوان “الشارقة وجهة نظر” (الفترة 7 سبتمبر إلى 7 ديسمبر 2013) وقد ضمّ مشاركات لواحد واربعين مصورا من جنسيات متعددة وخلفيات اجتماعية متباينة قدموا أكثر من 100 صورة عكست ملامح امارة الشارقة كما تتبدى لقاطنها أو زائرها سواء في الصباح أو المساء أو في النهار أو في الليل، وبدت تجربة المعرض
مختلفة لأنها ضمت مصورين هواة ومحترفين كما ان إدارة المعرض اعتمدت صيغة مبدعة في انتقاء الأعمال المشاركة فلقد استقبلت عشرات المشاركات وعاينتها ومن ثم اختارت ما وجدت انه يتقاطع مع فكرة المعرض “الشارقة وجهة نظر” ولقد أمكن لها ان تعثر على قدر كبير من الصور المميزة للإمارة ولكن المعبرة ايضا عن وجهات نظر المصورين المشاركين أو تفضيلاتهم من الامكنة والناس والأوقات...، وذلك على اختلاف مواقعهم وحساسياتهم وخبراتهم.
في النتيجة العامة، يمكن للناظر إلى اختيارات المعرض ان يلحظ كيف يتوسع المكان في منظورات المصورين وكيف يزيد بهاء وجمال الزوايا والطرقات والأشجار والمساجد.. حين ننظر إليها بما يلزم من محبة وشغف وحميمية كما ان من يطالع “كاتولوج” المعرض يمكنه ان يلحظ اختلاف المرجعيات الثقافية وأذواقهم ومجالات نظرهم وكيف ان الشارقة تسع كل تلك المناظير المتباينة، وعند مراجعة “الكاتولوج” الخاص بالمعرض وبقراءة سير المشاركين يقف الزائر على المسافات الزمنية وفروقاتها في علاقة المشاركين بالمدينة كما يكون بمقدوره ملاحظة فروقات الأعمار وخبرات التصوير.

أنظر أليك ولا أرى شيئاً
أما معرض “أنظر إليك ولا أرى شيئا” الذي يستمر إلى السادس عشر من فبراير 2014، فيضم أعمالاً معتمدة على مواد مختلفة وبحلول فنية متنوعة ولكنها بدت محكومة في مجملها، وعلى نحو منضبط، بالجملة المجازية التي انتقيت عنواناً للمعرض “انظر إليك.. ولا أرى شيئا”. فالأعمال كلها منتجة لتتوجه إلى “العين”، في حالة كونها رائية أو مرئية، لكن الرؤية هنا غريبة إما غائمة أو مشوشة أو حتى قاسية، ولعل المثال النموذجي على ذلك صورة فوتوغرافية موسومة بـ”عكس عيون المرء”، ونرى خلالها صورة لعينين عليهما عدستان لاصقتان وقد انعكست على العدستين الأشياء التي ينبغي أن يراها صاحب العينين، ولكنه أعمى، كما يوضح النص المرافق للصورة.
وفي عمل بعنوان “متر مكعب من اللانهاية” وهو للفنان مايكل أنجلو بيستوليتو نرى الأبعاد المختلفة التي يمكن أن تتخلق من مربع للمرايا المتقابلة.
أما في العمل الموسوم “أحادية اللون المتخيلة” فيبدو تجربة تلق مختلفة كلياً إذ يخضع المشاهد لعملية تدليك بواسطة مدلك في موضع محدد من الوجه، وهو مغمض العينين وخلال دقائق ومع اتباع تعليمات المدلك سيكون بمقدور المشاهد أن يتخيل رؤية أحادية للعالم.
إذن، ثمة قواسم مشتركة عديدة بين الأعمال ولكن ربما بدت مختلفة قياساً إلى تجارب فنية سائدة خصوصاً في المشهد الفني العربي، ولعل الملمح الأساس المشترك في تلقينا هذه الأعمال، التي تستضيفها مؤسسة الشارقة للفنون بالتعاون مع مونا MONA (متحف الفن القديم والحديث) في تسمانيا، أستراليا، أننا نكون مطالبين بلمسها مباشرة أو التحرك ضمن أطرها المغلقة في معظمها؛ أي أن تلك المسافة التقليدية التي اعتدنا عليها بين الرائي والمرئي في معارض الفنون تنتفي هنا لتحل محلها حالة شبه أدائيّة يتحول فيها المشاهد إلى مؤد فيما تغدو القطعة الفنية مجالاً للأداء.
لا يقدر المرء وهو يتجول وسط مختارات المعرض، إلا أن يلمس تفكيراً فيزيائياً طاغياً في حلول الفنانين المشاركين ليس فقط في اعتمادهم على مواد مثل الفولاذ والضوء والضباب وغير ذلك، ولكن حتى في المصطلحات والقيم والدلالات المراد تخليقها.
تثير تجربة هذا المعرض الفني أسئلة عدة وليس أهمها بالطبع السؤال عن: موقع حركتنا الفنية العربية من مثل هذه التوجهات الفنية الجديدة؟
الحال، ان من الصعوبة بمكان الكلام عن خصوصية جهوية متجلية في أشكال ومضامين الأعمال المعروضة فهي لا تحيل ربما إلا إلى هذا الزمن التقني الذي نتشارك قسمته مع الآخرين في العالم من حولنا، وهذا الأمر يمكن أن يجعلنا نرجح أن من بين الاحتمالات المستقبلية لحركة الفن أن تنمحي المسافات الهوياتية أو الجهوية التي لطالما فرزت بين الأعمال الفنية على أساس هوية المبدع. ثمة أيضا أسئلة أخرى يثيرها هذا المعرض ونحاول المرور عليها سريعا وفي مقدمها السؤال المتعلق بالطرائق التي يمكن اعتمادها لتقييم جودة هذه الأعمال أو مناسبتها ونخص بالسؤال هنا تلك الأعمال التي تتوسط بالضوء والصوت؟ وكذلك لا بد من التطرق إلى مسألة الخبرة هنا؛ أيكون فناناً أم تقنياً ذلك الذي يعرف أقصى مدى يمكن للضوء أن يبلغه حين يُوجه إلى السماء؟ ثم كيف صدف أن كل الأعمال وهي من إنجاز مجموعة من الفنانين.. كيف صدف أنها اتفقت في انشغالها بهذه المفردات البصرية تحديداً؟
في السادس والعشرين من أكتوبر وبالتعاون مع “كامبس آرت دبي” افتتحت المؤسسة معرض “من الفوضى إلى الوضوح: استعادة يوتوبيا المرح” الذي ضم 17 عملا تركيبيا لثلاثة فنانين حاوروا من خلالها هوياتهم المزدوجة وحاولوا ربط حاضرهم المفعم بأجواء الثقافة الغربية الحديثة بماضيهم المعجون بحكايات ورؤى افريقيا القديمة، وذلك ما فكرت به القيمة على المعرض شانون آيرس هولدن.

اقرأ أيضا