أمضى حلف شمال الأطلسي «الناتو» وقتاً عصيباً العام الماضي. فقبل أن يتولى منصبه كان الرئيس دونالد ترامب ناقداً صريحاً سواء أثناء الحملة الانتخابية أو كرئيس منتخب، واصفاً تحالف الدفاع بأنه «عفا عليه الزمن»، وأشار إلى أنه سيعيد النظر في الدعم الأميركي. في الشهر الماضي خلال اجتماع البيت الأبيض مع الأمين العام لحلف الناتو «جينز ستولتنبرج»، تراجع ترامب عن هذه التصريحات، قائلاً: «قلت إنه عفا عليه الزمن؛ إنه ليس كذلك». بيد أن الرئيس الأميركي ليس وحده الذي يعبر عن التشكك في التحالف: فقد ذكرت مارين لوبان، الفرنسية اليمينية المتطرفة التي حصلت على المركز الثاني في الانتخابات الرئاسية التي أجريت هذا الشهر، أثناء الحملة الانتخابية، إنها ستسحب بلادها من «الناتو». وتأتي هذه الاحتكاكات الداخلية فيما تواجه المنظمة العداء المتجدد من جانب موسكو والقضايا المستمرة في أفغانستان وأماكن أخرى. ولكن مع توجه ترامب إلى بروكسل لحضور اجتماع قادة الحلف، هناك بعض الأخبار المشرقة في الأفق: فقد أظهر استطلاع جديد للرأي أن تأييد «الناتو» يبدو أنه ازداد مقارنة بالعام الماضي - على جانبي المحيط الأطلسي. وأظهر الاستطلاع، الذي أجراه مركز «بيو» للأبحاث كجزء من المسح السنوي للاتجاهات العالمية لربيع 2017، مكسباً كبيراً في وجهات النظر المؤيدة لــ«الناتو» في جميع الدول السبع التي شملها الاستطلاع (إسبانيا وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وهولندا وبولندا). وتشمل هذه الدول الولايات المتحدة، حيث ارتفع التأييد من 53% إلى 62% بين عامي 2016 و2017، وفرنسا التي زاد فيها التأييد من 49% إلى 60% خلال الفترة نفسها. وفي المتوسط، فإن أكثر من 6 من بين 10 ينظرون إلى المنظمة بشكل إيجابي. وكانت إسبانيا هي الدولة الوحيدة، حيث كانت النظرة الإيجابية لـ«الناتو» يتبناها أقل من نصف سكان البلاد. وكانت الآراء الإيجابية تجاه الحلف هي الأعلى في هولندا وبولندا، حيث بلغت نسبة من يتبنى هذه الآراء الإيجابية 69% من سكان البلدين. ربما تقابَل هذا الإحصاءات بارتياح في بروكسل، حيث سببت تصريحات ترامب في العام الماضي قلقاً بشأن الدور المستقبلي لأقوى عضو في التحالف. وبينما تراجع الرئيس الأميركي منذ ذلك الحين عن الانتقادات العنيفة التي وجهها لـ«الناتو»، فإنه بالنسبة لبعض حلفاء أميركا، لا تزال هناك تساؤلات بشأن نواياه وأحياناً حتى فهمه الأساسي للمنظمة. ومن ناحية أخرى، وجد استطلاع «بيو» أن هناك فجوة كبيرة بين «الديمقراطيين» و«الجمهوريين» عندما يتعلق الأمر بـ«الناتو»، حيث ينظر 78% من «الديمقراطيين» للحلف بشكل إيجابي مقابل 47% فقط من «الجمهوريين». وجدير بالذكر أن وجهات النظر المواتية للناتو قد ارتفعت بشكل كبير بين «الديمقراطيين» خلال العام الماضي، لتقفز بنحو 20 نقطة مئوية، بينما انخفضت بين «الجمهوريين» بنسبة 4% لكنها لا تزال أعلى من النسبة المتدنية في عام 2013 والتي بلغت 39%. هذه الانقسامات الحزبية ليست بالضرورة غير عادية - فهناك انقسامات أصغر، وإنْ كانت لا تزال ملحوظة، في إسبانيا والسويد وفرنسا وألمانيا، على الرغم من أنه في هذه الحالات تميل أحزاب «يسار الوسط»؛ لأن يكون لديها وجهة نظر مواتية للناتو أقل من أقرانها في اليمين. وحتى مع كل هذا القلق بشأن ترامب، لا يزال معظم حلفاء «الناتو» واثقين من أن الولايات المتحدة ستأتي للدفاع عنهم حال حدوث نزاع عسكري خطير مع روسيا - مع أن دولاً أخرى ستكون أكثر إيجابية في ردها مثل إسبانيا (70%) وكندا (68%) وبريطانيا (66%). ومن جانبهم، قال 62% من الأميركيين، إنه إذا دخلت روسيا في نزاع عسكري مع دولة مجاورة حليفة للناتو، فإن عليهم استخدام القوة العسكرية للدفاع عن هذه الدولة، بينما رفض 31% من الأميركيين ذلك. ولكن ليست كل الدول ستفعل الشيء نفسه في هذه الظروف: فقد ذكر 53% من الألمان أنهم لن يساعدوا أي دولة مجاورة عسكرياً حال تعرضها لهجوم من روسيا، ما يجعلها الدولة الوحيدة التي بها أكبر نسبة معارضة لاستخدام القوة العسكرية في هذه الظروف. أما إسبانيا، فقد كانت منقسمة حول هذه القضية، بينما كانت بريطانيا بالكاد تؤيد القيام بعمل عسكري. وهذا التردد في الالتزام عسكرياً من الممكن أن يثبت أنه مشكلة في المستقبل - فهو في الواقع يشير إلى انتقادات ترامب عن الشركاء الذين لا يشاركون بنصيبهم العادل في أعباء «الناتو». ما زال «الناتو» يبدو جذاباً لبعض الدول التي لا تحظى بعضويته: 47% من السويديين يريدون الحصول على عضوية الحلف، في حين أن 39% عارضوا. وقد أجرى مركز «بيو» هذه الدراسات من خلال مقابلات عبر الهاتف في مطلع عام 2017 ومقارنته بالسنوات الماضية وصولاً إلى عام 2009. *محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»