شحُ العملة الصعبة وتصاعد الديون في فنزويلا دفع الحكومة الاشتراكية إلى تقليص واردات الغذاء. وهذا قد يمثل فرصة جيدة لينتهزها المزارعون في معظم البلدان. لكن ليس في فنزويلا التي يعاني اقتصادها من خلل وظيفي. فالمتاجر تخلو من البضائع والجوع ينتشر لكن إنتاج المزارع في البلاد يتقلص مما يفاقم المشكلة. وفنزويلا بها كل ما يحتاجه المزارع من الأراضي الخصبة والمياه والشمس والبنزين الذي يباع الجالون منه مقابل أربعة سنتات، أرخص سعر في العالم. لكن السكان هنا يبدو عليهم الهزال تماما كسكان المدن الذين يقفون في طوابير طويلة للحصول على الخبز أو ينقبون في صناديق القمامة بحثا عما يقتاتون به. وأحدث البيانات عن الصحة العامة في فنزويلا تؤكد أن البلاد تواجه كارثة غذائية. وأشارت بيانات وزارة الصحة الفنزويلية إلى أن 11 ألف طفل لقوا حتفهم العام الماضي ليصل معدل وفيات الأطفال إلى 30% في ظل ندرة الأدوية وتفاقم حالات سوء التغذية. وأقال الرئيس نيكولاس مادورو وزيرة الصحة بعد يومين من نشرها هذه البيانات. وأشارت منظمة كاريتاس الكاثوليكية للإغاثة إلى أن الجوع وسط الأطفال يمثل «كارثة إنسانية» وأن 11.4% من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات يعانون سوء تغذية حادا أو متوسطا وأن 48% منهم «عرضة لخطر» الجوع. والمحتجون الذين ملأوا الشوارع في الأسابيع السبعة الماضية هتفوا قائلين «إننا جوعى!» حين كانت قوات مكافحة الشغب تتصدى لهم بمدافع المياه والقنابل المسيلة للدموع. وفي استطلاع رأي أجرته في الآونة الأخيرة أكبر جامعات البلاد على 6500 أسرة فنزويلية، قال ثلاثة أرباع الراشدين إنهم خسروا ما متوسطه 19 رطلا للفرد في عام 2016. ومستوى النحول هذا لم يظهر من قبل في غير مناطق الحروب أو تلك التي ضربتها الأعاصير أو الجفاف أو الأوبئة. ويشير اقتصاديون إلى أن كارثة فنزويلا من صنع الإنسان نتيجة تأميم الأراضي والتحكم في عملية توزيع الغذاء. ويؤكد «كارلوس ماشادو» الخبير في الزراعة الفنزويلية أن الأمر لا يقتصر على تأميم الأراضي بل إن الدولة جعلت من نفسها المنتج والمدير والموزع ولذا تعاني سلسلة إنتاج الغذاء برمتها من البيروقراطية الزراعية. ومع انهيار الإنتاج الصناعي لفنزويلا يضطر المزارعون إلى استيراد الأعلاف والمخصبات وقطع الغيار لكنهم لا يستطيعون هذا بسبب قلة العملة الصعبة. وصحيح أن فنزويلا لطالما اعتمدت على استيراد مواد غذائية معينة مثل القمح الذي لا يجود في أراضيها نتيجة مناخها الاستوائي لكن الاحصاءات تشير إلى أن سياسات الإصلاح الزراعي التي اتبعها هوجو شافيز جعلت فنزويلا أكثر اعتمادا على واردات الغذاء. وحين كانت أسعار النفط مرتفعة لم يكن هذا يمثل مشكلة كبيرة. لكن الآن بلغ سعر البرميل من مزيج فنزويلا من الخام الثقيل 40 دولارا تقريبا وانخفض إنتاج البلاد من النفط إلى أقل مستوى في 23 عاما وهذا يرجع في جانب منه إلى انهيار المصافي والأنابيب مع قصور في عمليات تجديد البنية التحتية. والحكومة لم تنشر معلومات عن الزراعة منذ سنوات. لكن الخبير الزراعي «ماشادو» يؤكد أن متوسط نصيب الفرد من الواردات الزراعية سنوياً بلغ 75 دولاراً حتى عام 2004 ثم ارتفع هذا المتوسط بشدة بعد أن توسع شافيز في عملية تأميم الأراضي، واستولى في نهاية المطاف على أكثر من عشرة ملايين فدان. كما أممت الدولة المصانع وانخفض بشدة إنتاج الغذاء المحلي. وفي عام 2012 ارتفع متوسط النصيب السنوي للفرد من واردات الطعام إلى 370 دولارا لكن أسعار النفط انخفضت بشدة وانخفضت الواردات بنسبة 73%. وبدلا من أن يحفز هذا النمو في الزراعة المحلية، فقد خنقتها الحكومة بحسب قول المزارعين. فقد انخفص الإنتاج المحلي من الأرز والذرة والبن بنحو 60 في المئة أو أكثر في العقد الماضي وفقا لاتحاد جمعيات المزارعين في فنزويلا. وكل مصانع إنتاج السكر التي أممتها الحكومة عام 2005 إما معطلة أو تنتج أقل من قدرتها. ولا يستطيع شراء ما يكفي من الغذاء من السوق السوداء إلا قلة صغيرة وميسورة الحال من الفنزويليين. كما فقد «البوليفار»، عملة فنزويلا المحلية 99% من قيمته في السنوات الخمس الماضية. والفنزويليون الذين لا يستطيعون الحصول على العملة الصعبة يعتمدون على مواد البقالة التي تدعمها الحكومة وتوزعها الجماعات المؤيدة لمادورو أو ينتظرون في طوابير طويلة للحصول على حصص تموينية محددة السعر. والذين انضموا للاحتجاجات المناهضة للحكومة تم تهديدهم بفقدان حصصهم من المواد الغذائية. *صحفية فنزويلية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»