الاتحاد

ثقافة

رحلة البحث عن عروس (1)

كنت في عتبة الخامسة من عمري، يوم راح أخي الأكبر يثير زوبعة من البلبلة والاضطراب في أجواء البيت لأن الوالد لم يوافق على زواجه بالصبية التي يعشقها·
كان الوالدان قد استطاعا تدبير مبلغ 600 ليرة (ما يعادل اليوم 12 دولاراً) استعدادا للفرحة الكبرى وإقامة العرس المنتظر· لكن أخي سطا على ذلك المبلغ وخبَّأه في مكان ما، ثم غاب عن الدار حسرة واحتجاجا على حرمانه من تحقيق أحلامه باختيار العروس التي اختارها القلب·
ما زلت أتذكر ذلك بوضوح، لأن أبي كان يتداول مع إخوتي الكبار مسألة أن أبدأ بتعلم القرآن الكريم، ولا ينسى أن يصب سوط غضبه على الفتى الطائش الذي عكر صفاء البيت بنزوات العشق الخرقاء·
ربما كان الخوف على المبلغ الذي أخذه العريس الموعود من صندوق الوالدة أكبر من الخوف على الابن الطائش· لذلك، بدأت حملة واسعة من التفتيش في جميع غرف الدار وحيطانه· وسرعان ما عثروا على المبلغ المفقود ملفوفاً بقطعة قماش داخل فردة بسطار عتيق أودعه اللص العاشق في (طاقة) عالية من طاقات برج الحمام الذي لا يجرؤ على الصعود إليه إلا الشباب المقدام من الشجعان المغامرين!
وفي ضحوة يوم من أيام تشرين الثاني/ نوفمبر الحائرة بين الخريف والشتاء، رأيتُ الوالد يتهيأ للسفر إلى قرية (المضابع)، حيث تقيم أسرة خالتي أم عيسى؛ ولم تكن المسافة بين القريتين لتزيد عن مسيرة ساعة· ومن أطراف الحديث الدائر بين أمي وأبي أدركت أن ابنة خالتي قد تكون هي العروس المنتظرة، إذا نالت رضا الوالد في هذه الزيارة·
لم يكن أبي، على ما أذكر، يكنُّ احتراما لزوج خالتي· وكان السبب واضحاً ومشروعا: رجل أدمن الشراب حتى السكر- أجارنا الله وإياكم من كل مكروه! ولا يخجل من إعلان ذلك، جهاراً نهاراً، أمام أهل القرية كلها· لا أدري كيف استطاعت أمي أن تقنع أبي أن يقوم بتلك المحاولة· إنما للضرورات أحكام؛ والوالد، رغم شخصيته الصارمة، لا يملك أن يناكف شريكة حياته في مسألة تعني أسرة المدمن وحدها، ولا ينبغي أن تؤثر على فرحهما المشترك بزواج الابن البكر·
هكذا بدأت الرحلة، وكان الحصان جاهزاً لحملنا بصحبة أخي الثاني الذي سيرجع بالحصان إلى الدار، لذلك قطع المسافة ماشيا بجانبنا يتجاذب مع الوالد أطراف الحديث، وكانت معالم الطريق تستأثر باهتمامهما معاً·
حين اجتزنا أرض البيادر المجاورة لبيوت القرية، أخذ الدرب الترابي يخترق كروم العنب وحقول القمح والشعير، وبدأت التلال الجرداء تطل علينا من بعيد، ورحت أتعرف إلى أسماء الهضاب والوديان والسهول الواقعة على جانبي الدرب أو بعيدا عنه· فوجئت باسم ''تل حميد الجراح'' يرتفع إلى يسارنا· وسأل أخي عن سبب التسمية، فقال أبي: إن معركة نشبت بين جماعتين من بدو الديرة وقتل شخص يمحل ذلك الاسم، ودفن في التل فصار معروفا به· وسوف أكتشف بعد سنين أن التل يحتوي على قبور عديدة، إذ كنا نعثر على كثير من عظام البشر وجماجمهم ونحن نقتلع الحجارة من هناك لاستعمالها في أبنية جديدة·

اقرأ أيضا

التنوع الثقافي العالمي حوار يتنامى بقيم التسامح