الاتحاد

الملحق الثقافي

مسافرون في الكتابة

لوحة للفنان  الصيني لي جيونغ

لوحة للفنان الصيني لي جيونغ

يذهب المبدع إلى الكتابة مثقلًا بكل شيء، مؤمنا بأن الكتابة جدوى وأحيانا قدر. يكتب ليستعيد وجودا ما، أو حلما ما على ورقة بيضاء يملأها بالبوح والنشيد والغناء والأحلام و... الفن أيضاً، الفن الذي يقترحه شكلا ليقدم هذا كله.. بقيت أمامه الكتابة كملاذ ولأنها الطريقة التي يتقنها أمام كل التعبيرات في الوجود. بقي للكاتب / الكاتبة هذه الجهة. هي جذوته وزاده وركنه الصغير الذي ينطلق منه إلى العالم كله. يحاول أن تقيه العثرات، أن يكتشف من خلالها ويجد قليلا من أحلامه. يؤسس لوطنه الصغير – الكبير بين السطور وعلى ضفاف الكلمات.

لماذا يكتبون؟ لعله السؤال الشائك السهل الممتنع الذي يواجه من يشتغلون / يهجسون بالكتابة؛ حيث الكتابة الإبداعية الإنسانية، الكتابة كهاجس وخلاص وحياة بعيداً عن الترفيه أو الكتابة غير الإبداعية. الكتابة بما هي رديفة الأنفاس وعلامة المبدع ووجهته الوحيدة دائماً.

ضرورة حياتية
قبل سنوات من رحيله قال نجيب محفوظ: “الكتابة مثل أي نشاط يقوم به الإنسان، وربما كانت أسباب هذا النشاط غامضة، مثل اللعب أو الرحلات أو الفن أو الكتابة الإبداعية، من الممكن أن يكون أساسها القراءة والجو الثقافي الذي يجعل الإنسان يعشق الكتابة فيكتب. إن الكتابة فن جميل يتصل به الكاتب بهموم الناس ويتلقى منهم وعنهم. أنا لا أستطيع أن أعيش بدون كتابة لأنني في الكتابة اشبع رغبة بداخلي في أن اكتب. أولا كتبت للاستمتاع الشخصي وبعد أن أخذت موضوع الكتابة مأخذ الجد، بدأت أحلم بآمال من الممكن أن يوصلني هذا النشاط إليها كالمجد والشهرة وغير ذلك”.
ويقول الطاهر بن جلون: “أكتب لأنني أحب ممارسة الكتابة، وأحب أن اكتب بصراحة وبكل إحساسي. الكتابة بالنسبة إلي ممارسة يومية ولا اعتبرها كعمل شقي بل أعتبرها واجباً قومياً أقوم به بنشاط، وأنا لست من الكتاب الذين يجدون عناء كبيرا في الكتابة. لماذا تكتب؟ سؤال كبير.. المهم أن يكون ما نكتبه معبرا عن الشيء الذي نعرفه أكثر، فمثلا عندما تكتب عن قريتك، عن الحي الذي تسكن فيه، عن جيرانك، عن نفسك ــ كما فعل نجيب محفوظ - تكون لديك إمكانية الوصول إلى القارئ في أي مكان. إنني مؤمن أن المحلية والأصالة هي الطريق إلى العالمية. الشهرة لا تهمني، المهم أن تقرأ كتبي وتناقش من قراء عاديين ربما طلاب أو مثقفين في أي مكان. فالشهرة شيء سطحي جدا، وربما يكون هناك عمل جاد نمارسه لعدة سنوات ولا تكتب له الشهرة، إنني اكتب منذ ثلاثين عاما، واكتب يوميا، ولن ابحث عن الشهرة، ولن أعمل أي شيء من أجلها. إن ما يجعل أدبك يصل إلى الناس هو العمل الجدي والمستقيم وعدم الانتهازية، سواء كانت سياسية أو سيكولوجية.
ويرى الشاعر عبدالوهاب البياتي الأمر من جهة أكثر فلسفة؛ فالكتابة مواجهة للموت، يقول: “أكتب كي لا أموت. أكتب كي أستطيع مقاومة الموت. وهذا يعني الكثير، فما قلته هو جوهر الموضوع وخلاصته، الكثير من المشتركات سنجدها في أجوبة المبدعين أنفسهم من أزمنة قديمة وحتى اليوم”.

دواعٍ موضوعية وجمالية
والأمر ليس حكراً على الكتابة العربية أو الأدب العربي بل سنعثر على هذه المشتركات في مقولات الكتاب الغربيين أنفسهم، ففي كتاب ترجم مؤخراً بعنوان “لماذا أكتب؟” للروائي الشهير جورج أورويل، يقول فيه: “عندما أجلس لكتابة كتاب لا أقول لنفسي سأنتج عملاً فنياً، إنما أكتبه لأنّ ثمة كذبة أريد فضحها، أو حقيقة أريد إلقاء الضوء عليها، وهمي الوحيد هو أن أحصل على من يستمع. ولكن، ليس بإمكاني القيام بمهمة تأليف كتاب أو حتى مقالة طويلة لمجلة، لو لم تكن أيضاً تجربة جمالية، هنا يفرق اورويل بين قضيتين مهمتين وهما: الكتابة الإبداعية وغير الإبداعية، فهو يرى أن الجمالية مهمة بعد أن فرغ من إجابته لماذا أكتب؟ وقد أجاب أورهان باموك الروائي التركي الشهير في إحدى محاضراته عن لماذا يكتب؟ فقال: “أكتب لأن تلك رغبتي. أكتب لأنني لا أقدر على القيام بشيء آخر غير الكتابة. أكتب كي أشير أو أناقش بعض الآراء التي وردت في كتبي. أكتب لأنني غاضب منكم جميعا، من العالم كله. أكتب لأنه يروق لي أن أنزوي في غرفتي اليوم كله. أكتب لأنني لا أستطيع تحمل الحقيقة إلا وأنا أغيّرها، أكتب حتى يعرف العالم أجمع أي حياة عشنا، وأي حياة نعيش. أكتب لأنني أحب رائحة الورق والحبر. أكتب لأنني أؤمن فوق ما أؤمن به، بالآداب وبفن الرواية ومن ثم بالصحافة. أكتب لأن الكتابة عادة وشغف”.
هكذا يلخص أورهان الكثير مما يدور بخلد المبدعين عن هذا السؤال، والكثير مما قد يقال بأكثر من طريقة، والكثير مما يتقاطع مع الآراء التي طرحناها للمبدع العربي. ومن الطريف في قصص الأدباء خصوصا مع هذا السؤال، تلك الإجابات التي جاءت غير متوقعة مثل إجابة سلمان رشدي الروائي البريطاني الذي قال ذات مرة: “أكتب لأني أحب أن ابتدع.. أحب أن أكذب”، أو جورج سيمنون الذي قال: “أكتب لأني حين لا أفعل أشعر بالضيق”، أو توفيق الحكيم الذي قال ذات مرة: “أنا لا أكتب إلا لهدف واحد هو دفع القارئ للتفكير.. وبعد مئة كتاب أعتقد أن أعمالي غير مجدية!”، أو قول الشاعر الأميركي مارك ستراند إنه لا يكتب “لأن لديه ما يقوله، بل يكتب ليكتشف ما يريد قوله”.


ضد الكسل الذهني
مع كاتب من طراز “إيتالو كالفينو” تستحق الروح أن تحظى بأكثر من وردة. هذا الكاتب يفتح حرباً لا تقبل الإغلاق على الكسل الذهني. وهو يأخذ السؤال، سؤال الكتابة، إلى منطقة أخرى غير التي يتحدث عنها/ منها الكُتّاب عادة، أعني منطقة فكرية أو روحية وليس جغرافية.
يقول كالفينو ساحباً السؤال من أذنيه إلى اللغة: “كل ما أستطيع قوله في هذا الصدد أنني، في عملي، أسعى إلى معاكسة كسلي الذهني، وهذا حال الكثير من زملائي الروائيين. وأعتقد أن النثر يستمد تطوره من كل المنابع الفعلية، مثله مثل الشعر. إن الجملة النثرية قابلة لكل التطوير والتحول واللعب بها في كل اتجاه، والانتقال من إيقاع إلى آخر من دون فقدان وحدتها الداخلية المرتبط بالسرد كامل”.
لا بأس هنا من أن نفتح قوساً إلى عالم النثر، هذا العالم السردي الذي تبرق فيه الكلمات كما يبرق شعاع ضوئي في ليلة حالكة، أما السبب الكامن وراء الألق السردي فهو بحسب كالفينو يكمن في “قدرة الناثر على خلق أسلوب جديد في كل مرة، وهو بقدر ما يبتعد عن الصفات السهلة يفتح أفقاً جديداً للتأثير لأن الجديد يحض ويشوق للمتابعة حين التقليدي يمر بك مرور الكرام”.
ويوضح كالفينو: “لكن هذا لا يعني أنني أميل إلى تحميل الجملة ما لا تستطيع تحمله، ثمة حد للتطور الداخلي إذا تجاوزته فقدت قدرتها على الإيصال، المهم استخدام أقل قدر من الكلمات لأكبر قدر من الإيحاءات، وأن الكفاية في اللعب تختلف باختلاف موهبة الكاتب”.
هذا درس ثانٍ يحتاج إليه الكثير من الكتاب العرب، الذين يظنون أن الإيغال في التعقيد، والتلغيز، والتعمية، يجعل منهم مثقفين من العيار الثقيل..
ذكرهم يا كالفينو.. لعل الذكرى تنفع المبدعين.

كتابة تزيل الدوار
“فرجينيا وولف” تقدم لنا هي الأخرى درساً مختلفاً حين تحكي عن الكتابة، ربما يعتبر منه أولئك الذين يتحفوننا في مقالاتهم ودراساتهم وكتاباتهم المتناثرة، بما لا يلذ ولا يطيب، من المدائح الشخصية الموجهة إلى ذواتهم، تقول في إجابتها على سؤال الكتابة، وما إذا كانت تعتبر نفسها كاتبة غيرية؟
“نعم، ففي هذا المعنى أنا كاتبة شاهدة على الغير أكثر مما على نفسي. أحس وكأنني دائماً على المسرح، وغالباً ما أشهد على الماضي. طابع واحد يغلف كل أعمالي، وهذا يؤكد فكرتي أننا نشبه مراكب مشدودة، تطفو عملياً فوق ما نسميه واقعاً، ويحدث أحياناً، ودونما سبب واضح وبدون جهد ذاتي، أن تنفك مراسي هذه المراكب من تلقائها، وهكذا يصبح الواقع مشهداً انقطع فجأة، لكن طابع الثبات هو الذي يغلب عادة على المشهد، أيكون ذلك بسبب التصاق المشهد بأهم ما يكون انطبع في أنفسنا منذ بداية التعبير الكتابي؟.
بسبب الضجر الذي يعتري الكاتب يحدث أن يشعر بالعجز، ثم يصبح العجز ضاغطاً، قاهراً، يفتك بالروح، ويفري القلب.. ما المخرج من حال كهذه سوى الكتابة؟
تتساءل وولف: “ألا تبدو الحياة زخرفة على الرصيف تخفي هوة واسعة؟ أتطلع إلى القاع فيعتريني الدوار، لماذا هذا الشعور؟ وما السر في أن الشيء الوحيد الذي يزيل هذا الشعور هو تسجيلي له على الورق؟.

الضحك على العالم
يأخذ سؤال الكتابة “هاينريش بول” إلى قصة أخرى، إلى دور الكاتب وماهيته وغايته في الحياة، ربما، على نحو أكثر تحديداً، إلى الغاية التي من أجلها يصبح الكاتب كاتباً. وهكذا يعرف هاينريش بول نفسه: “لست مهرجاً ولا ممثلاً، ولا أرفّه عن الناس”.
يجد بول وظيفة غير اعتيادية يمارسها: “إنني أجسد السرور، أضحك كما يضحك إمبراطور روماني، كما أن ضحكة القرن السابع عشر أليفة لديّ إلفة ضحكة القرن التاسع عشر. وأستطيع، إذا لزم، أن أجسد كل العصور في ضحكتي، كل الطبقات الاجتماعية وكل الأعمار الإنسانية”.
الغريب، أن هذا الضاحك أو الساخر الكبير ما إن ينتهي من عمله (الكتابة) حتى يفقد الرغبة في الضحك.. تماماً كما يحدث مع أصحاب الأعمال الأخرى.
الأغرب أن هاينريش بول الضاحك في الكتابة يتخذ مظهر العابس المتشائم في حياته الواقعية.
هل هي دعوة لعدم تصديق ما ينطبع على شاشة الوجوه والتوغل أكثر لاكتشاف ما ينطبع على شاشة القلب... ربما!.

كتابة لـ.. الكتابة
لا تكتب “فرنسواز ساغان”، مثلاً، إلا لأنها تحب الكتابة. هكذا، لغرام أو هوىً داخلي بحت. تقول: “أنا أكتب لأنني أحب أن أكتب، وليس لأي سبب آخر”، وهي تعتقد أن “الكتابة رذيلة وفضيلة في آن”، بل وتذهب إلى أكثر من ذلك: “إنها الفضيلة الوحيدة التي تتحول إلى متعة”.
يربأ كثير من الكتاب العرب بأنفسهم أن يسموا الكتابة “مهنة”، وربما جنح بهم الرفض إلى استدعاء واحدة من المقولات المأثورة في تاريخنا الثقافي العربي التي تحيل إلى كون الأدب حرفة، على طريقة “أدركته حرفة الأدب”. أما ساغان فلا يرف لها لسان وهي تقول بعلو صوتها:
“الكتابة مهنة حقاً لكنها مهنة حميمة جداً”، وبسبب هذه الحميمية لا يمكن وصف الكتابة، أو توصيف علاقة الكاتب بها على وجه أدق، ما يجعل ساغان تصرح: “لا أحب الكتّاب الذين يتحدثون كثيراً عن مهنتهم هذه، وأنا نادراً ما أفعل ذلك”، ثم وبضربة حرف متقنة تتساءل ساغان: “إنني لا أدري حقاً هل يختلف الأمر بين رجل كاتب وامرأة كاتبة”.
ساغان في سؤالها هذا، تعكس نضجاً عالياً وروحاً سامقة، فالكتابة هي الكتابة، لا تعترف بالتجنيس ولا بالفوارق، هي خارج التأنيث والتذكير والقولبة والتنميط. كل ما يضع الكتابة في قالب، هو شيء آخر غير الكتابة. بهذا المعنى، تصبح الكتابة فعل وجود إنساني يتعانق مع الروح، أعني الروح الحية، ومن هنا، تصبح الكتابة نفسها كائناً حياً، يكبر ويصغر وينمو ويتنفس وربما يأكل ويشرب إذا ما ذهبنا في المجاز إلى آخره.
هكذا، يسهل فهم ما ترمي إليه ساغان حين تقول: “إنني أرى الكتابة، كأنها غصن ينمو على شجرة ثم يذبل ويموت، هكذا هي الكتابة لي، إنها عمل إضافي في شروط الطبيعة: نعيش، نموت.. نكتب.
بين كتابين لا أفعل شيئاً، لا ألمس قلماً أو ورقة، بل يحلو لي التمدد على الكنبة و”تأمل الغيمات العابرة”، كما يقول “بودلير”.
أقرأ القصص البوليسية، أتنزه، أقابل الأصدقاء والناس، وأقاوم بعض الأفكار التي تخطر في بالي، لكن يحدث لي بعد وقت أن تستبد بي فكرة معينة، فتلازمني وأجلس من جديدة للكتابة”.
الكتابة فعل حياة إذن.. الحياة أيضاً فعل كتابة.. بهذا الدرس البسيط، المختصر جداً، يخرج المرء من من هذا السفر الداخلي في أدغال الكتابة.

اقرأ أيضا