الاتحاد

ثقافة

رحلة إلى قمم جبال الإنديز وبراكينها الخامدة

قمة أحد جبال الإنديز

قمة أحد جبال الإنديز

ها أنا ذا أجلس على قارعة الطريق في هذا المقهى الذي يقع أمام مدخل ''فندق لاس بالماس'' في هذه البلدة بمكان ما جنوب العاصمة ليما·
ثمة هاجس يراودني بإلحاح كلما جلستُ في هذا المقهى يحرضني على العودة مرة أخرى للبحث عن كنوز الانكا، أو على الأقل عدم مغادرة هذه البلاد دون أن أحقق شيئاً من أهدافي الاستكشافية·· صار هذا التحريض مستمراً لكثرة جلوسي في هذا المقهى، فلا توجد أماكن أخرى أذهب إليها في هذه البلدة، بل لا شيء غير الرتابة، أنزلُ كل صباح من غرفتي في الطابق الرابع من فندق لاس بالماس، أجلس على تلك الطاولة ذاتها، وفي الزاوية نفسها لأتناول القهوة والخبز المحمَّص، وأطالع الصحف المحلية·
في كثير من الأحيان تستمر جلستي هذه إلى ما بعد الظهر، وغالباً ما أعود مساء لأكمل الجلسة التي لا أفعل فيها أي شيء سوى النظر إلى الناس وهم يمرون أمام هذا المقهى حاملين الأكياس التي وضعوا فيها مشترياتهم من محل الفواكه الصغير الواقع في الجهة المقابلة من الشارع·
روح المغامرة
صار محكوماً علي أن أقيم في هذا الفندق المتواضع والرخيص نوعاً ما لأن طائرتي غادرت وصرت مضطرا للانتظار أسبوعاً كاملاً بانتظار الرحلة التالية التي يمكن أن أحصل فيها على مقعد·
أهم شيء في مثل هذه الرحلات الاستكشافية التخطيط والتجهيز والإعداد، لكنني لم أكن كذلك في المرة السابقة؛ فقد كنتُ مدفوعاً بروح المغامرة أكثر من أي شيء آخر، فكرة المغامرة والاستكشاف هي التي تسيطر علي دائماً، لكن هذا لم ولن يوصلني إلى نتيجة·
في المقهى، وفي ذلك المساء، كان هناك رواد أكثر من العادة، فسألتُ النادل الذي صار يعرفني بحكم ترددي اليومي عليه منذ ثلاثة أيام، عن سبب هذا الإقبال على هذا الفندق المتواضع والمنعزل، فقال لي: إنهم نُزلاء جُدد، نزلوا هنا البارحة، إنهم أميركيون ولكن في مهمة استكشافية·
اعتقدتُ أنهم في مهمة استخباراتية أو عسكرية، لكنني لمحت بينهم شخصية عرفتها من خلال صورة نشرت قبل يوم في الصحف المحلية، إنه الدكتور فرانك كريتشر والذي يبدو أنه يرأس الفريق البحثي، وكنت قرأت مقالة عنه في صحيفة محلية تصدر باللغة الإنجليزية، لكنني لم أتصور أبداً أن ألتقيه في ذلك المكان·
كان موضوع المقال هو مفتاح حديثي معه لأقنعه بفكرتي للانضمام إلى فريقه، بعد أن أغريته بأنني سأقوم بتغطية رحلته لوكالات الأنباء العالمية، وعلى نحو خاص للصحف الصادرة في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي ربما سيجعل من السهل عليه الحصول على تمويل لرحلات استكشافية في الصحراء العربية المليئة بالكنوز والآثار والأحافير·
الدكتور كريتشر
اشترط علي الدكتور كريتشر أن أوقع على خطاب عدم تحمله للمسؤولية في حال أصابني أي مكروه مقابل موافقته على مرافقتي لبعثته الاستكشافية معتقداً أنني سأرفض التوقيع على مثل هذه الورقة، فقد تراجع عن موافقته عندما وقعت له على إخلاء المسؤولية، وراح يبرر ممانعته بأنني يجب أن أحصل على تراخيص من السلطات المعنية، وأن هذا يحتاج إلى وقت نحن لا نملكه·· لكنني كنت مصراً وملحاً بل ومهدد بأنني سأضطر إلى اقتفاء آثارهم على حسابي الخاص·
لم يقتنع، ولكنني كنت مصراً على غير عادتي، وفي الصباح الباكر كنت أنتظر عند سيارات الفريق، وركبت إحدى السيارات برفقة الفريق المساند، الذي لم يعترض أي أحد من أعضائه على وجودي لاعتقادهم بأنني أرافقهم بناء على موافقة الدكتور كريتشر·
بعد نحو ساعة ونصف تقريباً، وبعد أن توغلنا في الغابات والمرتفعات إلى أن توقفنا عند ميناء صغير وسط غابة، اكتشف الدكتور كريتشر وجودي، ولوح برأسه معترضاً وهجم علي ممسكاً بياقة قميصي لكنه أفلتها دون أن يصرخ بي، إلا أن التذمر والغضب كانا باديين على وجهه، من هنا سنركب قوارب صغيرة ستنقلنا إلى الضفة الأخرى التي تتراءى لنا من هنا رغم رداءة الرؤية لوجود ضباب أو غبار كثيف·
الضفة الأخرى عبارة عن سفح جبل سننتقل منه إلى أعلى الجبل بواسطة البغال التي تنتظرنا هناك برفقة عدد من السكان المحليين·
بعد فترة قضيناها سيراً على الأقدام، ركبنا جميعاً على البغال لنبدأ تسلق هذا الجبل الأخضر الذي تكسوه الأشجار والنباتات·· كان السكان المحليون يقودون البغال التي تقلنا، ويمرون بها في أخاديد يعرفونها جيداً، خشية أن تحدث انهيارات رملية في أماكن أخرى ليست صالحة للتسلق·
بركان خامد
ربما استغرقت رحلة صعودنا إلى قمة الجبل نحو نصف الساعة، وبدا مظهري يشبه إلى حد كبير سكان البلاد الأصليين بعد أن عفر وجهي وملابسي الغبار المنبعث من تحت أقدام البغال التي يركب على ظهورها فريق البحث الأميركي، وقد ارتديت القبعة التي تشبه قبعة رعاة البقر الأميركيين·
كانت درجة الرطوبة عالية ونحن نتسلق الجبل، ذلك أنه توجد في قمة هذا الجبل فوهة بركان خامد، تحولت مع مرور الوقت إلى بحيرة كبيرة تجمعت فيها مياه الأمطار الموسمية التي تتساقط على هذه البلاد بشكل متواصل·
رائحة الكبريت تنتشر في الجو كلما اقتربنا من القمة، وأقام السكان المحليون الذين استأجرهم الدكتور كريتشر مظلة على حافة فوهة البركان، تقي من حرارة الشمس الحارقة·
الدكتور كريتشر غير مهتم بفوهة البركان التي أثارت اهتمامي وأخذت أتفحصها وألتقط الصور لها، بل إنني جعلت أحد أعضاء الفريق يلتقط لي صوراً على خلفيتها·
يصل عمق هذه الفوهة إلى ثلاثة آلاف قدم من هذا الارتفاع، وقد خمدت منذ عام 1965 حيث كانت آخر ثورة لهذا البركان، ظلت هذه الفوهة بعدها تفرز أبخرة سامة ويتصاعد منها دخان أبيض لكن العلماء يقولون إنها لم تظهر أي آثار لأي نشاط بركاني·
نحن الآن في مكان ما من قمم سلسلة جبال الانديز، نبحث عن شيء ما، عن بقايا مدينة مفقودة، أسطورة، كانت في يوم ما عاصمة حضارة الانكا الغابرة، عن أي شيء يربطنا بمدينة الشمس المقدسة التي يطلق عليها أيضا مدينة ميتشو بيتشو الأثرية·
ثمة كهف يقع على حافة هذه الفوهة، كان على فريق البحث أن يدخله، والواقع أنني خشيت من تلك المغامرة، غير أن شباب الفريق وكان يبنهم مغامرون ومصورين وعلماء شجعوني على عدم التخلي عن روح المغامرة التي أتحلى بها والتي أثارت إعجابهم عندما كنا في الطريق إلى هنا وكنت أقص عليهم مغامراتي وأسفاري حول العالم·

اقرأ أيضا

اليوم.. آخر محطات المرحلة الثانية من «أمير الشعراء»