الاتحاد

دنيا

أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة وأول قاضي قضاة في الدولة الإسلامية

أبو يوسف الانصاري هو الإمام العلامة المحدث، قاضي القضاة والتلميذ الأول والأهم للإمام أبي حنيفة النعمان، اشتهر بإتقان الحفظ، ولقبوه بالمجتهد وقاضي القضاة الأول في الدولة الإسلامية•
ولد يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري المعروف بأبي يوسف في سنة 113 هـ/731م، بمدينة الكوفة ونشأ في أسرة فقيرة، وبدأ طلب العلم بحفظ القرآن الكريم ودرس العربية والفقه والأصول، وعرف بالنجابة والذكاء، واتجه منذ الصغر إلى دراسة الحديث، فسمع أبا إسحاق الشيباني ويحيى بن سعيد الأنصاري وهشام بن عروة وعطاء بن السائب. ودرس المغازي وأيام العرب على محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية المعروفة باسمه، وتتلمذ على عبد الرحمن بن أبي ليلى، الفقيه الكوفي المعروف، وانتسب إلى حلقة الإمام أبي حنيفة، ودفعته الحاجة إلى العمل لمواجهة ضرورات الحياة، فتعهده الإمام أبو حنيفة بالرعاية وأمده بالمال حتى يتفرغ تماماً للدراسة وطلب العلم، وظل ملازماً لأبي حنيفة قرابة العشرين سنة.
رحلاته طلباً للعلم
يقول الدكتور نبيل غنايم - أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة إنَّ أبا يوسف دفعه شغفه بالعلم والتحصيل للرحيل إلى المدينة المنورة وأخذ الحديث والفقه عن الإمام مالك، وعندما تضلع في العلم عاد إلى العراق، واشتغل بالتدريس، وتقلد منصب القضاء في سنة 166هـ / 782م، في عهد الخليفة العباسي «المهدي» فحمدت سيرته واشتهر بالورع والتقوى والصلابة في الحق، فتولى منصب قاضي القضاة في عهد الخليفة هارون الرشيد، وقد استحدث هذا المنصب لأول مرة في تاريخ القضاء الإسلامي، وكان أبو يوسف هو أول من يشغله في التاريخ الإسلامي، واجتهد أبو يوسف في نشر المذهب الحنفي وفق شيخه أبي حنيفة، وجعله الفقه الرسمي بالقضاء والإفتاء والتدوين، وأتاح له الذيوع والانتشار في الدولة الإسلامية•
«الخراج» أشهر مؤلفاته
كان أبو يوسف محدثاً فقيهاً مهتماً بجمع الحديث وروايته والجلوس لأهله، وموضع تقدير الناس وإجلالهم له، ولسعة علمه وتبحره في العلوم توثقت علاقته بالخليفة الرشيد وأصبح من المقربين في مجلسه، وخاصة مستشاريه، وكان يستشيره في أمور الدين والدنيا وكتب له في الكتاب الذائع الصيت «الخراج»: «وقد كتبت لك ما أمرت وشرحته لك وبينته فتفقهه وتدبره، وردد قراءته حتى تحفظه، فإني قد اجتهدت لك في ذلك ولم آلك والمسلمين نصحا››. ويعد كتاب «الخراج»، من أعظم كتب الفقه الإسلامي، وكتبه استجابة للرشيد الذي طالبه بأن يضع له كتاباً في مالية الدولة وفق أحكام الشريعة، وقد تضمن الكتاب بياناً بموارد الدولة على اختلافها ومصارف تلك الأموال، وبيان الطريقة المثلى لجمع تلك الأموال والواجبات التي يلزم بيت المال القيام بها، ويتضمن انتقادات لتجاوزات بعض الولاة مع أهل الخراج والشطط في تحصيله، ويقدم النصائح للخليفة في ضرورة أن يجلس للنظر في مظالم الرعية مجلساً واحدا في الشهر أو الشهرين، حتى ينتهي الولاة عن ظلم رعيتهم، وحث بيت المال على الإنفاق على المشروعات العامة. وترك القاضي أبو يوسف مصنفات فقهية كثيرة أهما كتاب «الصلاة»، و«الزكاة»، و«الصيام»، و«الفرائض»، و«البيوع»، و«الحدود»، و«الآثار»، وهو مسند لأبي حنيفة، رواه أبو يوسف عنه، ويضم طائفة من الأحاديث التي اعتمد عليها أبو حنيفة في بعض ما استنبطه من أحكام وفتاوى، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من فتاوى التابعين من فقهاء الكوفة والعراق. وله ايضاً كتاب «اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى»، وهو كتاب جمع فيه أبو يوسف مسائل اختلف فيها أبو حنيفة مع ابن أبي ليلى الفقيه الكوفي المعروف.
خالف أستاذه أبا حنيفة
اعتبره العلماء من أفقه أهل عصره، وأول من وضع أصول الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، وأملى المسائل ومن المجتهدين المستقلين الذين يستخرجون الأحكام من الكتاب والسنة، وخالف أستاذه أبا حنيفة في الكثير من المسائل وقال ابن معين: «ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت منه في الحديث والحفظ، هذا مع مبالغته في العبادة والذكر، حتى أن ورده في النوافل في اليوم مئتا ركعة، وكان على عقيدة السلف الصالح ويكره أهل البدع»، وروي عن أبي حنيفة أنه قال عن تلاميذه: «أصحابنا ستة وثلاثون رجلاً، ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، وفيهم ستة يصلحون للفتوى، وفيهم اثنان يصلحان لتأديب القضاة وأصحاب الفتوى»، وأشار إلى أبي يوسف وزفر. وحين استشار الإمام أبو حنيفة تلميذه أبا يوسف في قبول وظيفة القضاء، ونصحه أبو يوسف بالقبول، قال له شيخه: «لكأني بك قاضياً، وهي النبوءة التي قال عنها هارون الرشيد فيما بعد: «إنهَ أبا حنيفة كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه»• وقال يحيى البرمكي: «أبو يوسف مقدم، وأقل ما فيه الفقه وقد ملأ بفقهه الخافقين. وقال أحمد: «كان أبو يوسف منصفاً في الحديث». وعن أبي يوسف قال: «صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة». وعن هلال الرأي قال: «كان أبو يوسف يحفظ التفسير ويحفظ المغازي وأيام العرب، وكان أحد علومه الفقه»• توفي أبو يوسف في 5 من ربيع الأول 182 هـ، وصلى عليه الخليفة هارون الرشيد، وأمر بدفنه في مقابر قريش.

اقرأ أيضا