الاتحاد

تقارير

أمنية عزيزة تتحقق

(وجعلنا من الماء كل شيء حي) صدق الله العظيم· ما كان للسودان أن يكون مقراً وسكناً للبشر لو لم يكن النيل العظيم الذي يمتد من أول نقطة على حدوده الجنوبية إلى آخر نقطة في تلك الحدود في شماله، وإذا كانت مصر هي هبة النيل- كما يقولون- فإن السودان هو الهبة الأكثر حظاً وأسبق في نيل ذلك الحظ، إضافة إلى أن للنيل في السودان فروعاً متعددة تصب في مجراه الرئيسي فتزيد من غلته، لهذا كله فقد كان بديهياً أن يهتم السودان بموارده المالية للحفاظ عليها وتنميتها عاماً بعد عام·
في هذا الأسبوع تحققت أمنية عزيزة على السودانيين ظلوا ينتظرون تحقيقها لنحو أربعة عقود، إنها تعلية سد (خزان) الروصيرص، المقام على مجرى النيل الأزرق على بعد مئات الأميال جنوب شرقي الخرطوم، لقد تم الاتفاق بين حكومة السودان والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي على تعلية هذا الخزان من ارتفاع 480 متراً، عن سطح البحر إلى 490 مترا، ورصد الصندوق العربي لذلك الهدف 58 مليون دينار كويتي·
إن خزان ''الروصيرص'' هو المصدر الرئيسي للطاقة الكهربائية في السودان، وهي التي تقدر الزيادة فيها بعد التعلية بنحو 40 بالمائة من الإنتاج الحالي، وتقدر تلك النسبة بـ 440 ميجاواط سنوياً، أمّا في مجال الزراعة فإن هذا السد الذي أسهم مع خزان ''سنار'' في ري وزراعة مئات الألوف من الأفدنة، سيوفر للسودان فرصاً جديدة لزيادة الرقعة الزراعية على ضفتي النيل الأزرق والنيل الأبيض، ويقدر بعض الخبراء أنه لو أحسن السودان استغلال هذه الإمكانيات فإن السودان قد يحقق اكتفاء ذاتياً في عدد من المحاصيل الزراعية، لاسيما في محصول القمح الذي يستورد السودان قدراً كبيراً منه كل عام، بل إن المتفائلين يتوقعون أن يتمكن السودان من تصدير هذه السلعة لأشقائه العرب، وفي هذا فإن مدير الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي قال -بعد توقيع اتفاقية تعلية سد ''الروصيرص''-: ''إننا متحمسون لتمويل المشاريع في السودان، لأننا نراها على أرض الواقع ونلمس فائدتها التي تتجاوز السودان للوطن العربي ككل''·
إن غلة مياه النيل تحكم تقسيمها بين السودان ومصر اتفاقية عقدت عام 1959م، وكان من أهم ما نصـــت عليــــه، هو أن الســـودان لا يستخــــدم كل حصتــه من الميــــاه المقررة في ذلـــــك الاتفاق، ولهـــذا فقـــد اتفـــق الجانبــــان على أن يذهــــب الفائض الــــذي لا يستخدمه السودان من الماء إلى مصر، وستكون تلك الكميات من المياه ديناً للسودان على مصر يتم النظر في سداده بالاتفاق بين البلدين حينما يحين الوقت لذلك، والآن فإن تعلية خزان ''الروصيرص'' عندما تتم ستمكّن السودان من استغلال ذلك القدر من مياه النيل الذي كان يدينه لجمهوريــــة مصر، وعلى كـــل حال فتلــك قضية تخضع للحساب في الوقت المناسب·
لقد أنشئ خزان ''الروصيرص'' عام 1966م، وكان أمر تعليته وزيادة قدراته التخزينية موضوعاً على الأجندة الوطنية منذ ذلك العام، ولكن ظروفاً كثيرة منها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي حالت دون تحقيق ذلك الهدف الحيوي الهام، ولهذا فإن قرار التعلية هذا يعد خبراً سعيداً لكل أهل السودان·

اقرأ أيضا