الاتحاد

تقارير

أميركا والعالم··· العودة إلى ما قبل المربع الأول

 بوش  أعاد البلاد إلى ما قبل فترة رئاسة  كلينتون

بوش أعاد البلاد إلى ما قبل فترة رئاسة كلينتون

بعد سنوات من الإعلان عن أنها تفهم السياسة الدولية بشكل أفضل من سابقاتها، تسعى إدارة ''بوش'' اليوم إلى إصلاح ما أفسدته سياساتها خلال سنواتها السبع الأولى؛ حيث تحاول إعادة سياسة الولايات المتحدة الخارجية إلى حيث كانت قبل وصول ''بوش'' إلى البيت الأبيض· والحال أن العالم تغير كثيرا اليوم، وأوضاعه تصب بشكل أقل في مصلحة الولايات المتحدة مقارنة مع السابق، ولذا يجد مسؤولو الإدارة أن المربع الأول لم يعد كما كان·
ففي ،2001 أعلنت إدارة ''بوش'' ثورة على صعيد ممارسة السياسة الخارجية الأميركية وجوهرها؛ حيث استخفت بمبادئ التعاون الدولي متعدد الأطراف، وقللت من شأن تغير المناخ ووصفته بأنه هاجس من هواجس ''آل جور''، وقالت إنها لن تعلق - مثلما فعلت سابقاتها- في عملية صنع السلام الإسرائيلية الفلسطينية· وبعد الحادي عشر من سبتمبر طورت عقيدة جديدة راديكالية للاستعمال الاستباقي للقوة العسكرية؛ وأصبحت الحرب على الإرهاب موضوعها الأبرز متقدما على ما سواه، استراتيجيا وأخلاقيا· وفي محاولة لإصلاح الضرر الذي حدث خلال سنواتها السبع الأولى -ومن ذلك الإنهاك الذي يصيب الجيش، وفقدان السمعة والنفوذ الدوليين- تبنت الإدارة في هدوء، وعلى نحو ساخر، الكثير من السياسات التي كانت ترفضها فيما قبل·
في الشرق الأوسط، تخلت إدارة ''بوش'' عن الدور الأميركي التقليدي كوسيط يساعد العرب والإسرائيليين على التوصل إلى سلام، وقالت إن ''الطريق إلى القدس إنما يمر عبر بغداد''، أي أن خلع صدام حسين هو السبيل إلى التوصل إلى اتفاق فلسطيني إسرائيلي، وهو ما لم يحدث، فتحولت جهود السلام الأميركية إلى دبلوماسية عابرة· ولكن بعد ذلك، أعادت الولايات المتحدة إحياء دورها كوسيط في جهود السلام في الشرق الأوسط في مؤتمر ''أنابوليس'' أواخر العام الماضي، ومن ثم زيارة ''بوش'' للمنطقة والالتقاء باللاعبين الرئيسيين قصد تحريك المفاوضات، إلا أن العقبات التي تعترض طريق السلام تبدو اليوم أكبر وأصعب مما كانت عليه عندما وصل بوش إلى البيت الأبيض، فالسلطة الفلسطينية ضعيفة ومفككة؛ وحماس تسيطر على قطاع غزة؛ والجمهور الإسرائيلي يشعر بأنه أقل أمنا ومحاصَرا أكثر من قبل خصوم معادين لأسباب في مقدمتها الحرب في العراق، كما أن سبع سنوات من المستوطنات في الضفة الغربية ساهمت في جعل الشباب الفلسطيني أكثر راديكالية·
في العراق، أدى النجاح، الذي ينسب إلى زيادة عدد القوات التي أشرف عليها الجنرال ''ديفيد بترايوس''، إلى إعادة البلاد إلى مستويات عنف ليست أسوأ مما كانت عليه في ،2004 غير أن الحفاظ على التقدم المحرَز على صعيد الأمن مسألة سياسية بالأساس آفاقها ضعيفة، ذلك أن الحكومة العراقية لم تمرر تشريعات مهمة حول اقتسام العائدات النفطية أو مراجعة القوانين الانتخابية، وجميعها معايير بالغة الأهمية لدعم أجواء الثقة وتحقيق المصالحة بين طوائف البلاد الدينية والعرقية· بيد أن الفكرة القائلة إن العراق سيصبح في طليعة البلدان العربية التي تطالها الدمقرطة في الشرق الأوسط قلما أصبحنا نسمعها· في حين أصبح الفائز الكبير من حرب العراق هو إيران، التي تَضاعف نفوذُها في المنطقة، ولاسيما في العراق ولبنان وقطاع غزة؛ فبعد الحادي عشر من سبتمبر، ثم في ،2003 رفضت إدارة ''بوش'' عددا من الفرص الممكنة لتحسين العلاقات مع إيران عندما لمح الإيرانيون إلى استعدادهم للتفاوض، قبل أن تنضم إلى المحادثات التي تزعمها الاتحاد الأوروبي حول برنامج إيران النووي في نهاية المطاف، وطيلة هذه الفترة، أصبح الخطاب الأميركي تجاه إيران، التي توصف أيضا بأنها عضو في محور الشر، ناريا ينزع إلى الحرب بشكل تدريجي، ويتضمن تهديدات بعمل عسكري في حال استمرت في السعي وراء السلاح النووي·
النتيجــة النهائيـــة لكــــل هذا؟ لقد تبين، استنادا إلى تقرير حديث للاستخبارات الأميركية، أن إيران أوقفت برنامج أسلحتها النووية في ،2003 وذلك رغم أن البلد مازال يواصل برامج تخصيب وقوده النووي· وهكذا، فإن الهدف اليوم بـــات هو تقييد برنامج إيران النووي والحد من نطاقه في المنطقة، مع انتظار حدوث تغير سياسي داخل البلد لتغيير قواعد اللعبة لصالحنا؛ وفي حال نجحت السياسة الأميركية في ،2008 فإن النتيجة ستبدو على النحــو الذي كانــت عليــه في ،2000 عندما أدى تغير على صعيد القيادة في إيران إلى ظهور مؤشرات على علاقات أفضل·
بيد أن الرئيس الأميركي المقبل لن يبدأ من وضعٍ دولي يشبه الوضع الذي ورثه ''بوش''، وذلك مهما كـــان نجـــاح الإدارة في إصلاح الأضرار التي نجمت عن سياساتها الفاشلة؛ ذلك أن روسيا التي كانت ضعيفة دوليا وفي طور الدمقرطة صارت اليوم سلطويـــة ودولة نفطيـــة مستفزة، ثم إن اقتصاد الصين هو اليوم أكبر مما كان عليه في 2000 بمرتين أو يزيد، ونفوذها العالمي نما بموازاة مع ذلك، كما أن جيـــلا جديـــدا من الجهاديين يتوق لمواصلة حملتــــه ضد الولايات المتحدة·
إذا كنتَ قوة عظيمة، فإن عقدا ضائعا لا يتركك حيث بدأت فقط؛ بل يتركك في الخلف بعيدا· ولذلك، فيجدر بالمرشحين الرئاسيين أن يخططوا للقيام بأكثر من مجرد إعادة تشغيل النظام والبدء من جديد، كما لو أن عقارب الساعة توقفت عن الدوران في يناير ·2001


ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا