الاتحاد

تقارير

التسلح في أميركا الجنوبية··· كارثة يؤججها انعدام الثقة

التسلح في أميركا الجنوبية··· كارثة يؤججها انعدام الثقة

التسلح في أميركا الجنوبية··· كارثة يؤججها انعدام الثقة

ربما يشير التزايد الملحوظ في حجم الإنفاق الدفاعي، في كل من فنزويلا والبرازيل والإكوادور، مصحوباً بتصاعد شراء الأسلحة من قبل كل من شيلي وكولومبيا، إلى بدايات سباق تسلح في قارة أميركا الجنوبية، التي لم تشهد أي نزاعات مسلحة بين دولها على امتداد عدة عقود خلت؛ وكما جاء في تعليق ''مايكل شيفتر'' -نائب رئيس السياسات بمعهد ''الحوار البيني الأميركي'' بواشنطن، فإنها لخطورة كبيرة أن يتصاعد حجم الإنفاق العسكري لهذه الدول، وأن تزداد مشترياتها للأسلحة إلى كل هذا الحد؛ وقد تضاعفت هذه المخاوف فعلاً على إثر مشتريات كل من فنزويلا والبرازيل الأخيرة من الأسلحة، ففي الأولى أنفق الرئيس الفنزويلي ''هوجو شافيز'' -المتخمة خزانة بلاده بالثروات والعائدات النفطية- إنفاقاً سخياً على المقاتلات وطائرات النقل العمودية، وكذلك على الطائرات الروسية، إلى جانب شرائه لنحو 100 ألف قطعة من رشاشات الكلاشنكوف الروسية الصنع·
أما في الجارة البرازيل، التي تعادل مساحتها وكثافتها السكانية نسبة 50 في المائة من القارة الأميركية الجنوبية، فقد طالب رئيسها ''لولا دا سيلفا''، كونجرس بلاده مؤخراً، بتخصيص مبلغ 10,13 مليار (ريل) برازي لي، أي ما يعادل 5,6 مليار دولار، لميزانية الإنفاق العسكري للعام الحالي، بزيادة بلغت نسبتها 53 في المائة عما كانت عليه سابقاً·
وقد تلت هذه الزيادات استثمار الجارة شيلي لمبالغ طائلة في إنفاقها الدفاعي، في وقت مبكر من العقد الحالي· وفي الوقت نفسه، حصلت كولومبيا على ملايين الدولارات، في شكل مساعدات لمشترياتها العسكرية، قدمتها لها الولايات المتحدة الأميركية، مكافأة لها في الحرب التي تشنها على تجارة المخدرات، ليس ذلك فحسب، بل زاد حجم إنفاق الإكوادور أيضاً على ميزانيتها الدفاعية، ومشترياتها من الأسلحة· ومن رأي ''شيفتر''، أن ما حدث في هذه الدول قد تم بدوافع مختلفة على حد قوله·
يذكر أن ''شيفتر'' كان قد أدلى بإفاداته أمام الكونجرس الأميركي في نهاية العام الماضي، فيما يتعلق بالتداعيات المحتملة لزيادة فنزويلا الملحوظة لحجم إنفاقها العسكري، وقد جاء في تفسيره لهذه الزيادة، أن ''هوجو شافيز'' يستخدم هذه الضغوط العسكرية، بمثابة وسيلة منه لتعبئة بلاده، إلى جانب احترازه من ضربة أميركية لا يستبعد حدوثها؛ في حين أن الأمر في شيلي متعلق بتوفير ما تحتاجه القوات الوطنية من دعم وتسليح، أكثر من أي شيء آخر· وإذا ما كانت كولومبيا قد زادت من حجم إنفاقها الدفاعي هي الأخرى، فيعود ذلك إلى أن جزءاً كبيراً من المساعدات الدفاعية التي تتلقاها من الولايات المتحدة، يأتيها في شكل معدات حربية·
غير أن المشكلة في كل هذا -والحديث لا يزال لـ''شيفتر''- هي وجود هوة كبيرة من انعدام الثقـــة بين دول القارة الجنوبية، وفيما لو لم تعلم كل واحدة منها نوايا الدول الأخرى المجاورة تجاهها، فإن من الطبيعي أن تلجأ كل واحدة إلى مضاعفة وتقوية ترسانتها الحربية بقدر ما تستطيع، تحسباً منها لأي طوارئ محتملة، وهناك من بين قادة القارة من يبدي تخوفاً من تطلعــــات الزعيم الفنزويلي ''هوجــو شافيز''، ويعمل على الحيلولة دون تحقيقه التفوق العسكــري الذي يريـــد·
هذا ومن رأي الكولونيل الاحتياطي ''جيرالدو ليسبات'' -منسق مجموعة الدراسات الاستراتيجية بجامعة ''يونيكامب'' بساو باولو- أن البرازيل لن تعلن مخاوفها هذه من طموحات ''شافيز'' صراحة، إلا أنها مضت عملياً في زيادة إنفاقها العسكري، مدفوعة بتلك المخاوف·
ومن المعلوم صراع زعيميْ كل من البرازيل وفنزويلا على النفوذ الإقليمي في منطقة أميركا اللاتينية، كلاً بوسيلته وأساليبه، فقد تمكن ''شافيز'' من استقطاب تيارات اليسار وضمها إلى مظلته الاشتراكية، في حين مضى نظيره البرازيلي ''لولا دا سيلفا''، إلى تشكيل تحالف مواز من الاشتراكيين الديمقراطيين· وحتى الوقت الحالي، يعتبر الرئيسان المتنافسان، صديقين مسالمين، لا توجد بين بلديهما نزاعات حدودية أو تاريخية قابلة للاشتعال في أي لحظة· لكن وفي المقابل، فإن هناك توترات بين فنزويلا وكولومبيا حول المياه والأراضي الحدودية الغنية بموارد الغاز الطبيعي، وهي نفسها المناطق التي تخوض فيها عصابات ''فارك'' المتمردة حروبها ضد الحكومة المركزية في كولومبيا، ليس ذلك فحسب، بل ادعت فنزويلا ملكيتها لبعض الأراضي الحدودية الواقعة في غرب غيانا·
هناك قلة تعتقد أن وراء زيادة ''شافيز'' من مشترياته من الأسلحة، نوايا لتوجيه ضربة عسكرية إلى إحدى دول الجوار، فقد سبق له أن حذر معارضي حليفه البوليفي ''إيفو موراليس''، من أن ''المدافع والبنادق سوف تهدر'' فيما لو حاولوا الإطاحة بنظام الرئيس ''موراليس''· غير أن من رأي المحللين أن فنزويلا لا تزال تفتقر حتى الآن للأسلحة والقدرات العسكرية التي تمكنها من تحقيق ضربة ''الصدمة والرعب'' التي لوّحت بها؛ وإلى جانب هذا الضعف، فإن جيشها لا يزال يشكل حتى الآن، ثلث الجيش البرازيلي، إضافة إلى ضعف خبرته القتالية في الميادين، مقارنة بجيش الجارة كولومبيا على سبيل المثال· وفيما لو سعت فنزويلا لتسوية نزاعاتها الحدودية مع ''غيانا'' عسكرياً، فإن من شأن خطوة كهذه، أن تفسح الطريق أمام تدخل كل من الولايات المتحدة وبريطانيا في النزاع، بحكم كون هذه الجمهورية من المستعمرات السابقة·
ومن الطبيعي على أية حال، أن يثير تسلح الزعيم الفنزويلي الذي يصعب التكهن بخطواته وتصرفاته، بكل هذه الأسلحة والعتاد الحربي الحديث، قلق وهواجس العناصر المعتدلة في القارة· والأهم من هذا، أن هناك من المحللين من يعترض على تزايد تخصيص دول المنطقة لكل هذه الموارد المالية الضخمة لبرامج وخطط زيادة إنفاقها العسكري، محتجين بقولهم: إن الفقر لا يزال يمثل أكبر مشكلة اقتصادية اجتماعية تواجهها جميع دول المنطقة بلا استثناء، وإلى جانب مكافحة الفقر، هناك تحديات بناء البنية التحتية، والخدمات التعليمية والصحية، وبناء الأجهزة العدلية، التي يجب أن تعطى الأولوية في الإنفاق من الميزانية العامة قبل غيرها·


ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا