الاتحاد

تقارير

تسريبات ويكيليكس.. وحدود المسؤولية الإعلامية

هوما يوسف
باحثة باكستانية بمركز «وودرو ويلسون» بواشنطن


عقدت منظمتان غير ربحيتين بعد أسبوع من نشر موقع ويكيليكس الوثائق السرية حلقة دراسية في كراتشي عنوانها "حرية الإعلام: الوصول إلى المعلومات واستخدام حرية الإعلام لاستقطاب الرأي". وقد نادى المشاركون في الحوار بتطبيق أفضل لقوانين حرية الإعلام في باكستان لتعزيز الشفافية والمساءلة الحكومية. كما هيمن الجدل الملتهب حول الأمن الوطني والخيانة على ردود الفعل حيال ويكيليكس. ومع ذلك فالمسألة ليست حكراً على باكستان، بل يتعين على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، اعتبار هذه لحظة لاستخلاص الدروس والعبر من واقعة ويكيليكس والتعلّم منها.
وتعيد واقعة ويكيليكس مجدداً طرح دور الصحافة في السياسة العامة بقدر ما أثارت من أسئلة وإحراجات بشأن علاقات الولايات المتحدة الخارجية ودبلوماسيتها. وكما أشار كثيرون، لو تم الكشف عن هذه المراسلات السريّة ونشرها من قبل الصحافة، وليس موقع تسريبات، لما رفع أحد صوته بتهم الخيانة. فالصحافة تحقيقاً لدورها الرقابي، مطلوب منها نشر الحقائق، بما في ذلك بعض ما قد ترى الحكومة إخفاءه عن الجمهور. ومن هذا المنطلق فإن الهجمات ضد ويكيليكس اعتبرت هجمات على حرية الصحافة نفسها. ولهذا السبب أرسل تسعة عشر أستاذاً من كلية الصحافة بجامعة كولومبيا رسالة مفتوحة إلى أوباما يطلبون منه عدم مقاضاة ويكيليكس.
وبينما هدأ الجدل حول البرقيات التي تم تسريبها، يُعرب المسؤولون الحكوميون، في أميركا، عن استعدادهم للاعتراف بأنه قد تكون هناك نتائج إيجابية لفضيحة ويكيليكس. فلدى الجمهور الأميركي الآن فهم أفضل لتعقيدات العلاقات الدولية، بعد أن وضع يديه على مؤشرات محددة حول مدى نشاط دبلوماسييه ومعرفتهم.
كما تملك الحكومة الأميركية الآن القوة الدافعة لتحسين أمنها الإلكتروني وبروتوكولات الوصول إلى المعلومات، وبالتالي مواكبة خطوات التقدم التكنولوجي في عصر الإنترنت. وقد يجعل ذلك المعلومات السرية أكثر أمناً في المستقبل.
وعلى هذا النسق نفسه، يتعين على المجتمع الدولي النظر بشكل مدروس إلى هذه التسريبات على أنها فرصة لتكرار التزام دولي جماعي بحرية الصحافة.
وقد جاء الإعلان الشهر الماضي، بأن واشنطن ستستضيف يوم حرية الصحافة العالمي عام 2011، الذي جاء في الوقت الذي تجري فيه وزارة العدل الأميركية عصفاً ذهنيّاً حول أساليب مقاضاة جوليان أسانج، مؤسس ويكيليكس، ليدفع العديد من المدوّنين الأميركيين لأن يتهموا حكومتهم بالنفاق. وقد استخدمت بعض الحكومات تاريخيّاً خطاباً مرتبطاً بالأمن القومي والمصالح الوطنية لمراقبة الصحافة. وبدلاً من ذلك، وفي صالح الشفافية والمساءلة، يتعين على الحكومات والمؤسسات الإعلامية أن تؤكد على حقائق معينة ضاعت في خضمّ الفوضى المحيطة بفضح الوثائق. فويكيليكس من حيث المبدأ لم يقم بتسريب البرقيات، وإنما قام ببساطة بنشر معلومات متسربة، وهذه ممارسة روتينية للصحفيين، وبالتالي ينبغي عدم تجريمها.
وإضافة إلى ذلك، فإن ويكيليكس اشترك في نشر البرقيات المتسربة مع صحف عريقة تتمتع بالاحترام مثل "نيويورك تايمز" و"الغارديان" و"دير شبيغل" و"لوموند". وقد ذكر سكوت شين، مراسل الأمن القومي في "نيويورك تايمز"، متحدثاً في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة، أن هذه الصحف قامت بغربلة أكثر من 250 ألف برقية بدقة متناهية واستشارت وزارة الخارجية الأميركية حول أيها سيتم نشره، وقامت بممارسة رقابة ذاتية على الأسماء والتفاصيل التي يمكن أن تعرض حياة الناس للخطر أو تدمّر اتفاقيات دبلوماسية، بل وعملت على تنقيح وإعادة صياغة تلك البرقيات التي يمكنها تهديد الأمن القومي فعليّاً. ولذا فإن الإفصاح عنها عمل يشهد بالمسؤولية والمهنية والأخلاقيات التي تتمتع بها الصحافة، حيث استهدفت الموازنة بين أولويات الأمن القومي وأساسياته، وحقوق المواطنين في معرفة ما تفعله حكومتهم.
وهذا الوجه الآخر لويكيليكس هو بالذات ما يتعين على الحكومات الأجنبية، مثل حكومة باكستان أن تعيه وتهتم به. ففي الإفصاح والمكاشفة يكمن درس مهم حول القيمة الحقيقية الجوهرية للصحافة في ضمان الشفافية والمساءلة وسياسة الحكومة المتماسكة.
ومن المفارقات المثيرة للسخرية أنه في الوقت الذي يرثي البعض فيه موت السرية في أعقاب ضربة ويكيليكس، انتشرت الأخبار في باكستان عن وجود "صندوق سري" قيمته سبعة ملايين دولار تحتفظ به وزارة الإعلام والبث الإذاعي. وعلى رغم أن الوزارة رفضت الإفصاح عن مجالات استخدام هذا الصندوق، إلا أن سياسيي المعارضة يدّعون أن الأموال تستخدم للتحكم في الرأي العام من خلال دفع أموال للصحفيين، وحسب كلمات "رياض بيرزادة" عضو "الرابطة الإسلامية" في الجمعية العمومية، فإن الغرض هو "شراء ضمائر وذمم" الشعب ومن يستطيعون خلق مشاكل للحكومة. ومن الواضح أن هناك ضرورة لأن تبرز شخصية مثل أسانج من وسط الجمهور الباكستاني لتشجيع حق المواطن في الحصول على المعلومات وتشجيع حرية الصحافة المحلية. والحقيقة هي أن حرية المعلومات تعمل على تحسين الحوكمة لأنها تجعل البيروقراطيات وصانعي السياسة أكثر شفافية وتبقي المسؤولين الحكوميين قيد المساءلة حول نشاطاتهم.
ويتعين على حكومة الولايات المتحدة وضع سابقة لثقافة وممارسة المكاشفة، وتعزيز دعمها لممارسات الحكم الرشيد في الديمقراطيات الصاعدة، وخاصة في باكستان، وأول سابقة مفيدة على هذا الطريق هي أن تضرب واشنطن صفحاً عن أية دعوات تطالبها بمقاضاة أسانج وويكيليكس.

ينشر بترتيب مع خدمة «كومون جراوند»

اقرأ أيضا