الاتحاد

فكر

هل تنبأ بورخس بالإنترنت؟

خورخه لويس بورخس

خورخه لويس بورخس

بخصوص الترجمة إلى العربية، يستحق الكاتب الأرجنتيني ''خورخه لويس بورخس'' 1899- 1986 اهتماماً أكبر· فعلى الرغم من تعدد الترجمات والكتب الصادرة في العربية لبورخس وعنه، مازلنا بانتظار ترجمة عربية شاملة لأعماله· فهذا الكاتب العبقري تُرجم مبكراً إلى اللغات الحية، والدراسات الآن عن قصصه تأخذ منحى جديداً· في أميركا اليوم، ثمة اهتمام خاص به؛ فالدراسات ترتقي به راهناً إلى أن يكون الإنسان الذي اكتشف الانترنت· على وجه التقريب، عاش بورخس الثلاثينات حتى الخمسينات من القرن المنصرم موظفاً ورئيساً في ''مكتبة بوينس أيريس''، وكل قصصه لم تُكتب تحت وطأة شغف بالتكنولوجيا، بل كان مفتوناً بالنُّصوص القديمة، والتراثات المتعدِّدة للحضارات المختلفة· ومع هذا جرى التمعُّن في بعض أفكاره حتى أوحت لبعض الباحثين بأنه كان أول من اكتشف فكرة ''المكتبة الشاملة''، وفكرة ''الموسوعة اللانهائية''، وفكرة ''الحياة كمدوّنة''، وفكرة ''أنْ لا شيء يذهب أدراج النسيان''·

الناقد والروائي المعروف أمبرتو إيكو وغيره من الباحثين نوّهوا ببورخس على أنه أول من تخيّل فكرة الانترنت (الشَّبكة العالمية)· كما صدر كتاب جديد في أميركا (في تشرين الأول 2007) لمؤلفته بيرلا ساسون ـ هنري، وعنوانه (بورخس 2,0: من النصّ إلى العوالم الفعلية) يقارب هذا الجانب من الموضوع· يستكشف هذا الكتاب الصلات بين ''موقع يوتيوب اللامركزي''، والمدوَّنات (البْلوغ أو سجل الشَّبكة) وموسوعة ويكيبيديا، وقصص بورخس· أي بين ما يسمى إنترنت 2,0 (ويب 2,0 هو مصطلح يشير إلى مجموعة من التكنولوجيات الجديدة والتطبيقات الشَّبكية التي أدت إلى تغيير سلوك الشَّبكة العالمية والانترنت·

يُعد كل ما هو جديد وشعبي على الشَّبكة العالمية جزءاً من الويب ·2,0 إنه يشير إلى شيء جديد عن الشَّبكة العالمية، وبذا يُفهَم عنوان كتاب بيرلا ساسون ـ هنري بورخس 2,0 بأنه شيء جديد عن بورخس) وقصص بورخس· تصف بيرلا ساسون ـ هنري، وهي أستاذة مساعدة في قسم دراسات اللغة في الأكاديمية البحرية في الولايات المتحدة ـ بورخس بأنه إنسان من ''العالم القديم برؤية مستقبلية''· وهنا يكمن فحوى كتابها الأساسي والفريد من نوعه· فهي تقارب هذه القصص البورخسية المكتوبة بعيداً عن أيّ هاجس تكنولوجي عبر مضاهاتها بآخر إنجازات عالم الانترنت والعلم الحاسوبي ظهرت قصص بورخس في الولايات المتحدة مبكراً· فمنذ بداية الأربعينات من القرن الماضي والأميركيون معنيون بنقل إبداع بورخس· في بداية الستينات، ظهرت قصة ''المتاهات''، وكذلك ''مكتبة بابل''، و''طولون، أكبر، أوربس تريتيوس''·
هذه القصص بعوالمها الغريبة فتنت الأميركيين؛ مكتبات لامحدودة، بشر ذوو ذاكرة عجيبة القوة، موسوعات متآزرة، وبوابات تُشرف على الكوكب برمته، هذه القصص ـ مع أخريات غيرها من مثل قصة ''ألف'' ـ أصبحت بمثابة مبدأ بالنسبة لأولئك الذين يعملون في منطقة تتقاطع فيها التكنولوجيا والأدب·
هنا، ولغرض الإيجاز، مقتطفات من قصص بورخس النبوئية وأمثلة من المتحقق من نبوءاته· وعسى أن يتاح الوقت الكافي لمعالجة أوسع·

نبوءة الموسوعة اللانهائية

يقول بورخس: ''من هم الذين اختلقوا طلون؟ ولا مناص من استخدام صيغة الجمع هنا لأن فرضية المبتكر الفرد فقدت مصداقيتها لدى العموم (لم يعد هناك لايبنز اللانهائي الذي يعمل متواضعاً في الظل)· من الواضح أن طلون هي من اختلاق جمعية سرية من فلكيين وأطباء ومهندسين ولاهوتيين وشعراء وكيميائيين وعلماء جبر وأخلاقيين ونقّاشين ومسّاحين قادهم رجل عبقري خافت الذكر· كثيرون هم الأفراد البارعون في مثل هذه المجالات، ولكن القادرين منهم على الابتكار ليسوا كذلك، وأقل من هؤلاء هم أولئك القادرون على إخضاع الابتكارات إلى خطة منهجية دقيقة· كانت مهمة اختلاق طلون هائلة بحيث تبدو مشاركة كل كاتب فيها شديدة الصغر''·

بدأ مشروع ''موسوعة شبكة الانترنت'' المسماة ''ويكيبيديا'' في العام ·2001 وهي تحتوي الآن على أكثر من تسعة ملايين مقالة تتوزَّع 250 لغة· وثمة أكثر من 75000 من المساهمين الناشطين في كتابة هذه الموسوعة وتحديثها، وأكثرهم مجهولون· وفي تطورها واتساعها وزيادة تأثيرها، يبقى منطق عملها لغزاً· والقول المفضّل بين المساهمين في موسوعة الويكيبيديا هو: ''إن مشكلة موسوعة الويكيبيديا هي أنها لا تتحقق إلاّ بالممارسة· فتحققها نظرياً ضرب من المستحيل''·

نبوءة الحياة مثل مدوَّنة Blog

يقول بورخس: ''لمرتين أو ثلاث، استطاع أن يعيد تكوين يوم بأكمله ولم يخطئ أو يتلعثم أبداً، ولكن في كل مرَّة من تلك المرات، كانت العملية تستغرق يوماً بأكمله· قال لي: ''أنا وحدي لدي من الذكريات أكثر مما للجنس البشري برمته منذ بداية التاريخ''· وقال أيضاً: ''أحلامي مثل ساعات صحو الناس''، وأضاف قبيل الفجر: ''إن ذاكرتي أيها السيد هي تلٍّ من القمامة''· (بورخس، فونيس الذكور)·
والآن، فإن المسار من ''المفكِّرة diary إلى ''المدوَّنة blog'' إلى ''المدوَّنة الصغرى microblog'' امتدّ إلى ''التدوين الحيّ المباشر life-logging''· فهو لا يسجّل أفكار المدوِّنين أو حتى أنشطتهم اليومية، بل هو يسجِّل ويحفظ كلّ ما يرونه، ويسمعونه، ويقولونه، ويقرأونه خلال اليوم·
وكان أول من تبنى هذه العملية مبكراً ''غوردون بيل'' البالغ من العمر 73 عاماً· فقد قام مبرمج الحاسوب المعروف هذا بحمل مسجّل صوتي وكاميرا صغيرة تلتقط صورة كلّ ستين ثانية· وقد وصفت ''شركة فاست'' في موجز سيرة غوردون بيل بأنه ''قلق من أن يمتلأ القرص الصلب الخاص به على نحو أسرع''· ولذا أضاف آ واحد (يساوي مليار بايت) من المعلومات كلّ شهر، وقال: إن معدل ما يحتاجه شخص في الثانية والسبعين من سعة التخزين هو 3 تيرابايت (يساوي تريليون بايت)، أي مقدار ضخم من سعة التخزين·

نبوءة لا شيء يلفُّه النسيان

يقول بورخس: ''صعقتني فكرة أن كل كلمة نطقتُ بها، وكل تعبير بدا على وجهي أو حركة قامت بها يدي، نقشت في ذاكرته الصخرية، وأربكني الخوف من أن أكون قد نطقتُ بتعابير ليس هناك ما يبررها''· (فونيس الذكور)
لقد مرّ زمن ظنّ فيه شاعر ما أن ''الثورة لا يمكن بثّها تلفزيونياً''· لكن اليوم، تُسجّل حتى اللقاءات غير الرسمية للسياسيين للأجيال القادمة· وقد تعلّم السيناتور جورج ألن من ولاية فرجينيا درساً من هذا القبيل في العام ،2006 وذلك حين أظهره شريط وهو ينادي مصور خصمه السياسي بـ''ماكاكا''؛ وهو تعبير مصطبغ بالعنصرية، فيه إشارة إلى الملوّنين· فقد انتشر هذا الشريط مثل الفايروس في الولايات المتحدة والعالم· فخسر على أثر ذلك حقّه في إعادة انتخابه·

نبوءة المكتبة الشاملة

يقول بورخس: ''يستدل من هاتين المقدمتين غير القابلتين للطعن أن المكتبة نهائية وأن رفوفها توثق كل التشكيلات الممكنة الناتجة عن تركيب هذه الرموز الإملائية (العدد الذي مهما تصاعد سيكون نهائياً بالتأكيد)· بكلمة أخرى، تحتوي المكتبة على تسجيل لكل ما يمكن التعبير عنه في اللغات بأسرها· كل شيء، التوثيق الدقيق لكل دقيقة من تاريخ المستقبل، تراجم الملائكة، الفهرست الحقيقي للمكتبة، آلاف الآلاف من الفهارس الزائفة، عرض لتزويرات الفهرست الأصلي، البشارة الغنوصية لباسيليوس، شرح للكتاب وشرح للشرح نفسه، القصة الحقيقية لموتك، ترجمة لكل كتاب إلى كل اللغات، تأويل كل كتاب في كل الكتب· حينما أعلن أن المكتبة تحتوي على كل الكتب عمَّت سعادة هائلة كأول ردّ فعل على ذلك· شعروا جميعاً أن لكل منهم كنزه الخاص الدفين الممهور باسمه· لم تكن هناك من مشكلة شخصية أو كونية لا يوجد لها العلاج الناجع في واحد من سداسيات المكتبة''· (مكتبة بابل)·

إن ما يعبّر عن ذلك هو مشروع تخزين كتب الجامعات رقمياً، إذ تمّ تخزين 1,5 مليون كتاب، والمزيد من الكتب تخزّن رقمياً كلَّ يوم· وأعلن ''راج ريدي''، أستاذ علم الحاسوب في جامعة ميلون غارني في أميركا، أن هذا المشروع يقرِّبنا من فكرة ''المكتبة الشاملة''، إذ يجعل كلّ الأعمال المطبوعة في متناول الجميع، في أي وقت، وفي أي لغة· بالنسبة للأخرين، يمثل الإنترنت نفسه ''المكتبة الشاملة''، إذ يمكن للقرّاء أن يبحثوا عن وصفات تحضير الطعام، والعلاج الطبي، ومحال البيع، وسوى ذلك·

اقرأ أيضا