صحيفة الاتحاد

دنيا

ابن البيطار رحالة العلماء وإمام الصيادلة

رسم تخيلي لـ «ابن البيطار«

رسم تخيلي لـ «ابن البيطار«

اعتبر مؤرخو العلوم في العالم ابن البيطار عالم عصره في علوم النبات ومجال العقاقير والصيدلاني الأول في تراكيب الدواء ورائد العلاج الكيميائي.

ويقول عنه الدكتور كارم غنيم- الأستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: هو ضياء الدين أبو محمد عبدالله أحمد المالقي النباتي الأندلسي ولقب بـ«المالقي» نسبة إلى مالقه بأسبانيا -وهي مدينة ساحلية أندلســية- ولد بها في عـــام 594هـ /1197م، ولقب بـ «النباتي» لأنه كان عالم عصره في علوم النبات، وينسب ضياء الدين إلى أسرة مشهورة في مالقه تعرف باسم «البيطار»، وربما يرجع هذا إلى اشتغالها بالبيطرة، خصوصا أن أباه كان بيطرياً حاذقاً. ودرس ابن البيطار علوم النبات في مطلع شبابه في إشبيلية على يد أبي العباس بن الرومية، وعبدالله بن صالح، وأبي الحجاج وكان ابن الرومية صاحب شهرة عظيمة في علم النبات فورث ابن البيطار هذه السمعة الجيدة عن أستاذه، بل إن صيته فاق أستاذه فيما بعد لموهبته ودأبه، وكثرة ترحاله إلى بلاد العالم الإسلامي وبلاد أخرى لدراسة أنواع النباتات.

رحلاته العلمية

دفعه اهتمامه الشديد بالنباتات والأعشاب إلى مغادرة مسقط رأسه مالقه، وهو ابن الثانية والعشرين، وقام برحلات علمية، طاف فيها بلاد شمال أفريقيا ومصر والشام وتركيا واليونان وإيطاليا وجمع النباتات ودرسها دراسة علمية. ويذكر المؤرخون أن ابن البيطار حين توجه إلى مصر وتعرف عليه السلطان الأيوبي «الملك الكامل»، أعجب به لعلمه الحاذق، فعينه رئيسا للعشابين. ولما غادر مصر وذهب إلى دمشق أكرمه ابن الملك الكامل، وهو الملك «الصالح نجم الدين»، وأتاح له الفرصة لدراسة نباتات سوريا ومن دمشق واصل ابن البيطار رحلاته إلى بقية بلاد العالم• وتأثر ابن البيطار بآراء أبقراط الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وقد استفاد من المنهج العلمي الذي اتبعه أبقراط، وكذلك كتاباته في علوم التشريح ووظائف الأعضاء، كما تأثر بديسقوريدس الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد، وترجم له كتاب «الحشائش»، وعلق عليه وقابل بين معلوماته ومعلومات جالينوس وعلماء العرب. كما تأثر بجالينوس الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد، وكتبه الكثيرة وكان جالينوس قد تأثر من قبل بأبقراط وشرح معظم كتبه. ومن أبرز إنجازات جالينوس، التي تأثر بها ابن البيطار، اهتمامه بإجراء التجارب وتحضير الأدوية بنفسه، كما تأثر بأبي حنيفة الدينوري الذي كان نباتياً ولغوياً، عاش في القرن الثالث الهجري. كما تأثر بابن سينا وخاصة بكتابيه «القانون»، و»الشفا». وكان ابن البيطار عالماً متواضعاً، لا هم له سوى البحث والتقصي والاشتغال بالجديد في مجال النباتات والعقاقير، ولم يكن متعصبا لقومية، فبحث في شتى النباتات العربية والأوروبية، على السواء.

عقلية علمية

تميز ابن البيطار بعقلية علمية فذة تؤمن بالتجربة، وتعتني بالمشاهدة والملاحظة، وقادرة على الاستنباط والاستنتاج وتتصف بالصدق والدقة والأمانة والنظر المتعمق في آثار السابقين، والفحص النزيه لإنتاج العلماء والباحثين. ويذكر أنه صحح ما رآه خطأ في كتب كل من ديسقوريدس، وجالينوس وأبقراط والغافقي وغيرهم، وعلق عليها وشرح الكثير من مستحضرات هؤلاء وغيرهم. وقال: يذهب الكثير من مؤرخي العلوم في العالم إلى أن ابن البيطار كان ذائع الصيت في القرون الوسطى، حتى أنه كان أعظم عالم في مجال النبات ومجال العقاقير، وأعظم صيدلاني منذ عصر ديسقوريدس حتى العصر الحديث، عصر النهضة الأوروبية وحتى فيما بعده إلى القرن الثاني عشر الميلادي. وقد استطاع جمع آلاف العينات النباتية ودرسها وتقصى آثارها العلاجية، وسجـل خصائصها والمواضع التي تنبت فيها، واسماءها في البلاد المختلفة وسلالاتها. وامتد نشاطه ليشمل العقاقير ذات الأصل الحيواني والعقاقير المعدنية المستخرجة من الخامات الطبيعية. كما كان رائداً للعلاج الكيميائي الذي استعمل فيه بذور الخلة مع ضوء الشمس لعلاج البهاق. وترك ابن البيطار تلاميذ كثيرين من أشهرهم ابن أبي أصيبعة، وإبراهيم بن موسى السويدي، ويوسف بن إسماعيل الكتبي البغدادي، وأبو المنى اليهودي.

موسوعة نباتية

وضع ابن البيطار عدداً من المؤلفات أشهرها الموسوعة النباتية المسماة «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية»، و«المغني في الأدوية المفردة»، و«الأقرباذين» ويحتوي على مجموعة من الأدوية، ووصف للعديد من النباتات والحيوانات والأحجار والمعادن التي لها خواص طبية، وقد وضعه وهو مقيم في مصر، وقسمه إلى أربعة أقسام. وترجمت عدة أجزاء من هذا الكتاب إلى اللاتينية في كل من البندقية 1598م وباريس1602م، وظهرت ترجمته الكاملة في شتوتجارت بألمانيا عام 1842م. وكتاب «الإبانة والإعلام بما في المنهاج من العلل والأوهام»، و«الصناعتين» في علم الطب البيطري، و«المغرب»، الذي وضعه وهو في مصر وضمنه 2330 فصلا عن الأطعمة والأدوية النباتية، وقد عثر فيه على 300 وصف لأدوية كانت مجهولة عند الذين تقدموه• ومن مؤلفاته ايضاً كتاب «شرح أدوية ديسقوريدس» و«الأفعال العجيبة والخواص الغريبة»، و«ميزان الطب». أما كتاب «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية» فهو قاموس موسوعي شامل يتألف من أربعة مجلدات تناول فيه «1400» دواء من أصول حيوانية ونباتية ومعدنية فيها «500» دواء جديد لم تعرف من قبله، رتبها ابن البيطار على حروف المعجم. وقد ترجم هذا الكتاب بعد القرون الوسطى إلى الفرنسية والألمانية ودرس بالجامعات الأوروبية. ويمثل كتاب «الجامع» ركناً أساسياً من أركان علوم الصيدلة الحديثة، ويعده المستشرق «رام لاندو» أهم كتاب في علم النبات خلال الفترة من ديسقوريدس إلى القرن السادس عشر الميلادي. وقد ذاع صيت هذا الكتاب وعلا شأنه ونشر في القاهرة في عام 1875م وتكررت طباعته بعد ذلك. كما جرى اختصاره والتعليق عليه وترجم إلى اللاتينية والتركية والألمانية والفرنسية. ويثبت مؤرخو العلم أنَّ الترجمة اللاتينية لهذا الكتاب تكررت 23 مرة ابتداء من القرن الخامس عشر الميلادي. وتوفي العالم الرحالة ابن البيطار في دمشق بسوريا عام 647 هـ /1249 م.