الاتحاد

دنيا

مَطاعيم الرِّيح

من الأشياء التي تثلج الفؤاد، وتسر القلب والعين، أن «مَطاعيم الرِّيح» في بلادنا ما زالوا بيننا، أياديهم الخيرة تحنو وتساعد المحتاجين، في هذه البلاد وغيرها، تغيث المنكوبين، على امتداد العالم، تطعم الجوعى، تمسح دمعة اليتيم، تفرج كربة المكروبين، لا تنتظر شكراً ولا ثناءً، وهؤلاء والحمد لله كثر ويعيشون بيننا، وبين ظهرانينا، وهؤلاء وإن نذروا أنفسهم لفعل الخيرات، فإنهم من أبناء أمة اعتادت فعل الخير، وهم ممن ينطبق عليهم المثل القائل «أقْرَى من مَطاعيم الرِّيح»، الذين أطعموا وكانوا مثلاً في الكرم وفعل الخير.. وقد قال ابن الأعرابي «أقْرَى من مَطاعيم الرِّيح» إنهم أربعة: أحدهم عمُّ أبي محجَن الثقفي، ولم يسمّ الباقين. وقيل: هم كنانة بن عبد الثقفي عم أبي محجن، ولبيد بن ربيعة وأبوه، كانوا إذا هبَّت الصَّبا أطعموا الناس، وخصُّوا الصَّبا لأنها لا تهبُّ إلا في جَدب.
قالت بنت لبيد:
إذا هبَّــتْ ريـــــاحُ بنــي عقيــــل ذكرنـــــا عنـــد هبَّتهـــا وليـــدا
أشــمَّ الأنــف أبيـــضَ عَبْشَــــميَّا أعـــان علــى مروءتـــــه لبيـــدا
والوليد هو ابن عقبة، وكان والياً على الكوفة، وعندما هبَّت ريح الصبا ذكَر الناس بفعل لبيد وأرسل إليه مساعدة من أجل ذلك.
وقَرى الضيف قِرّىًّ وقَراء: أضافَه.
واسْتَقْراني واقتراني وأَقْراني: طلب مني القِرى.
وإِنه لقَرِيٌّ للضيف، والأُنْثى قَرِيَّةٌ.
وكذلك إِنه لمِقْرىً للضيف ومِقْراءٌ، والأنثى مِقْراةٌ ومِقْراء.
وقال: إنه لمِقْراء للضيف وإنه لمِقْراء للأَضْياف، وإنه لقَرِيٌّ للضيف وإنها لقَرِيَّة للأضْياف. وقال الجوهري: قرَيت الضيف قِرًى، مثال قَلَيْتُه قِلًى، وقَراء: أحسنت إِليه، إِذا كسرت القاف قصرت، وإِذا فتحت مددت.
والمِقْراةُ: القصعة التي يُقْرى الضيف فيها.
وفي الصحاح: والمِقْرَى إِناء يُقْرَى فيه الضيف.
قال أبو العَيْنَاء: حصلت لي ضيقة شديدة، فكتمتها عن أصدقائي، فدخلت يوماً على يحيى بن أكتم، فقال: إن أمير المؤمنين جلس للمظالم، فهل لك في الحضور؟ قلت: نعم! فمضيتُ معه إلى دار أمير المؤمنين؛ فلما دخلنا عليه أجْلَسَه وأجلسني ثم قال: يا أبا العيناء، ما الذي جاء بك في هذه الساعة؟ فأنشدته:
لقد رجوتُــك دونَ النــاس كلَّهــم وللرجاء حقــــوقٌ كلُّهـــا تَـجــبُ
إن لم تَكُنْ ليَ أســبابٌ أعيـشُ بها ففي الَعُــلاَ لك أخــلاٌ هي السَّبَبُ
فقال: يا سلامة؛ انظر أي شيء في بيت مالنا دُون مالِ المسلمين؟ قال: بقية من مال! فادْفعْ إليه مائةَ ألف درهم، وابعثْ له مثلها في كلِّ شهرَ، فلما كان بعد أحد عشر شهراً مات المأمون؛ فبكى عليه أبو العيناء حتى تقرَّحت أجفانُه؛ فدخل عليه بعضُ أولاده، فقال: يا أبتاه! بعد ذهاب العين ماذا ينفعُ البكاء؟ فأنشد أبو العيناء يقول:
شيئان لو بكت الدمــــاءَ عليهمــا عينــاي حتـى يُؤذنــــا بذهــابِ
لم يبلغـــا المعشَـــارَ من حقَّيْهمــا فقـدُ الشــبابِ وفُرقَـةُ الأحبــابِ
يقول الفرزدق:
ألا أيّهَا السُّؤّالُ عَنْ جِلّــــةِ القـــِرَى وَعَنْ غالِبٍ، وَالقَبرُ من دونِ غالِبِ
لَقَدْ ضَمّــــتِ الأكفــانُ مــن آلِ دارِمٍ فتىً فايِضَ الكَفّينِ محْضَ الضّرَايبِ
فَمَنْ لِقِرَى المَقرُورِ في لَيلَـةِ الصـبَّا وَســاعٍ على آثـــارِ تِلْكَ النّوَايِــبِ
ويقول الرصافي:
ولا غرو إن أكرمتُم الضيف شـــيمةً توارثتُموها عن جُـدود لكـــــم غرِّ
ألستم من العرب الأُلى طار صيتُهم إلى حيثَ يَبقَى تحتــه طائرُ النسرِ
أعاريب نهّاضـون في طلــب العـُلا غطاريف سبّاقون في حلبة الفخرِ



إسماعيل ديب

اقرأ أيضا