الاتحاد

تقارير

جنوب السودان... طريق السلام عصي على الوسطاء

نازحون يحملون أغراضهم في منطقة «منكامين» كي ينتقلوا عبر نهر النيل بعيداً عن بؤر المواجهات العسكرية، خاصة في مدينة «بور» (أ.ف. ب)

نازحون يحملون أغراضهم في منطقة «منكامين» كي ينتقلوا عبر نهر النيل بعيداً عن بؤر المواجهات العسكرية، خاصة في مدينة «بور» (أ.ف. ب)

يحاول وسطاء أفارقة من أوغندا إلى كينيا- والكثير منهم ساعد على ولادة جنوب السودان وإنهاء أطول حرب أهلية في أفريقيا- وقف نزاع دموي يهدد بتمزيق دولة جديدة. فبعد شهر على اندلاعه، مازال القتال مستعراً في جنوب السودان، التي كانت تُعتبر ذات يوم قصة نجاح لسياسة الولايات المتحدة الخارجية.
كما تعثرت مفاوضات السلام في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا؛ ومن بين نقاط الخلاف الرئيسية مطالبة زعيم المتمردين «ريك مشار» لخصمه سلفا كير بالإفراج الفوري عن سجناء سياسيين، وهو ما يرفضه «كير».
واليوم، تبدو مهمة مساعدة هذه الدولة الفتية على الوقوف على قدميها من جديد صعبةً ومحبطةً على نحو متزايد؛ ذلك أن الوسطاء يواجهون أجندات متنافسة بين جيران لديهم مصلحة في النفط والتجارة؛ وصعود زعماء حرب محليين وانقسامات سياسية جديدة؛ وسجلاً من اتفاقات وقف إطلاق النار التي تعلن ثم تخرق؛ ونزوح مئات الآلاف من المدنيين وسط صراع قبلي.
وفي هذا السياق، أفادت بعض التقارير بأن الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني قام بإرسال قوات لدعم الرئيس «كير» وتعهد بأن دول شرق أفريقيا ستتعاون من أجل «هزم» مشار في حال لم يوافق على وقف إطلاق النار.
وفي الأثناء، اشتبكت قوات مشار المنشقة مع القوات الحكومية في محيط مدينة بور، التي يمكن أن تستعمل كمحطة لإطلاق زحف على العاصمة جوبا.
وعلاوة على ذلك، فإن الوفود التي ذهبت إلى إثيوبيا ممثلة لـ«كير» والمتمردين التابعين لمشار، والذين يصفهم «كير» بالانقلابيين، لم ينخرطوا في مفاوضات جادة، وهو ما يسبب إحباطاً للوسطاء الدوليين. وفي هذا الإطار، حذر وزير الخارجية الأميركي جون كيري زعماء جنوب السودان هذا الأسبوع من مغبة التعامل مع المفاوضات كـ«وسيلة للمماطلة» تسمح للفصائل المتناحرة بالسيطرة على أراض أو تحقيق تقدم استراتيجي.
وتعليقاً على هذا الموضوع، يقول المحلل «إيريك ريفز»، المتخصص في السودان، والذي يدرِّس بكلية «سميث كوليدج» في نورثهامبتون، بولاية ماساتشوسيتس: «لقد تطلب الوقت خمسة أيام حتى يصل هؤلاء الرجال إلى المرحلة التي يلتقي فيها بعضهم بعضاً، ولكننا لم نر أي مؤشر على التقدم، وعلى أن القتال سينتهي قريباً».
غير أنه مع استمرار المعارك بين فصائل الجيش المتنافسة التي تؤجج الانقسامات العرقية، وحصيلة رسمية بلغت ألف قتيل، هناك أسئلة بشأن من ينبغي أن يجلب الجانبين إلى طاولة المفاوضات.
البورفيسور محمود ممداني، الذي يقسم وقته بين جامعة كولومبيا وجامعة ماكيريري في أوغندا، يجادل بأن بعض التكتلات الإقليمية المؤثرة في شرق أفريقيا مثل «الهيئة الحكومية للتنمية»، وهي تكتل تجاري يضم ثمانية دول في شرق أفريقيا ويعرف اختصاراً بـ«إيجاد»، لم تكن وسيطة نزيهة في هذا النزاع.
ويقول ممداني في هذا الإطار إن «إيجاد» زادت الطين بلة من خلال دعوتها لطرفي النزاع إلى التفاوض، في الوقت الذي تدعم فيه صراحة فصيل (الرئيس) كير وتمده بالجنود، متى دعت الضرورة لذلك». وقد «تزعمت ذلك» أوغندا، التي أرسلت ربما المئات أو الآلاف من الجنود بشكل واضح لمساعدة مواطنيها.
ومن جانبه، قال أحد قادة المتمردين لوكالة «أسوشييتد برس» إن الطائرات العسكرية الأوغندية استهدفت جنوده. كما تم أيضاً تصوير شاحنات تنقل معدات عسكرية شمال أوغندا في اتجاه جنوب السودان.
ويرى الزعيم الأوغندي موسيفيني أن على مشار الشروع في التفاوض إذ قال في جوبا: «وإذا لم يفعل، فإننا سنذهب إليه جميعنا. وهذا ما اتفقنا عليه في نيروبي».
المؤرخ دوجلاس جونسون يقول إن فعالية «إيجاد» تتوقف على دعم لاعبين كبار مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج؛ ولكنه يشك في أن يكون لدى الوسطاء الدوليين تأثير كبير على مشار المعروف بتغيير تحالفاته.
وكان كير قد سحب السلطات السياسية من مشار في أبريل الماضي، عقب زيارة مهمة قام بها الرئيس السودانـي عمر البشير إلى جوبـا. فبعـد أن تخلـص من التهديـد فـي الشمال على ما يبدو ووافق على شروط لتصدير النفط، قام كير بإقالة حكومته بكاملها في يوليو الماضي. ومن بين الذين بقوا كان هناك زعماء حرب منافسون سابقون من فترة الحرب الأهلية.
وهذا الأسبوع عاد البشير ليتعهد بدعم كير بينما اقترح وزير خارجيته على ما يقال إرسال جنود لتأمين حقول النفط. غير أن قرار الاستعانة بعدو قديم وجلبه إلى البلاد من أجل حل نزاعاته الداخلية قوبل بالصدمة والتهكم من قبل البعض.
وفي هذا السياق، يقول المحلل المختص في جنوب السودان ألي فيرجي: «إن العدو التاريخي الأول بات اليوم حليف الملاذ الأخير»، في وقت يسعى فيه كير جاهدا لإنقاذ حكومته.
بيد أن الاختبـار الحقيقـي هو إصلاح نزاعين متوازيين في القيـادة والجيـش، إضافة إلى الانقسامات العرقية التي تم الكشف عنها في سكان منقسمين على نحو متزايد، حيث يختبئ نحو 60 ألف شخص في قواعد الأمم المتحدة، منقسمين وفق خطوط قبلية في الغالب.


هانا ماكنيش
نيروبي - كينيا


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا