الاتحاد

تقارير

اليمن: الأطفال على رأس ضحايا الثورة

كانت الطفلة "نزهة محمد" شاحبة وصامتة في حضن والدتها، لا تكاد تتحرك من شدة الضعف. وفي سن الشهرين، كانت نزهة واحدة من أصغر الأطفال المحتمين داخل مدرسة ثانوية لجأ إليها مئات اليمنيين هرباً من النزاع. ويقول والدها محمد يحيى في نبرة لا تخلو من حسرة: "ليس لدينا حليب لها".
والراهن أن الانتفاضة الشعبية في اليمن والأزمة السياسية التي أعقبتها، دفعتا البلاد إلى حافة حالة طوارئ إنسانية، حسب الأمم المتحدة ووكالات المساعدة. وقد كان الأطفال هم الأكثر تأثراً بالأزمة، ذلك أن سوء التغذية آخذ في الارتفاع، والأطفال باتوا، أكثر من أي وقت مضى، هم الأكثر عرضة لأمراض تهدد حياتهم. كما أنهم يُستعملون أحياناً كجنود من قبل الأطراف المتناحرة، حيث قتل عدد منهم في تبادل لإطلاق النار. وعلاوة على ذلك، فإن العديد من المدارس أغلقت أبوابها.
وفي هذا الإطار، يقول جيرت كابلير، مدير منظمة اليونيسيف في اليمن: "يمكن القول هنا بدون مبالغة إن الأطفال يتحملون العبء الأكبر في الوضع السياسي الحالي". ومن بين كل البلدان في العالم العربي التي شهدت تحولاً جراء الثورات الشعبية العام الماضي، يُعد اليمن حتى الآن هو الأفقر والأقل تنمية، ذلك أن البلاد لطالما ابتليت بالأزمات، من حرب أهلية في الشمال إلى حركة انفصالية وصراع في الجنوب. الأمر الذي حال دون قيام وكالات العون بتوفير مساعدة كافية للكثير من المناطق ما أغرق اليمنيين العاديين في دوامة حقيقية.
بل إن وضعهم ازداد سوءاً خلال العام الماضي، حسب موظفي منظمات الإغاثة، في وقت ظلت فيه حكومة الرئيس السابق صالح، التي كانت تفتقر إلى السيطرة على جزء كبير من البلاد على مدى سنوات، منشغلة بالسعي للبقاء في السلطة. كما تسببت النزاعات الجديدة، التي شملت حرباً مستعرة بين الحكومة وبعض المقاتلين الإسلاميين، في عرقلة الخدمات الأساسية، علماً بأن الماء والوقود وانقطاع التيار الكهربائي تؤثر على كل مناحي الحياة تقريباً، من عمليات المستشفيات إلى مهام الصرف الصحفي وجمع النفايات. كما أن أسعار المواد الغذائية في ارتفاع دائم، والخدمات الصحية شبه منهارة.
وفي دولة تقل فيها أعمار نصف السكان عن 18 عاماً، يخشى العديد من عمال المساعدات أن يمتد تأثير الأزمة السياسية والمشاكل التي تولدها إلى ما بعد هذا الجيل من الأطفال. وفي هذا السياق، يقول كابلير: "لقد تبددت مكتسبات التنمية. ويمكن القول إنها تراجعت إلى الوراء في بعض المناطق خمس إلى عشر سنوات"، مضيفاً: "اليوم، بتنا أشبه بكتيبة إطفائيين حيث نهب اليوم إلى إطفاء حريق من دون أن نكون متأكدين من أن النار لن تشتعل من جديد غداً. وبينما نرد على حريق ما، فإن ثمة ثلاثة حرائق أخرى تندلع في أماكن أخرى".
غير أن الفتيات بشكل خاص، ولاسيما في المناطق الريفية، يواجهن ظروفاً أصعب. فنظراً لارتفاع معدلات الفقر وزيادة نزوح السكان من منطقة إلى أخرى بسبب العنف، تضطر الكثيرات منهن اليوم إلى تحمل مزيد من المسؤوليات في بلاد تعرف أصلاً أدنى معدل لتسجيل الفتيات في المدارس في كل منطقة الشرق الأوسط. كما يشعر عمال المساعدات بالقلق بشأن نزوع العائلات بشكل متزايد إلى تزويج بناتها بهدف تخفيف الضغوط المالية.
كما أن العديد من الأطفال يواجهون أيضاً أعراض الصدمات الاجتماعية والنفسية، مثل الكوابيس المستمرة، التي يمكن أن تعيق نموهم، كما يقول خبراء منظمات إنسانية وعلماء نفس. وفي هذا الإطار، تقول صفاء علي، الناشطة في المجال الإنساني التي تعمل مع الأطفال ممن تعرضوا لصدمات نفسية، في تقرير نُشر على موقع اليونيسيف على الإنترنت: "كلما سمعوا هدير طائرة، ينتابهم الخوف ويفرون". وعلاوة على ذلك، وبالنظر إلى انقسام اليمن إلى عدد من مراكز السلطة، تضطر وكالات المساعدات إلى الحصول على موافقة ما قد يصل إلى 20 أو 30 شيخ قبيلة قبل أن تستطيع توفير الخدمات في منطقة واحدة.
وفي الشمال، الذي يعد واحدة من أكثر المناطق المدمَّرة في البلاد، يسيطر المتمردون الحوثيون الشيعة على ثلاث مديريات. ويشتهرون بارتيابهم في الغربيين، وفي هذا الإطار، يحكي "كابلير" حادثاً وقع العام الماضي رفض فيه زعماء حوثيون السماح بتطعيم أطفالهم لأن اللقاحات كانت مصنوعة في الولايات المتحدة ويقول إن مسؤولاً حوثيّاً خاطبه قائلاً: "من يدري؟ فربما تقومون بتسميم أطفالنا"، وهو ما اضطر اليونيسيف إلى جلب لقاحات مصنوعة في الهند.
وقد جاء عشرات الآلاف من اليمنيين إلى عدن بعد أن نزحوا عن مناطقهم بسبب القتال في محافظة أبين المجاورة، حيث تخوض الحكومة حرباً ضد مقاتلين مرتبطين بـ"القاعدة" بسطوا سيطرتهم على مناطق واسعة من المحافظة. وقد تم إيواء النازحين في نحو 60 مدرسة بهذه المدينة الساحلية الجنوبية، ولكن بالنسبة لعشرات الآلاف من الأطفال هنا، فإن ذلك يعني خسارة سنة دراسية كاملة -وكذلك الحال بالنسبة للأطفال في العاصمة صنعاء ومدن أخرى تهزها الاضطرابات السياسية.
وفي مدرسة لطفي الثانوية، تسكن 76 عائلة، تشمل 150 طفلاً، داخل فصول الدراسة، وذلك بمعدل ثلاث عائلات في الحجرة الواحدة أحياناً. وفي كثير من الأحيان، يُدفع الأولاد، الذين قد يصل عمر بعضهم إلى 8 سنوات، إلى غسل السيارات أو بيع وجبات خفيفة في الشوارع من أجل إعانة عائلاتهم.
ويقول يحيى، 31 عاماً، والد الطفلة "نزهة" ذات الشهرين التي تحتاج إلى الحليب: "إن أطفالي لا يستطيعون النوم". ويضيف يحيى، الذي فر مع أطفاله الأربعة من مدينة زنجبار، الواقعة على بعد نحو 35 ميلاً إلى الشمال، قائلاً: "إنني لا أعرف ماذا سيحدث لهم".
ومن جانبه، فر صالح ناصر نشير، 34 عاماً، من زنجبار في يوليو الماضي. وخلال الشهر المنقضي، أصيبت زوجته الحامل بنزيف، وعندما أخذها إلى المستشفى، قيل له إن ثمة نقصاً في الدم، وإن عليه أنه يدفع المال مقابل إمدادات من الدم أو أن يجد متبرعين بسرعة. فقام ببيع حصص غذائية منحتها إياه وكالة مساعدات محلية وعاد إلى المستشفى مسرعاً من أجل إنقاذ زوجته، "ولكن الجنين كان قد مات".

سودرسان راجفان - عدن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«لوس أنجلوس تايمز وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا