الاتحاد

الملحق الثقافي

حراك ثقافي نسوي في غزة رغم الحصار

من جلسات صالون نون

من جلسات صالون نون

عرفت الصالونات الأدبية النسائية منذ زمن بعيد، فقد كانت للمرأة المسلمة صالوناتها الثقافية كصالون عاتكة وأخواتها المسلمات، وقبل عقود اشتهر صالون مدام دي ستال بفرنسا، وفي فلسطين لا ينسى المثقفون والمثقفات الصالون الأدبي الذي كانت تقيمه مي زيادة، وتيمنا بصالونها جاءت فكرة أن يكون للنساء الفلسطينيات لقاء ينعقد في صالون نون كل يوم الثلاثاء· مؤسسة الصالون فتحية صرصور، وهي ناشطة في المجال الثقافي ومواظبة على حضور المؤتمرات واللقاءات الثقافية والأدبية وعضو في اتحاد الكتاب الفلسطينيين ومؤسسات ثقافية أخرى، تحدثت عن بداية الفكرة فقالت: بعد مضي ما يزيد على ثلاثة عقود عاشها المشهد الثقافي في جمود وتقوقع بفعل العزلة التي نحياها، حيث انقطعت الأواصر، وانفصمت عُرى التواصل بين الأدباء والأديبات في الداخل والخارج، وفي كثير من الأحيان بين الداخل والداخل، إضافة إلى العزلة الاجتماعية والاقتصادية حيث بات الفرد لا يفكر إلا في لقمة عيشه ومناهضة المحتل، فأصبحت الثقافة تحتل موقعا ثانويا بين أولوياتنا، كل هذا ونحن نأخذ دور المتفرج، أو المراقب بحسرة على أحسن تقدير· وبقراءة المشهد الثقافي في فلسطين عموما، لم نجد في هذا المشهد ما يرقى إلى فعل ثقافي يجمع المثقفين والمثقفات إلا ما ندر، من جلسة هنا ولقاء هناك ما بين وزارة الثقافة واتحاد الكتاب· وتضيف: وجدنا في أنفسنا حماسة لأن نؤسس صالونا أدبيا يهتم بالإبداع والمبدعات في فلسطين والخارج عربياً وعالمياً· وما بين الأمل والعمل اقتحمنا غمار التجربة يحدونا الأمل بأن نوفق في خدمة الأدب والأديبات، فجاءت الفكرة برؤية واعية مستنيرة في استبطان داخلي يفتش في روح المرأة وإحساسها عن مكامن الجمال والحرية والإشراق عبر الكلمة الأدبية الناضجة والمتمثلة للقيم الأخلاقية السامية فأخرجنا اللؤلؤة من أصدافها، وكان ميلاد الصالون في العام الثاني من الألفية الثالثة ليكون الأول في فلسطين، مستنيرات بالأفكار والرؤى البناءة لتكون عاملاً قوياً في إنجاح الصالون·
وتتابع: لقد بدأت الفكرة خلال لحظة صدق تم فيها قراءة المشهد الثقافي في فلسطين والنسوي منه على وجه الخصوص، فاجتمعت النية الصادقة مع العزم الأكيد، وخلال شهر كانت الترتيبات من عرض الفكرة على بعض المسؤولين والأدباء الذين وجدنا منهم الاستحسان والتشجيع فكانت الجلسة الأولى في 4 يونيو 2002م·
وتحدد فتحية صرصور الأهداف التي وضعها الصالون لمسيرته، بالقول: التركيز على الدور الفكري للمرأة، وخلق مناخ أدبي نسوي خاص، واستكشاف المواهب الأدبية النسوية ورعايتها، والتأكيد على حرية الكلمة ذات المدلول الأدبي النسائي، وتشجيع الكتابة بشقيها من المرأة وإليها، وتهيئة مناخ ثقافي وأدبي يتيح للمواهب المبدعة أن تتفتح وتنمو في جو من الحرية المسؤولة، والقيام بالنشاطات الأدبية والثقافية، المحلية والخارجية عن طريق اللقاءات وإلقاء المحاضرات والندوات، وفتح قنوات اتصال مع كاتبات عربيات وأجنبيات، وإصدار نشرات دورية وغير دورية للتعريف بنشاطات الصالون، وعرض لأهم الإبداعات، والتواصل مع الأديبات الفلسطينيات في الجزء المُقتطع من الوطن إثر نكبة عام 1948م·
بلا تمويل
وتنفي صرصور أن تكون هناك جهة تمول الصالون، ''فنحن نعمل بجهد ذاتي وتمويل شخصي، إلا أن محافظ غزة يفتح لنا قاعة السنابل بالمحافظة لنعقد فيها لقاءنا الرئيس، والاتحاد العام للمراكز الثقافية يفتح لنا قاعته لعقد اللقاء الثاني''· وتقول: إن الصالون غير قاصر على النساء بل إن عددا كبيرا من الحضور هم من الرجال، أما الفئات التي تحضر فهي في المقام الأول المثقفون من الأدباء والشعراء والكتاب والطلاب وأساتذة الجامعات والنخبة المتميزة من المبدعين والأكاديميين المتخصصين· ونحن نلقى من هذه الفئة المتميزة كل الدعم والتأييد، خاصة بعد أن سجل الصالون حضورا قويا في المشهد الثقافي، والجميع ينتظر موعد الجلسة بفارغ الصبر، لذا نعمل في كل الظروف ورغم كل الصعوبات، لأن صالون نون الأدبي هو المتنفس الثقافي الأول والوحيد في غزة·
وعن القضايا التي يناقشها الصالون تقول: الصالون يهتم بكل صاحبة قلم، ما كتبته المرأة، ونستمع في الاتجاه الموازي ـ ولا نقول المعاكس ـ نستمع لما كُتب فيها وعنها· وتواصل: تناولنا المرأة في الأدبين العربي والغربي، وفي مختلف العصور من ما قبل التاريخ: كالمرأة بالإلياذة والأوذيسة، والمرأة في القرآن الكريم والكتاب المقدس، كما أننا نواكب كل إبداع نسوي على الساحة الفلسطينية والعربية والعالمية·
أقلام جديدة
وعن رأيها في الأقلام النسائية عربيا وفلسطينيا في الوقت الحالي، توضح صرصور: في كل زمن ووقت تظهر الأقلام منها: السلسة الناجحة وعكس ذلك لكن البقاء دوما للأفضل، وكثير من الأقلام بدأت ضعيفة لكنها اجتهدت على نفسها فأصبحت مما يُشهد له، لذا علينا ألا نستهين بأي عمل ولابد أن نشجع وندعم، فقد يولد لدينا من تصبح ذات شأن كبير في عالم الأدب·
ونحن ندعم ونشجع كل قلم جديد ولدينا جلسة المنتصف تكاد تكون لاكتشاف المواهب الجديدة إضافة للتعاون البناء من الشعراء والشاعرات والأدباء الكبار الذين يوجهون الأقلام الشابة، ويتبنون رعايتهم· وعلى مستوى المؤسسات: يعتبر الصالون نواة لصالونات أخرى تم إنشاؤها في الوطن حيث افتتح بعد عامين صالون ثقافي في مدينة نابلس، وهنا ظهرت عدّة جماعات مؤسسية اهتمت بالثقافة، لم نكن في يوم من الأيام نرغب أن ننفرد في الساحة لذا تجدنا نشجع كل ما هو جديد يهدف لإثراء المشهد الثقافي، ولا نألو جهدا بالتعاون معها وحضور فعالياتها· وحول تكاليف هذا النشاط تؤكد صرصور: نحن نتكفل بمصاريف الصالون من حسابنا الخاص وبنفس راضية، لكن ما يحدّ من نشاطاتنا، ويجعلنا نشعر بأننا لا نقدم كل ما لدينا من عطاء هو عدم وجود مقر خاص بنا تجتمع به الأديبات والكاتبات يوميا، ونتمكن من خلاله من عقد ورشات عمل ودورات تدريبية للنهوض بمستوى الأقلام الشابة والتي تبدأ خطواتها الأولى على هذا الدرب، وبتوفر المقر ستزداد الخدمات التي نقدمها للشباب الواعد· ومن جانب آخر، تقدم في جلسات الصالون أوراق أدبية ونقدية قيمة جداً، تصلح أن تكون مادة دراسية، ويمكن من خلالها إفادة طلبة الجامعات والمثقفين والمهتمين، طبعنا عددا من الجلسات في الكتاب الأول للصالون ''محاضرات في أدب المرأة ـ من جلسات صالون نون الأدبي'' وطبع على نفقة محافظ غزة محمد القدوة، والآن لدينا عدد كبير من الجلسات التي يعتبر حجبها عن القراء حجب للفائدة، وبفعل الظرف القاسي الذي تحياه محافظة غزة لم نتمكن من توفير الدعم لإصدار الكتاب الثاني· وتوجه صرصور رسالة للأقلام والأصوات النسائية تقول فيها: الموهبة تصقل بالاطلاع والتواضع في أخذ العلم من أصحاب التجارب والخبرة، الابتعاد عن الغرور وتسخيف رأي الآخرين، فما من مبدع خرج للحياة بلا إعداد ودراسة، لا تستعجلوا الشهرة وسطوع النجم·
لقد نجحنا في إحداث حراك ثقافي فاعل، استطعنا أن نضيء شمعة لكثير من المبدعات ونكرمهن بمناقشة أعمالهن من قبل الصفوة الناقدة في غزة، أطلعنا المثقفين على بعض المبدعات اللاتي لم يكن يعرف عنهن شيء· ومع ذلك فإننا نطمح للتقدم وتطوير الصالون، لدينا أوراق عمل ومحاضرات قدمت في الصالون وهي غاية في القيمة وستحمل الفائدة للمثقفين وطلاب العلم إلا أن هذه المحاضرات تنتظر النشر عسى أن يكون قريبا

اقرأ أيضا