الاتحاد

دنيا

حياتي توسونر ينثر الألوان على وجه الماء

قبل ما يقرب من 1000 عام بدأ فن الأبرو Abr (الرسم على الماء) في تركيا والهند والصين حيث كانت آسيا الوسطى مركز الثقافة الإسلامية في مدن سمرقند وطشقند وبخارى. وليس هناك مكان محدد لنشأة فن الأبرو إلا أن تطور هذا الفن بدأ بعد انتقاله إلى تركيا كما يوضح فنان الأبرو التركي حياتي توسونر وأن هذا الفن استمر وتطور في اسطنبول بمساعدة من المتصوفة الذين عاشوا في بعض التكايا باسطنبول


مجدى عثمان (القاهرة) - قال الفنان حياتي توسونر إنه قبل حوالي 500 عام نقل فن الأبرو إلى أوروبا عن طريق الرحالة والتجار الأوروبيين وعدد من الدبلوماسيين الأجانب إلا أن أكثر من 80 في المائة من فناني الأبرو والمهتمين به يعيشون في تركيا والباقون منتشرون في مدن العالم، وأن هذا الفن له تقنيات قديمة ومعروفة لدى الأتراك وهي ذات التقنيات التي تستخدمها أوروبا من دون تجديد حيث لم يستطيعوا تطويره بل استخدموه كخلفية جمالية فقط. ويركز الإسبان على أحد أنواع الأبرو في حين انه من الأشكال المعروفة في تركيا بالأبرو «المموج» نسبة إلى موج البحر وفي أميركا وفرنسا يستخدمون لوحات الأبرو كخلفيات لبعض المطبوعات.

الأدوات المستخدمة
قال حياتي إن أوروبا تنتج الأدوات المستخدمة في فن الأبرو بنفس الطريقة التركية إلا أنه من خلال التجارب تمكن الفنانون الأتراك من استعمال الأحجار الترابية الملونة «الأكاسيد» بعد تكريرها وتطهيرها ثم أضافوا إليها
الـ»أوت» بمعنى المرارة الحيوانية خاصة مرارة الأبقار.
وأوضح أن أدوات الأبرو ليست كثيرة فهي فرشاة من شعر ذيل الحصان، والقصب التقليدي المصنوع من خشب الورد وهما من الخامات السهلة التنظيف عقب الاستخدام مع سهولة حركتها أثناء الرش على سطح الماء، كما يوجد في الصين نفس الأنواع تقريباً ولكنها ثقيلة الوزن ويضاف إلى الأكاسيد اللونية الماء حيث إن علاقة الماء بالأبرو شديدة الالتصاق وهو ليس الماء العادي حيث تضاف إليه مادة
الـ»قدرة» التي تزيد من كثافته وتجعله مثل الزيت وهي مادة زيتية تستخرج من جذور النبات. وأضاف أنهم الآن في تركيا بفضل بعض الأساليب الجديدة والاهتمام ببعض التقنيات أمكن استخدام فن الابرو في الكتابة بالحروف وتزيين الكتابة ولكثرة أساليبه وأشكاله فإنه يستخدم في مجالات كثيرة مثل تطبيقه على القماش والزجاج والخشب.
وقال حياتي إن فن الأبرو تركي بمعنى الرسم بالماء أو تزيين الأوراق على الماء وكلمة «إبرو» فارسية بمعنى السحاب أو العيون أو حاجب العين وأيضا وجه الماء حيث إن أشكال الابرو تشبه الغيوم والسحاب، ويمكن أن يطلق على أعمال الأبرو «الورق المجذع» لما له من شبه بأشكال الرخام، مشيراً إلى أنه فن تقليدي من ناحية الأدوات التي تستخدم في أعماله مثل الألوان الطبيعية التي تستخرج من الأحجار الترابية والتي هي أرخص ثمناً واجمل أداءً ومع التطور والتجريب المستمرين تغيرت الخامات.

تزيين الخط
أوضح حياتي أنه بالرغم من فارسية كلمة «أبرو» فإنه لا يوجد في إيران مثل هذا الفن وإنما جاءت تسميته من اللغة التركية نفسها التي تختلط فيها بعض الكلمات الفارسية مع البعض الآخر من اللغة العربية، مؤكداً أن فن الخط العربي فن رئيسي، وأن التزيين والتذهيب والزخرفة وفن الأبرو من الفنون المتممة له إلا أن فن الأبرو له قابلية شديدة للتطور والانتشار حيث يمكن تطبيق الرسوم في كافة أشكالها وبالألوان والأساليب المختلفة. وفن الأبرو مازال في بداية مسيرته لأن قابليته أكبر من أن تستوعبها الفترة الحالية في ظل عدم تطور الفنانين بالقدر الكافي وكيفية تعاملهم على سطح الماء خاصة وأن الماضي شهد «الأبرو» كمهنة وليس فنا قائما بذاته فقد كانت وظيفته إتمام تزيين الخط العربي خاصة في المصحف الشريف.
واعتبر حياتي السنوات الأخيرة هي العصر الذهبي لفن الأبرو حيث إن كل المحافظات التركية خاصة اسطنبول بها أكثر من 40 مؤسسة أو مركزا تدرب في دوراته على هذا الفن مع أنواع الخط العربي المختلفة إضافة إلى معاهد أخرى تابعة للبلدية وكليات الفنون والمؤسسات الأهلية التي تدعم التراث الفني التقليدي أو الديني القديم والذي يتضمن فن الأبرو الذي أصبح فناً مستقلاً في مجال الرسوم والكتابة.
وعن الخط العربي ولماذا لم يترك من دون تزيين لما فيه من جماليات تشكيلية، قال حياتي إن هذه مشكلة بين الخطاطين والفنانين من المجددين والمحافظين فالبعض يقول إنك إذا لم تتبع الأسلوب القديم لفن الأبرو فأنت فقط ترسم على الماء، ويعتقد أن ذلك إنما ينتج ورقاً ملوناً فقط وليس لوحة من فن الأبرو وأن هذه الملاحظات أو إذا شئنا المشاجرات تستمر بلا توقف ومن الواجب إضافة الجديد الذي بدوره إذا ما رفض فسوف يموت بعد قليل من تلقاء نفسه باعتباره بدعة دخيلة لا تفيد في عملية تطويره ومن تلك الفرضية يلاحظ الإقبال على الإضافات الجديدة للأبرو.

زهرة التيوليب
قال حياتي إن فن الابرو كان في الفترات الماضية خلفية تزيينية فقط ثم أضيفت إليه أشكال جديدة مثل زهرة التيوليب أو «اللالا» باللغة التركية حتى أصبح الشكل الأساسي في فن الابرو لدى الأتراك بالرغم من أن بدايات الأبرو لم يظهر فيها هذا الشكل الذي اعتبر بدعة كما أن بعض الفنانين يضيف تبعا لقدرته حسب الطلب أو المذاق أو الأسلوب الفني إذا أريد استعمال الخط العربي أو اللاتيني مع الرسم.
وأوضح حياتي أن الأبرو ليس فقط فناً أو مهنة وإنما هو فلسفة خاصة حيث بدأ تطوره في التكايا التي يهتم القائمون عليها بالقرآن الكريم وبالتالي بالخط العربي وتزيينه، ويقول «أناس التكايا يشتغلون بالأبرو بسبب الابتعاد عن الحياة فما بداخل «حوض» الماء الذي يرسمون فوقه يمثل فكرة العالم حيث نتحرك ونضيف ثم نتحرك مع بعضنا البعض في تغير دائم للأشكال التي تتأثر بالحرارة كما أن أسلوب الرش نفسه يتأثر بعوامل مختلفة حيث لا نعلم في أي نقطة أو أي مكان تسقط الألوان ولا نستطيع أن نتحكم في الأماكن التي تسقط النقاط عليها أو في أي حجم يتم انتشارها.
وأضاف أشكال الأبرو دائما دائرية أو بيضاوية أو منحنية بمعنى أنها ليست حادة مثل طباع بعض الناس، ففنان الأبرو يحب التعامل المرن، وكذلك الأشكال الدائرية تمثل المرونة أو المسامحة، وفي الوقت نفسه تمثل العالم لأن شكل الأرض والشمس والقمر وشكل الذرة هو نفس الشكل الدائري بمعنى اللا منتهي، وكذلك تجري الأمور على سطح الماء. واعتبر أنها فلسفته الخاصة في فن الأبرو، وفي تركيا استخدمت الموسيقى في مجال العلاج النفسي، وأيضا فن الابرو يمكن استخدامه في معالجة النفس، حيث يبعد الإنسان عن صعوبة الحياة بالتركيز على رقص الألوان على سطح الماء.


كادر

الفنان حياتي توسونر ولد في محافظة قايسري في وسط تركيا، قبل 40 عاماً وتخرج في كلية الإلهيات، التي تشابه كلية الفقه وعلوم الدين بالأزهر، حيث درس علم النفس والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم المعرفة، ومقارنة الأديان. وأشار إلى أن كلية الشريعة أو كلية الدين كانت تدرس بعض المواد الاختيارية مثل الموسيقى، والتذهيب والأبرو والخط العربي والرياضة، مؤكداً أهمية مثل تلك المواد تحت سقف كلية الدين، وتمنى أن تكون هذه الفنون في كلية الشريعة وأصول الدين بالأزهر. وأقيم حياتي حالياً بالقاهرة حيث يرغب في نشر فن الأبرو في مصر حيث يقوم بتدريسه في المركز الثقافي التركي وفي مؤسسة الحلقة الخيرية في حي الحسين.

اقرأ أيضا