يشهد التاريخ على ارتباط الحضارة بالفلسفة وتراجعها بتراجع الفلسفة، ولهذا رأى ديكارت- في كتابه «مبادئ الفلسفة»- أن «كل أمة إنما يعظم نصيبُها من التمدن والتهذيب بعظم نصيبِها من حسن تفلسف الناس فيها»، وأن «أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحَه فلاسفةً حقيقيين». ولقد كانت الفلسفة في اقترانها بالحضارات وليدة روح عصرها؛ إذ كان لكل عصر أسئلته الكبرى التي ُتركت للفيلسوف كي يجيب عنها، ومعنى هذا أن الواقع بكل أبعاده المعرفية والعلمية ونتاجاته الثقافية في حضارة ما، كان يثير دائماً التساؤلات التي تستدعي مهمة التفلسف، وبذلك فإن الفلسفة تبدو كحركة للوعي أو العقل النقدي الذي يطور نفسه باستمرار في ضوء ما يطرحه ويفرزه الواقع من تساؤلات. الفلسفة تقف وراء كل تطور في مجال العلوم الإنسانية، ومن ثم وراء الفكر والثقافة في مجتمع ما. ولهذا نجد الجامعات في العالم المتحضر حافلة بأقسام الفلسفة، بل بكليات خاصة بالفلسفة. كما أننا نجدها حاضرة في سائر تخصصات العلوم الإنسانية، وحتى في تخصصات العلوم الطبيعية. حالة بؤس إذا ألقينا نظرة الآن على وضع الفلسفة في عالمنا العربي، سنجد حالة عجيبة من الازدواجية: اعتراف بالفلسفة كاسم يتباهى به المسؤولون في خطاباتِهم من خلال إلصاق كلمة الفلسفة بكل عمل أو مشروع، كبر حجمه أو صغر، كأن يقال: فلسفة الثورة، أو فلسفة الإدارة، أو فلسفة المشروع الفلاني؛ أما على المستوى العملي أو الواقعي، فإن الفلسفة لا تلقى سوى الازدراء كما يظهر في الأقوال الشائعة في المجادلات والمحادثات اليومية، من قبيل: «بلاش فلسفة» (بالعامية المصرية)، أي تكلم من دون فلسفة؛ أو السخرية من الشخص الذي يتكلم كلاماً جاداً بالقول: «إنه يتفلسف»، بمعنى أنه يقول كلاماً لا جدوى منه. هذه هي الصورة السائدة عن الفلسفة في ثقافتنا العربية الراهنة بوجه عام؛ فالفلسفة لا جدوى من ورائها، ولا فائدة منها في الواقع، ولا مانع- برغم ذلك- أن نتشدق باسمها في المحافل والمكلمات! وقد ترتب على ذلك طرد الفلسفة من أكثر الجامعات العربية؛ إذ يمكن القول - على وجه العموم - بأن الفلسفة لا تحظى بالحضور اللائق بها في الجامعات العربية. ففي معظم الجامعات الخليجية أغلقت أقسام الفلسفة أبوابها كأقسام قائمة بذاتها، ولا يُسمح بوجودها أصلًا في الجامعات السعودية. وربما يكون وضع الفلسفة في الكويت استثناءً في هذا المشهد الخليجي؛ لأن هناك قسماً علميّاً مستقراً منذ إنشائه في فترة مبكرة نسبيّاً. ومع ذلك، فإن حضور هذا القسم وتأثيره في الواقع الثقافي لم يعد مثلما كان فيما مضى، وهذا يمكن أن يؤدي مستقبلاً إلى ضعف جاذبية الدراسة الفلسفية فيه، وقلة الإقبال عليها أو الاهتمام بها. وعلى الرغم من أن الفلسفة تحظى باهتمام بالغ على مستوى الدرس الجامعي في جامعات مصر الحكومية المنتشرة في كل ربوعها؛ فإننا نلاحظ تدهورًا شديدًا في مستوى الباحثين والخريجين من دارسي الفلسفة يحول دون أن يكون للفلسفة دور فاعل في بنية الثقافة، بعد أن كانت الجامعات المصرية (على قلتها فيما مضى) تحفل بأسماء بارزة من الأساتذة الكبار في مجال الفلسفة، ممن أسهموا في إثراء الثقافة والفكر، ليس فحسب في مصر، وإنما أيضًا في العالم العربي. وبوسعنا القول إن الفلسفة الآن توجد على استحياء في المغرب العربي... فهناك حركة ترجمة أو نقل مواكبة لتطور نظريات واتجاهات الفلسفة في أوروبا بوجه خاص، وقد انعكس ذلك في كثير من المؤلفات الرصينة في مجال الفكر والثقافة بوجه عام. وهذا من شأنه أن يمهد لقيام نقلة إبداعية في مجال الفلسفة، ومن ثم في المجال الواسع للفكر والثقافة. وعلى هذا يمكن القول بأننا إذا استثنينا المغرب وتونس بوجه خاص، فإن حالة الفلسفة في عالمنا العربي تتراوح بين الغياب التام والتدهور النسبي. ويمكننا الآن أن نتساءل عن أسباب ذلك كله. احتقار العلم النظري لو أردنا توصيف الوضع القائم للعلوم الإنسانية في أكثر الجامعات العربية لقلنا، إن السمة الغالبة على هذا الوضع هي تدني مكانة هذه العلوم بالقياس إلى العلوم الطبيعية والرياضية والعلوم التي تكفل المعارف التقنية: فالعلم الجدير باسم العلم هو العلم الذي يُنتفع به، مع فهم الانتفاع هنا بالمعنى المادي البحت، أي بالمعنى الذي يكون به العلم ملبيًا لحاجات عملية مباشرة للمجتمع، ويكفل القدر من المعرفة الذي يكفي لتخريج موظفين (من أطباء ومهندسين وتقنيين) يطبقون ما تعلموه في مجالاتهم المهنية. وعلى هذا، فإن العلوم الإنسانية تأتي في مرتبة أدنى في سُلم العلوم، وتتراتب درجاتها الدنيا في هذا السلم تبعاً لمدى احتذائها للمعيار أو النموذج النفعي السالف في تصور العلم، أي بحسب قدرتها على تلبية حاجات المجتمع المادية والعملية المباشرة. وكان من الطبيعي أن تنعكس تلك النظرة على رؤية العلوم الإنسانية لنفسها، وكان هذا هو أحد الأسباب الجوهرية لانفصال العلوم الإنسانية عن الفلسفة، أو سعيها للاستغناء عنها وعدم الرغبة في الاعتراف بدورها الجوهري بالنسبة لها؛ ومن ثم المساهمة في تكريس تهميشها واغترابها. سوء فهم العلم واختزاله إن السؤال الذي تطرحه وتتوارى خلفه شتى المواقف السابقة الرافضة للفلسفة، هو سؤال يمكن صياغته ببساطة على النحو التالي: وما الحاجة إلى الفلسفة في عصر العلم والتكنولوجيا؟! ومن الواضح أن هذا السؤال ليس سؤالًا استفهاميًّا، بل سؤالًا استنكاريًّا يعكس موقفًا دوجماطيقياً يجهل معنى الفلسفة ودورها، ليس فقط بالنسبة للعلوم الإنسانية، وإنما أيضًا بالنسبة لثقافة المجتمع والأمة ككل. فإذا كانت ملامح هذا العصر تتحدد من خلال التطور الهائل المتسارع في العلم وتطبيقاته، فإن ملامح الأمم والشعوب في أي عصر من العصور- بما في ذلك عصرنا الحالي- تتحدد من خلال ثقافتها وروحها العامة التي تتشكل من خلال ما يسودها من فكر وفلسفة وفن ودين: فالعلم- على الأقل بمعناه البحت أو الدقيق- يسهم من خلال تطبيقاته في رفاهية الشعوب، وتحسين نوعية حياتها، ولكنه لا يخلق شخصيتها أو روحها العامة (حتى على فرض أن الشعوب هنا هي التي تصنع العلم وتطبيقاته). وحتى عندما يكون العلم متغلغلاً في حياة الناس، فإن هذا لا يكون راجعًا إلى العلم في حد ذاته، وإنما إلى موقف حضاري فكري أو إيديولوجي إزاء العلم والتفكير العلمي كأسلوب من أساليب الحياة والوجود. الجهل بدور الفلسفة نود الآن أن نتوقف عند بيان أهمية دور الفلسفة في مجال العلوم الإنسانية. ذلك أن الفلسفة ليست مجرد علم من العلوم الإنسانية، بل هي أساس تلك العلوم، بمعنى أنها تمد تلك العلوم بالأساس النظري اللازم لها، حتى إنه لا يمكن تصور إمكان قيام علم من هذه العلوم بمنأى عن الفلسفة، وبهذا المعنى فإن الفلسفة تعد بمثابة القاسم المشترك الأعظم في هذه العلوم جميعها: فلا يمكن تصور قيام علم النفس- على سبيل المثال- بمنأى عن النظريات الفلسفية في الإرادة، والخيال، والشعور، والإدراك الحسي، والإدراك الجمالي.. إلخ. ولا يمكن تصور إمكانية قيام حركة نقد أدبي (ومن ثم إثراء الإبداع الأدبي ذاته) من دون النظريات الجمالية الفلسفية. كذلك لا يمكن تصور إمكان قيام علم الاجتماع بمنأى عن النظرية الاجتماعية التي تتأثر حتمًا بالنظريات والمفاهيم الفلسفية، وهذا ما يُعرف بالأصول الفلسفية للنظرية الاجتماعية: فالتحولات الكبرى التي تطرأ على علم الاجتماع، هي في أساسها تحولات في الرؤى والنظريات الفلسفية التي تؤثر بصورة مباشرة على المفاهيم والنظريات الاجتماعية التي تعود لتؤثر بدورها على التطبيقات. وكما أن علم التاريخ لا يستغني عن فلسفة التاريخ والاتجاهات الفلسفية في تأويل النص التاريخي، كذلك فإن العلوم السياسية لا تستغني عن الفلسفة السياسية، بل إن السياسات العملية نفسها تكون غالبًا مدفوعة بالنظرية السياسية. أما في مجال علوم اللغات وآدابها، فإن دور الاتجاهات الفلسفية في دراسة اللغة والنص الأدبي، فضلًا عن الاتجاهات الجمالية اللازمة لدراسة النقد الأدبي- يكون دوراً أساسياً لا غنى عنه. وفي مجال العلوم التربوية يصبح دور الفلسفة أكثر إلحاحًا، خاصة في واقعنا التعليمي الذي تبدو فيه هذه العلوم مقطوعة الصلة بالفلسفة، رغم أنه لا يمكن تصور قيام أي تطور في هذه العلوم بمنأى عن الفلسفة، أو عن مناهج البحث والتعلم التي تنبع أساساً من رؤى فلسفية. على أن دور الفلسفة لا يقتصر على إمداد العلوم الإنسانية بالأساس النظري الضروري، فإن الاكتفاء بهذا التصور في فهمنا لدور الفلسفة سوف يكون فهماً ناقصاً ومبتوراً. والحقيقة أن هناك توجهاً فلسفياً متنامياً الآن نحو الاهتمام بالمشكلات والقضايا العملية التي يطرحها واقع الإنسان المعاصر، وهذا المجال الجديد من البحث هو ما يعرف باسم «الفلسفة التطبيقية « Applied Philosophy، وهو مجال يبرز فيه بوضوح طابع الدراسات البينية، ليس بين الفلسفة والعلوم الإنسانية فحسب، بل بين الفلسفة والعلوم الطبيعية أيضًا. ومن ذلك «فلسفة البيئة» التي تشمل علم أخلاق البيئة وعلم الجمال البيئي. ومن ذلك أيضاً «فلسفة الأخلاق التطبيقية» التي تعالج المشكلات الأخلاقية المعقدة التي أفرزتها الممارسات المهنية المعاصرة، وتشمل «علم أخلاق المهنة» و«علم أخلاق الطب» وأخلاقيات التكنولوجيا وأخلاقيات التجارة والمعاملات الاقتصادية...إلخ. ما الذي يترتب على كل هذا؟ الإرهاب بوصفه نتاجاً لغياب الفلسفة ولشيوع الفكر السلفي. وأعني بالفكر السلفي كل فكر يسعى إلى تأليه التراث دون تأويله وتجاوزه، أعني كل فكر يتخذ مرجعياته من نقطة معينة من الماضي. وأقول ببساطة أن شيوع هذا الفكر السلفي في واقعنا الثقافي العربي قد ترتبت عليه شيوع الإرهاب في حياتنا؛ فالإرهاب - في جذوره- ظاهرة فكرية، أعني تنبع من طريقة تفكيرنا، ومن ثم نظرتنا للحياة. أقول أن شيوع هذا الفكر السلفي يتناسب عكسيًّا مع شيوع التفلسف؛ فغياب التفلسف يعني غياب التفكير النقدي وثقافة الحوار، وغياب الوعي الذي يؤمن بتعدد التفسيرات، وبأن الوعي لا يمكن أن يدعي إمكانية بلوغ حقيقة واحدة باعتبارها حقيقة يقينية تعد هي المرجع لكل مواقفنا؛ ببساطة لأنه لا توجد «حقيقة في ذاتها»، وإنما توجد «حقيقة بالنسبة لنا»؛ لأن الحقيقة دائمًا نسبية، أي مرتبطة بسياق زماني تاريخي، ومن هنا تكون هناك دائماً إمكانية لتعدد التفسيرات. وعلى هذا، فإن غياب الفلسفة يؤدي إلى غياب الوعي ذاته، ومن ثم يؤدي إلى خلق بيئة حاضنة للإرهاب المرتبط بالفكر الواحد الذي لا يؤمن بالحوار ولا النقد ولا التساؤل.. فكر إيقاني دوجماطيقي. وتلك هي محنة حضارتنا بعد أن غاب عنها التأويل بوصفه مكونًا أساسيًّا في ثقافتنا. ذلك أن الإبداع لا يمكن أن يتحقق إذا ظل الماضي حاضراً فينا حضوراً راسخاً قوياً بكل لحظاته السكونية، وإذا لم تتحقق عملية تجاوز للتراث من خلال فلسفة تأويلية تضعه موضع الفحص والمراجعة والتساؤل بهدف الفهم. وإن اختلفنا حول أولويات الشروط المهيئة للإبداع وآليات كل منها، فلا أظن أننا يمكن أن نختلف على أن تأويل التراث - الذي هو من لوازم التفلسف- يعد شرطًا ضروريًا للإبداع، أو هو- بمعنى أدق- أحد الآليات الأساسية المهيئة للمناخ الثقافي اللازم للإبداع في أي أمة، وهو المسؤول عن تفشي كل فكر سلفي تكفيري؛ فهذا منبع الإرهاب الذي نعاني ويلاته. يتباهون بها.. ويزدرونها! إذا ألقينا نظرة الآن على وضع الفلسفة في عالمنا العربي، سنجد حالة عجيبة من الازدواجية: اعتراف بالفلسفة كاسم يتباهى به المسؤولون في خطاباتِهم من خلال إلصاق كلمة الفلسفة بكل عمل أو مشروع، كبر حجمه أو صغر، كأن يقال: فلسفة الثورة، أو فلسفة الإدارة، أو فلسفة المشروع الفلاني؛ أما على المستوى العملي أو الواقعي، فإن الفلسفة لا تلقى سوى الازدراء كما يظهر في الأقوال الشائعة في المجادلات والمحادثات اليومية، من قبيل: «بلاش فلسفة» (بالعامية المصرية)، أي تكلم بدون فلسفة؛ أو السخرية من الشخص الذي يتكلم كلاماً جاداً بالقول: «إنه يتفلسف»، بمعنى أنه يقول كلاماً لا جدوى منه. هذه هي الصورة السائدة عن الفلسفة في ثقافتنا العربية الراهنة بوجه عام؛ فالفلسفة لا جدوى من ورائها، ولا فائدة منها في الواقع، ولا مانع- برغم ذلك- أن نتشدق باسمها في المحافل والمكلمات!