صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

مقابسات شعرية بين «ضياء نامة» و«شاهنامة»

من الغرابة حقاً أن نكتشف أخيراً أن ملحمة «الشاهنامة» الفارسية الشهيرة لم يبتدعها الحكيم أبو القاسم الفردوسي وحده، بل أسهم فيها أكثر من 5 شعراء.. وهنا نسأل كيف حصل ذلك؟
جاء في المصادر التاريخية أن خسرو برويز الساماني قد أمر بجمع الأساطير الإيرانية في مطلع القرن الميلادي السابع وقبيل فتح المسلمين لبلاد فارس. وتم تدوينها في عهد حفيده يزدجر شهريار الذي حكم إيران خلال الفترة 632 ـ651م. في العصر الإسلامي وخلال الفترة من 120 إلى 150هـ تم تعريب الكتب التي تتطرق إلى سيرة ملوك إيران على يد معربين إيرانيين، أشهرهم ابن المقفع الذي قتل عام 142هـ وقد ترجم ابن المقفع سيرة ملوك إيران في كتاب عرف بـ»سير الملوك»، وقد فقدت هذه الترجمة فيما بعد كما هي حال الأصل الفارسي للكتاب. كما جاء ذلك في مقالة بعنوان «الشاهنامة» رائعة الفردوسي للباحث عبدالرحمن العلوي. إن أول شاهنامة ألفت من قبل أبي المؤيد البلخي الكاتب والشاعر المعروف كانت في مطلع القرن الرابع الهجري وقد عرفت هذه الشاهنامة بـ»شاهنامة المؤيدي» نسبة إلى اسمه، لكنها فقدت بعد القرن الهجري السادس. الشاهنامة الثانية التي ذكرت في الكتب هي التي ألفها الشاعر أبو علي محمد بن أحمد البلخي. الشاهنامة الثالثة ظهرت في مطلع القرن الرابع الهجري أيضاً وكانت لشاعر فارسي يدعى المسعودي المروزي وقد كانت تحظى بتقدير الإيرانيين، وأنهم كانوا يحفظون أبياتها ولم تصل إلى يد الباحثين الآن منها سوى 4 أبيات من بحر الهزج المسدس، وهو بحر فارسي في الشعر، وقد روي ذلك طاهر المقدسي في كتابه «البدء والتاريخ». الشاهنامة الرابعة هي تلك المعروفة بشاهنامة أبي منصوري والتي ألفت في منتصف القرن الرابع الهجري أيضاً بأمر من أبي منصور محمد بن عبدالرزاق قائد الجند في خراسان. الشاهنامة الخامسة هي التي ألفها شاعر من شعراء البلاط الساماني يدعى «الدقيقي»، حيث أنهى منها 990 بيتاً وقتل على يد غلام له، وذلك عام 368هـ وهو في عنفوان شبابه.
عصور خمسة
الشاهنامة السادسة هي شاهنامة الفردوسي (324 أو 329هـ) إلى (411 أو 416هـ)، أي 935 ـ 1020م في خراسان وعند تتبع «الشاهنامة» طوال تاريخ تأليفها يتضح ما يأتي أولاً أنها مرت في عصور خمسة للتأليف على يد خمسة شعراء وثانياً أن المؤلفين الذين تعاقبوا على إكمالها كانوا في القرن الرابع الهجري. من هذين الاستنتاجين يتضح لنا أن هناك رغبة ملحة ظهرت في القرن الرابع الهجري كانت تدعو إلى تسجيل سير ملوك بلاد فارسي شعراً. ولو اتفقنا مع جل الباحثين الذين يرون أن شاهنامة الفردوسي الأخيرة التي تجاوزت الـ60 ألف بيت من الشعر كانت تقف مع تمجيد الفرس وتحقير العرب لقلنا أن بلاد فارس في ذلك القرن ـ وأقصد القرن الرابع الهجري ـ كانت تحاول أن تجد هويتها عبر كتاب ملحمي ضخم، بما يعني أنها كانت تحاول أن تدافع عن ذاتها بعصبية واضحة، بما لا يمكن الأفكار أن ثمة قناعة متولدة على يد هؤلاء الشعراء، بل على يد حكام القرن الرابع الهجري بضرورة إعادة مجد الفرس الغابر الذي اندثر على يد الإسلام. كتبت الدراسات عن عدائية الفردوسي للعرب في شاهنامته من خلال اعتزازه بالماضي الفارسي. وربما يتساءل القارئ ما السبب الذي دعانا لأن نقدم لمقالتنا هذه عن تاريخ الشاهنامة «كتاب الملوك» الشعرية الفرسية؟ ولقلنا إن السبب والحافز هو ظهور ديوان شعري بعنوان «ضياء نامة» للشاعر السوري زهير ظاظا الذي صدر عن هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، والذي يمثل فكرة الكتابة الحرة بكل أبعادها كما «الشاهنامة»، التي لم تعد كتاباً قصصياً أو تاريخياً أو أدباً فحسب، بل هي جامعة لأبواب الفلسفة والأخلاق والحكمة والعقائد وغيرها، كما أنها لم تقف عند موضوع معين، ولم تتقيد بتصوير جانب واحد من جوانب الحياة، فهي تصور لنا التقاليد الفارسية كالزواج والوفاة والاحتفالات ومآدب الضيافة وآداب المعاشرة وآداب السفارة ومراسم الصيد والحروب ومعاملة الأسر وطريقة استخدام الأسلحة وأسلوب كتابة الرسائل والعلاقات بين الشعوب.
الحقبة الدامية
ولنر ما كتب على ظهر «ضياء نامة» للشاعر زهير ظاظا «هذا الديوان هو نافذة على الحقبة الدامية التي عاشها الشاعر مع أصدقائه في مراسلاته الشعرية التي رافقت أحداث سقوط بغداد وحرب لبنان». وأضافت الخاتمة «وكان بين هذه الأصدقاء الأم الحانية والأب العطوف والجد الواجد والولد والبنت والأخت والأخ والصديقة والصديق والباحث والمؤرخ والمهندس والطبيب والأديبة الشاعرة والصحفية والكاتبة والعربي في مغربه ومشرقه ومهجره وغربته». الشاهنامة روت تاريخ الأفعال وصفاتها وضياء نامة سردت تاريخ الفاعلين وصفاتهم والعلاقة بهم. ومثلما نجد التمثل بملحمة الشاهنامة تسمية من قبل الشاعر زهير ظاظا وجدنا أن المتأثرين بالشاهنامة كثر ومنهم الشاعر الألماني هنري هافيه والشاعر الفرنسي فيكتور هيجو وقد قام الشاعر والكاتب الفرنسي لامارتين (1790 ـ 1869م) برشح قصة رستم إحدى قصص الشاهنامة، فيما اثني الشاعر الألماني غوته عليها بإعجاب. ديوان «ضياء نامة» ضم 223 قصيدة طرقت جميعها أغراض الشعر العربي كلها وخرجت بالشعر إلى أغراض أخرى لم نألفها من قبل، في 635 صفحة جالت أوجه الحياة وما يحصل فيها. ولم يسم زهير ظاظا مجموعته الشعرية «ضياء نامة» إلا «تقديراً لسيدة حملت اسم ضياء» وكان لها كما قال في مقدمة المجموعة الشعرية أكبر الأثر في حياته الشعرية وما تبادل معها من رسائل عبر الوراق عام 2006 عقب سقوط بغداد وأثناء حرب لبنان. من عمق المأساة بدأت المراسلات فأرخت ـ وهذا شأن الملاحم عادة ـ للتاريخ أولاً وللإنسان في هذا التاريخ المتحول فكتب أول قصائده بعنوان عقد آذار:
طائري الذي نشزا
لا يزال محتجزاً
في شباك منتنته
شفه الصبا فنزا
كلما مددت يداً
نحو جرحه نقزا
ثم تعاقبت القصائد «حنين» و»سوار» و»غناء الكروان» و»على قبة الكنزة 1 و2 و3» وقصائد أخرى كثيرة. وهذا في القسم الأول الذي لم يسمه الشاعر. بينما أطلق على القسم الثاني عنواناً هو «حرب لبنان» والقسم الثالث عنواناً هو «دوويك» والرابع «قصائد مترجمة» والخامس «سراة الوراق» والسادس هو «قصائد مختارة» والسابع «عودة إلى سراة الوراق» والثامن «قصائد مختارة 2».
تحولات «ضياء نامة»
يوحي العنوان أن «ضياء نامة» يقترب في تكوينه من الملحمة «الشاهنامة» ولو دققنا النظر في مكونات النصين لوجدنا فعلاً أن تحولات «ضياء نامة» بين أغراض الوصف والإخوانيات والألغاز والحكاية النثرية والقصائد الطويلة والأخرى القصيرة جداً «البيت الواحد والبيتين» وقصائد الشكر والسفارة والرثاء والبكاء والتهنئة على حدث ما والنصيحة ورد الجواب على الخطاب والرسالة الموجهة إلى البعيد وبطاقة العتب والوجد والجواب بعد العتاب والتهنئة بالمولود ووصف مقام النورس وصبوته وترنيمته وهبته ومراياه وفي تفصيل اليمامة رسولة المبتعدين وتعزية الذات والآخر، هو ما جاء في هذا الديوان الذي أبدع الشاعر في نجواه حين يقول:
سلكت مواجعي وحدي
وأنت سلكتها وحدك
وحين نظرت في وجدي
رأيت خلاله وجدك
نعم نثر الهوى عقدي
كما نثر الهوى عقدك
وهذا يتطابق إلى حد بعيد مع تعدد تناولات «الشاهنامة»، التي هي ليست كتاب قصة وتاريخ وأدب. في «ضياء نامة» نمط مختلف عن شعرنا العربي، يتشابه وإياه في الشكل، حيث لم تخرج قصائد ضياء نامة عن بحور الخليل بن أحمد أولاً ولا عن القصيدة العربية الكلاسيكية ثانياً، إلا أن الديوان بمجمله ومرفقاً لأغراضه خرج إلى أبنية غرضية أخرى، جمعت الأغراض الأساسية التي ظلت تتداول في كل العصور والأغراض المهملة التي ظهرت في عصر ما واختفت في الآخر اللاحق له. هل «ضياء نامة» تلخيص لرحلة الشعر العربي؟ سؤال مهم لا بد أن يستنتجه القارئ حين يقرأ هذا النص الشعري المتحول بين أغراض كثيرة وكأنه يتحول بين الأزمنة وما أفرزته. وكل ذلك نشهده في «الشاهنامة»، التي صورت التحول في البنى الاجتماعية، ولكن بشكل قصصي، بينما اتخذ زهير ظاظا الشكل الشعري للتحول.