الاتحاد

دنيا

حكايات من التراث

نذر عبدالمطلب بن هاشم أنه متى رزق عشرة أولاد ذكوراً، ورآهم بين يديه رجالاً، أن ينحر أحدهم عند الكعبة شكراً لربه!
فلما استكمل ولده العدد، وصاروا من أظهر العدد، قال لهم ''يا بني؛ كنت نذرت نذرا علمتموه قبل اليوم، فما تقولون؟
قالوا: الأمر لك وإليك· ونحن بين يديك! فقال: لينطلق كل واحد منكم إلى قدحه، وليكتب عليه اسمه، ففعلوا؛ ثم أتوه بالقداح فأخذها·
ثم دعا بالأمين الذي يضرب بالقداح، فدفع إليه قداحهم، وقال: حرك ولا تعجل''·
وكان أحب ولد عبدالمطلب إليه عبدالله، فضرب صاحب القداح السهم، فخرج على عبدالله؛ فأخذ عبدالمطلب الشفرة، وأتى بعبدالله وأضجعه بين إساف ونائلة·
وهمّ بذبحه، فوثب إليه ابنه أبوطالب، وكان أخاً لعبدالله من أبيه وأمه، وأمسك بيده عن أخيه·
فلما سمعت بنو مخزوم بذلك - وكانوا أخواله - وثبوا إلى عبدالمطلب، فقالوا: يا أبا الحارث، إنا لا نسلم إليك ابن أختنا للذبح، فاذبح من شئت من ولدك غيره!
فقال: ''إني نذرت نذراً، وقد خرج القدح، ولابد من ذبحه! قالوا: كلا! لا يكون ذلك أبداً، وفينا روح؛ وإنا لنفديه بجميع أموالنا من طارف وتالد''·
ثم وثب السادات من قريش إلى عبدالمطلب، فقالوا: يا أبا الحارث؛ إن هذا الذي عزمت عليه لعظيم، وإنك إن ذبحت ابنك لم تتهنأ بالعيش من بعده، ولكن تثبت حتى نصير معك إلى كاهنة بني سعد، فما أمرتك من شيء فامتثله·
فقال عبدالمطلب: لكم ذاك·
ثم خرج في جماعة من بني مخزوم نحو الشام إلى الكاهن؛ فلما دخلوا عليها أخبرها عبدالمطلب بما عزم عليه من ذبح ولده· فقالت الكاهنة: انصرفوا عني اليوم· فانصرفوا وعادوا من الغد، فقالت: كم دية الرجل عندكم؟ قالوا: عشر من الإبل·
قالت: فارجعوا إلى بلدكم، وقربوا هذا الغلام الذي عزمتم على ذبحه، وقدموا معه عشراً من الإبل، ثم اضربوا عليه وعلى الإبل القداح، فإن خرج القدح على الإبل فانحروها، وإن خرج على صاحبكم فزيدوا على الإبل عشراً عشراً حتى يرضى ربكم·
فانصرف القوم إلى مكة؛ وأقبلوا عليه يقولون: يا أبا الحارث؛ إن لك في إبراهيم أسوة حسنة؛ فقد علمت ما كان من عزمه على ذبح ابنه إسماعيل وأنت سيد ولد إسماعيل، فقدم مالك دون ولدك!
فلما أصبح عبدالمطلب قرّب عبدالله وعشراً من الإبل، ثم دعا بأمين القداح وجعل لابنه قدحاً، وقال: اضرب ولا تعجل، فخرج القدح على عبدالله، فجعلها عشرين، فضرب فخرج على عبدالله؛ فجعلها ثلاثين فضرب فخرج القدح على عبدالله؛ فجعلها أربعين،··· وكلما خرج القدح على ابنه زادها عشراً، حتى جعلها مائة، فضرب فخرج القدح على الإبل، فكبر عبدالله وكبرت قريش، وقالت: يا أبا الحارث؛ إنه قد رضي ربك، وقد نجا ابنك من الذبح·
فقال: لا والله حتى أضرب عليه ثلاثاً! فضرب الثانية فخرج على الإبل، فضرب الثالثة فخرج على الإبل، فعلم عبدالمطلب أنه قد بلغ رضا ربه في فداء ابنه·
فقربت الإبل، وهي مائة من جلة إبل عبدالمطلب، فنحرت كلها، فداء لعبدالله، وتركت في مواضعها، لا يصد عنها أحد ينتابها ممن دب ودرج، وانصرف عبدالمطلب بابنه عبدالله فرحاً·








الواحة


ذكاء وفراسة

روي أنه لما بنى الخليفة المهدي قصره ركب مع صحبه لمناظرة القصر فجأة، فوجد فيه شخصين، فقال لأحدهما من أنت؟ فجفل الرجل ولم يستطع الكلام، فقال له المهدي ألك حاجة؟ فاضطرب حتى قال: لا أدري! فقال المهدي: أخرجوه أخرج الله روحه! ثم قال لخادمه: اتبعه واعلم حرفته فإني أظنه حائك ثياب· وأقبل على الثاني فقال له ومن أنت: قال في ثبات: أنا رجل من أبناء دولتك·· ومن السعداء بدعوتك· قال المهدي: فما جاء بك الى هنا؟ قال: جئت أتمتع بالنظر الى هذا البناء، وأسأل الله أن يجعلك فيه أسعد السعداء، وأن يطيل لك البقاء، وأن يمتعك بدوام النعماء· قال الخليفة: أفلك حاجة؟ قال نعم، خطبت ابنة عمي فرفضني أبوها لفقري، والناس يرغبون في المال· قال: قد أمرت لك بخمسين ألف درهم· قال: يا أمير المؤمنين، قد وصلْت فأجزلت الصلة، ومننت فأعظمت المنّة، وإني لأسأل الله تعالى أن يجعل باقي عمرك أطول من ماضيه، وآخر أيامك خيراً من أوائلها، وأمتعك بما أنعم به عليك، وأمتع بك رعيتك· فأمر المهدي بتعجيل الصلة له وقال لأحد رجاله اسأل عن مهنته وإني أظنه كاتباً· وتبين أن فراسة الخليفة كانت صادقة في الاثنين جميعاً!






أشعب·· وأمه











وروى المدائني أيضا عن أشعب بن جبر أن رجلاً سأله قال:
يا أشعب، أرأيت في الناس من هو أكثر منك طمعاً؟
قال: بلى والله، إنها أمي·
قال: كيف؟
قال: لما اشتد بي الطمع أنفت من ذلك فتعلقت بأستار الكعبة وقلت: اللهم اذهب عني الحرص والبخل والطمع والطلب إلى الناس، وخرجت فمررت بالقرشيين وغيرهم، فما رأيت منهم واحداً يعطيني شيئاً، فانقلبت إلى البيت فقالت لي: مالك رجعت خائباً؟
قال: فقلت لها: إني دعوت الله أن يرفع عني البخل والطمع·
قالت: لا والله لا تدخل البيت حتى ترجع فتستقبل ربك مما دعوته إليه·
قال: فرجعت الى الكعبة وتعلقت بأستارها وقلت اللهم أقلني مما دعوتك·
قال: ثم عدت مارا بالقرشيين وغيرهم، فما منهم إلا وأعطاني شيئاً، حتى وهبني أحدهم غلاماً، فجمعت ما أخذت وكذلك الغلام وتوجهت إلى البيت فنظرت إليّ أمي متعجبة وقالت: ما هذا الغلام؟
قال: فخفت أن أخبرها بما حدث أن تموت فرحاً، فقلت لها: وهبوا لي·
قالت: أي شيء·
قال: غين·
قالت: أي شيء غين؟
قلت: لام·
قالت: أي شيء لام؟
قلت: ميم·
قالت: أي شيء ميم؟
قلت: غلام، فغشي عليها ولو لم أقطع الحروف لماتت فرحاً·






كلنا عشاق






لا تخــف ما فعلـــــــت بك الأشــــــواق واشرح هواك فكلنا عشــــــاق
قد كان يخفي الحـــب لولا دمعك الـ جاري ولولا قلبـــــك الخـــفـاق
فعسى يعينك من شكوت له الهوى في حمله فالعاشقون رفــــاق
لا تجـــزعــــنّ فلـــــست أول مغـــــــــرم فتكت به الوجنات والأحداق
واصبر على هجر الحبيب فربمــــا عاد الوصال وللهوى أخلاق
الشاب الظريف

إلى ظالمة

إني وهبت لظالمي ظلمـي وشكرت ذاك له على علمي
ورأيته أســـــدى إليَ يـــــداً لمـا أبــــــان بجهلــــه حلـمــــي
ما زال يظلمني وأرحمــــه حتى رثيتُ له من الظلــــــــم
محمود الوراق









مرويات














الصمت والخرس

وقف بشار بن برد في مجلس أحد الأمراء ينشد شعراً فبدأ بالغزل فقال:
لم يطل ليلي ولكــــن لم أنم ونفـى عــني الكــرى طيـــف ألم
وإذا قلت لها جــــــودي لـنـــا خرجت بالصمت عن لا ونعـــم
نفِّسي يا عبدُ عنّي واعْلمي أنني يـــا عبــــدُ مـن لحــــــــمٍ ودم
وكان مروان بن أبي حفصة موجوداً فأراد أن يعيب الشعر، فعندما قال بشار البيت الثاني، قال مروان: يا أبا معاذ هلا قلت بدلاً من قولك (خرجت بالصمت عن لا ونعم) (خرست بالصمت عن لا ونعم)؟ قال بشار في الحال: نعم، لو أني في مثل عقلك لقلت هذا· وإلا فكيف أتطير على من أحب بالخرس؟! فصفق الحاضرون·

الوفاء

فكيهة امرأة من قبيلة قيس بن ثعلبة ومن وفائها الذي جعل العرب يضربون المثل به، أن السليك بن السلكة كان قد أغار على قوم من عوارة - وهم بطن من بني مالك بن ضبيعة - فتصدوا له فلم يظفر منهم بطائل فأرادوا مطاردته، فقال لهم أحد شيوخهم: إن السليك إذا عدا لم يعلق به شيء، ولكن أمهلوه حتى يرد الماء، فإن شرب ثقل فلم يمكنه العدو وظفرتم به· فأمهلوه حتى ورد الماء وشرب كثيرا فثقل ثم بادروه فعلم أنه مأخوذ فخاتلهم وقصد لأدنى بيوتهم حتى ولج على امرأة منهم يقال لها فكيهة فاستجار بها فأجارته وجعلته تحت درعها واخترطت السيف وقامت به فكاثروها حتى كشف خمارها، فصاحت بإخوتها فجاءها عشرة منهم يحملون سيوفهم ودافعوا عنه حتى حموه ونجا من القتل فقال السليك في ذلك:
لعمر أبيـــك والأنبـــاء تنمــــي لنعم الجـــــار أخــــت بني عــــوارا
من الخفرات لم تفضح أباها ولم ترفــــــع لإخوتهــــــــا شنــــــــــارا
وما عجزت فكيهة يوم قامت بنصل السيف واستلبوا الخمارا

مسحل

قال جرير بن عبدالله البجلي: سافرت في الجاهلية فأقبلت على بعيري ليلة أريد أن أسقيه، فجعلت أريده على أن يتقدم، فوالله ما يتقدم، فتقدمت فدنوت من الماء وعقلته، ثم أتيت الماء فإذا قوم مشوهون عند الماء فقعدت·
فبينا أنا عندهم إذ أتاهم رجل أشد تشويهاً منهم فقالوا: هذا شاعرهم· فقالوا له: يا فلان؛ أنشد هذا فإنه ضف؛ فأنشد:
ودع هريرة إن الركــــب مرتحــل وهل تطيق وداعا أيها الرجل
فلا والله ما خرم منها بيتاً واحداً، حتى انتهى إلى هذا البيت:
تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل
فأعجب به· فقلت: من يقول هذه القصيدة؟ قال: أنا· قلت: لولا ما تقول لأخبرتك أن أعشى بني ثعلبة أنشدنيها عاماً أول بنجران· قال: فإنك صادق، أنا الذي ألقيتها على لسانه، وأنا مسحل صاحبه، ما ضاع شعر شاعر وضعه عند ميمون بن قيس!

ثلاثة أبيات
قال حسان بن ثابت:
إذا ما ترعرع فينا الغـلام فما إن يقال له: من هُوه؟
إذا لم يَسُدْ قبل شد الإزار فذلك فينــــا الذي لا هـوه
ولي صاحب من بني الشيصبان فطوْراً أقول وطوار هُوَهْ
ولهذا الشعر قصة طريفة رواها صاحب ''لسان العرب'' قال:
الشيصان، والبلأز، الجلأز، والجان، والقاز، والخيتعور: كلها من أسماء الشيطان· والشيصبان أبو حي من الجن· قال: وكانت السعلاة لقيت حسان بن ثابت في بعض أزقة المدينة، فصرعته وقعدت على صدره وقالت له: أنت الذي يأمل قومك أن تكون شاعرهم؟ فقال: نعم· قالت: والله لا ينجيك مني إلا أن تقول ثلاثة أبيات على روي واحد· فقال حسان هذه الأبيات· وفيها روايات أخرى·

اقرأ أيضا