صحيفة الاتحاد

دنيا

التكية السليمانية .. أروع عمارة عثمانية في دمشق

في وسط العاصمة السورية دمشق، وإلى الغرب من ساحة الشهداء (المرجة) تقوم أروع عمارة عثمانية إسلامية ذات طابع دمشقي هي التكية السليمانية التي بناها السلطان سليمان القانوني عام 1554م، لتمتد على مساحة أحد عشر ألف متر مربع في مشهدية معمارية تجمع بين السحر والألق والوداعة، تظلل أطرافها أشجار الصفصاف والصنوبر، ويجري بردى شمالها، بينما يحدها من الجنوب نهر بانياس أحد فروع بردى. ومنذ بنائها وحتى اليوم تعتبر التكية السليمانية من أهم العمارات الإسلامية وأجملها في حاضرة الأمويين. أقيمت التكية السليمانية في مكان قصر الظاهر بيبرس (قصر الأبلق) الذي هدمه تيمورلنك، وهي من تصميم المهندس المعماري العثماني الشهير سنان باشا، وأشرف على بنائها المهندس الدمشقي العطار. وتتألف التكية من عمارتين غربية وشرقية، وقد أقيمت الشرقية على الطراز العثماني الاستانبولي، أما العمارة الغربية فتضم التكية، وهي محاطة بسور له ثلاثة أبواب رئيسية وصحن سماوي فيه بركة ونافورة جميلة، بينما بلط الصحن بالحجارة البيضاء والسوداء. أما الأروقة فمسقوفة بقباب صغيرة، ووراءها قباب أكبر تسقف غرفاً كبيرة. أما مسجد التكية الرائع فيقع في الجهة الجنوبية منها، ويتميز بمئذنتيه النحيلتين الرشيقتين، وهما متساويتان في الارتفاع والشكل، ويمثلان طرازاً جديداً في المآذن لم يكن معروفاً في دمشق قبل بناء التكية. أما الجهة الشمالية فتتألف من غرف كبيرة مسقوفة بالقباب وترتكز على أعمدة حجرية داخلية، وفي التكية سوق تجاري يتألف من 22 حانوتاً لتوفير احتياجات الحجاج وهم في طريقهم إلى مكة المكرمة. ويتضح من أقسام التكية الإسلامية أن وظائفها تتحدد في إقامة الشعائر والعبادة وإيواء وإطعام المساكين والفقراء وأبناء السبيل وتعليمهم، وكذلك توفير الإقامة والاستراحة للحجيج المسلم القادم من تركيا وآسيا الوسطى وأوروبا في طريقهم للحجاز.
مسجد التكية
يطل حرم المسجد على صحن التكية المشترك، وهذا الحرم مربع الشكل طول ضلعه ستة عشر متراً، تغطيه قبة عالية ذات قطر واسع، ولها عنق يضم عدداً من النوافذ التي يغطيها الزجاج المعشق، وتحمل القبة أربعة أقواس محمولة على أركان الجدران، وفي زواياها مثلثات كروية. أما واجهات الحرم من الخارج فهي مؤلفة من مداميك من الحجر الأبيض والأسود بشكل متناوب، وينفتح الحرم على الصحن بباب رائع الزخرفة تعلوه مظلة ضخمة محمولة على أعمدة ذات تيجان مقرنصة ملساء، وهذه المظلة مؤلفة من ثلاث قباب. وفي جدران الحرم نوافذ مطلة على الحدائق، وقد صنعت من الزجاج المقسى والملون بزخارف عثمانية رائعة، كما يتميز محراب الحرم بزخارف من الفسيفساء الرخامية، أما المنبر فهو من الرخام الأبيض، وتزين جدران الحرم لوحات فسيفسائية ملونة. وإلى الشرق من التكية تقع المدرسة، وفيها بناء مستقل لمسجد آخر خاص بها، يمتاز بزخارفه الوفيرة ورشاقة بنائه، وجمال بابه ونوافذه. وتشكل المدرسة والسوق مجموعتين مستقلتين ضمن التكية، وتستعملان اليوم سوقاً للفنون اليدوية. وفي التكية كانت هناك مساكن مخصصة للدراويش، ولا تزال موجودة، لكنها لم تعد تستخدم للإيواء. وهي تتألف من رواق سقفه من القباب المحمولة على الأعمدة، وفيه غرف، كل غرفة منها مسقوفة بقبة، وفي كل جناح ست غرف مربعة الشكل، وهي مزينة بألواح القيشاني، وتشغلها في الوقت الحاضر ورشات أعمال الحرف اليدوية التقليدية.
روح حضارية
تعبّر مباني التكية السليمانية عن تراث وثقافة دمشق المتعددة، والتي تلونت بروح حضارية ومعمارية وثقافية إسلامية شرقية أصيلة. ولعل أروع ما يميز التكية هي الزخارف التي تعلو أبوابها ونوافذها أو التي تزين جدران المسجدين فيها من الداخل على شكل سجاجيد، وهذه الزخارف مؤلفة من ألواح خزفية صنعت كلها في دمشق على شكل كتابات قرآنية وزخارف نباتية، اكتست باللونين الأزرق والأخضر وبعض اللون الأحمر الرماني الذي تمتاز به ألواح الخزف الدمشقي. وإذا كانت التكية السليمانية تعد من أهم الآثار العثمانية في دمشق، فإن التأثيرات الشامية واضحة فيها، بحيث يمكن القول: إن هذه الآية المعمارية نجمت عن وشائج، مزجت بين الإبداع السوري والمعمار العثماني. شغل جانباً من التكية السليمانية في القرن العشرين المتحف الحربي السوري، لكنه نقل مؤخراً من التكية، تمهيداً لعملية ترميم وصيانة شاملة لأقسامها جميعاً، بحيث تتجدد وتصبح مقصداً سياحياً بارزاً، لاسيما أنها تقع قبالة المتحف الوطني السوري. وستقوم الحكومة التركية بتمويل هذه العملية بكلفة أولية قدرت بعشرين مليون دولار. بينما ستشرف وزارة الأوقاف السورية على الأماكن المخصصة للعبادة والشعائر الدينية.