الاتحاد

الاقتصادي

عصر النفط الرخيص·· ذهب مع الريح !

30 مليون برميل يومياً

30 مليون برميل يومياً

قبل أسبوعين من الآن اجتاز سعر النفط حاجز المائة دولار لفترة وجيزة ولأول مرة في التاريخ بدعم من بعض المضاربين في بورصة نيويورك قبل أن يتراجع السعر الى مستوياته التي تراوحت حول التسعين دولاراً للبرميل· ولكن عبور ذلك الحاجز بات يمثل إشارة بالغة الوضوح إلى أن عصر النفط الرخيص قد ولى بغير عودة ويثير العديد من التساؤلات بشأن التأثيرات التي سوف تتمخض عنها هذه الحقيقة على الاقتصاد العالمي· علماً أن آخر مرة وصل إليها سعر الذهب الأسود الى مستويات بهذا الارتفاع ، بعد إخضاعها لحسابات التضخم، تلك الأسعار التي نجمت عن صدمة السبعينيات النفطية التي أعقبتها سلسلة من حالات الركود واندفعت الحكومات في صياغة برامج طويلة المدى لترشيد الاستهلاك ثم انهمكت لاحقاً في إنفاق مليارات الدولارات في تكنولوجيات الطاقة البديلة· وتمثلت النتيجة النهائية في انخفاض عام في الطلب العالمي بعد أن تعلم العالم كيفية أداء المزيد من الأعمال بأقل قدر ممكن من الطاقة· وفي نهاية المطاف عادت الأسعار الى سيرتها الأولى بعد أن أفرج المزودون في منطقة الشرق الأوسط عن إمدادات إضافية في السوق وتم التوصل لاحقاً إلى عدد لا يستهان به من الاكتشافات الجديدة·
أما في هذه المرة فإن المسألة بالغة الاختلاف عوضاً عن كونها مشكلة تتعلق بالمعروض والإمدادات فإن مسيرة أسعار النفط الحالية أصبحت تمضي قدماً مدفوعة بالطلب المتنامي من العمالقة الجدد مثل الصين والهند، أي تلك الدول التي لا تكف عن النمو· ويصف جيم روجرز أحد أكبر المستثمرين في السلع قائلاً ''لقد دخل الى اللعبة أكثر من ثلاثة مليارات شخص جديد من القارة الآسيوية لم يكونوا ضمن قائمة اللاعبين قبل 30 عاماً من الآن عندما كانت السلع في قمة آخر ازدهار تشهده· وهذه المجتمعات لم تعد مجرد اقتصادات معيشية حيث باتوا يرغبون حالياً في محاكاة المعيشة الغربية''·

أسعار النفط

وربما يختلف الناس على المدى الذي سترتفع إليه أسعار النفط في المستقبل ، إلا أن من المؤكد أن هنالك منصة جديدة بالغة العلو قد تم توصيفها الآن بحيث تنطلق منها الأسعار مجدداً· لذا لم يكن من المستغرب أن تعمد مؤسسة ''جولدمان ساكس'' مؤخراً الى رفع سقف توقعاتها لأسعار النفط في فترة الاثني عشر شهراً القادمة الى مستوى 105 دولارات للبرميل، بينما ذكر إيان هندرسون رئيس إدارة الموارد الطبيعية في ''جيه بي مورجان'' أن السعر ربما يصل الى مستوى 110 دولارات للبرميل في الربع الأول من هذا العام· أما جيرارد ليونز كبير الاقتصاديين في ''ستاندرد تشارترد'' فيعتقد من جانبه أن الولايات المتحدة سوف تسقط في هوة الركود في هذا العام وبشكل سيترجم في انخفاض في السعر الى ما بين 70 و 80 دولاراً للبرميل بسبب تراجع الطلب· ولكنه يستدرك، مشيراً الى أن هذا الانخفاض ربما يستمر لفترة وجيزة قبل أن يستأنف السعر صعوده ليصل مرة أخرى الى مستوى 150 دولاراً للبرميل·
إذن لابد من التسليم بأن النفط أضحى سلعة غالية الثمن بسبب حقيقة مبسطة مفادها أن الطلب قد تجاوز العرض· والآن فإن المملكة العربية السعودية هي المنتج الوحيد في العالم الذي لديه المقدرة على زيادة الإمدادات بشكل ملحوظ· وحالياً فإنها تنتج حوالى 9 ملايين برميل يومياً أي أكثر بقليل من معدل 10 في المائة من الإجمالي العالمي البالغ 85 مليون برميل يومياً· وبإمكان المملكة ضخ مليوني برميل إضافية في هذا المتوسط العالمي إذا ما رأت الحاجة لذلك· إلا أن منظمة ''أوبك'' المسؤولة عن 40 في المائة من الإمدادات العالمية نأت بنفسها عن اللائمة ورمت بها على عاتق المضاربين مؤكدة أن الإمدادات أكثر من كافية· وفي هذه الأثناء فإن معظم كبريات حقول النفط في العالم والتي تم اكتشافها قبل عقود من الآن أصبحت إلى انخفاض تاركة كبار شركات النفط والدول المنتجة تبحث عن حقول أكثر صعوبة في سبر أغوارها وتحتوي على كميات من النفط أكثر تكلفة وغلاء في الاسترداد·
أما الآن وقد أصبح النفط الغالي الثمن حقيقة واقعة فإن السؤال الأكبر سوف يتمحور بشأن المدى الذي سيستمر فيه الاقتصاد العالمي يتمتع بالصحة والعافية·

خمسة أضعاف

عندما يصبح الوقود - الضروري لتشغيل الشاحنات وإنتاج الخبر وتشغيل الأجهزة الكهربائية وتوفير الدفء في المنازل - أغلى بخمسة أضعاف ما كان عليه قبل خمسة أعوام من الآن؟ وحتى الآن فإن معظم المحللين ما زال يغلب عليهم التفاؤل وهم يدعون أن الاقتصاد العالمي في موقف جيد للتعامل مع ارتفاع التكاليف بسبب أن عجلة الاقتصاد ظلت تندفع بواسطة النمو القوي عوضاً عن تقلص دراماتيكي في العرض· وكما تقول جوليان لي كبيرة محللي الطاقة في ''مركز دراسات الطاقة العالمي'': ''أثناء صدمة السبعينيات شهدنا ارتفاعات دراماتيكية في أسعار النفط في فترات قصيرة جداً من الوقت بسبب انقطاع الإمدادات والذعر الذي أصاب المستثمرين والمستهلكين· أما الآن فإن الأمور تسير ببطء ولكن بسلاسة أكبر مما كانت عليه الأحوال في حقبة السبعينيات عندما اتسمت المشكلة بنوع من الفجائية وحدثت في ظرف أسابيع أو أشهر قليلة''·

بيد أن السوق بدأت الاستجابة والتعبير عن رد الفعل، فمع ارتفاع الأسعار سرعان ما بدأ نمو الطلب العالمي في الانخفاض في السنوات الأخيرة من 3 في المائة في عام 2004 الى مستوى 1,5 في المائة في عام 2005 وبات من المتوقع له أن يصل الى حدود 0,8 في المائة في هذا العام· بل لقد أصبحت الدول أقل اعتماداً على البترول بعد أن شرعت في الاستثمار بكثافة على أنواع الطاقة البديلة مثل الطاقة النووية والغاز الطبيعي بعيد الأزمة التي شهدها العالم في حقبة السبعينيات· وفي هذه الأثناء أخذت كبريات الشركات والمؤسسات تفعل كل ما في وسعها من أجل امتصاص الضربة عبر خفض التكاليف في مجالات أخرى من ضمنها رواتب وأجور المستخدمين·
وعبر ابتداع أفكار مثل التعهيد والاستفادة من العمالة الرخيصة في الخارج عمدت الشركات أيضاً الى ترويع المستخدمين وجعلهم أكثر إنتاجية وكدحاً في العمل· وفي الشهر الماضي وقع الرئيس جورج دبليو بوش على قانون جديد يهدف الى رفع مستويات ترشيد الطاقة في السيارات الأميركية الى 35 ميلاً مقابل الجالون بحلول عام ،2020 وهي المرة الأولى في أكثر من ثلاثة عقود التي يعمد فيها أكبر اقتصاد مستهلك للنفط في العالم الى إجازة مثل هذا القانون بعد آخر قانون تمت صياغته في رد فعل للمقاطعة العربية للنفط في حقبة السبعينيات· لذا فإن من الواضح أن هنالك درجة غير مسبوقة من الدعم السياسي والصناعي في الدول المتقدمة للأشكال البديلة من الطاقة· ولترشيد استخدامات الطاقة نفسها، وهو التغيير الأكبر من نوعه فيما يبدو الذي سيتمخض عن ارتفاع أسعار النفط·

اقرأ أيضا

إدارة "المركزي" الإماراتي تعقد اجتماعها الرابع هذه السنة