الاتحاد

دنيا

الحلم يسرع بصاحبه إلى الجنة

الحليم يمككنه أن ينتصر على غضبه

الحليم يمككنه أن ينتصر على غضبه

تتفاوت درجات الناس في الثبات أمام المثيرات، فمنهم من تستخفه التوافه فيستحمق على عجل، ومنهم من تستفزه الشدائد فيبقى على وقعها الأليم· ومع أن للطبع الأصيل في النفس دخلاً كبيرا في أنصبة الناس من الحدة والهدوء، فإن هناك ارتباطاً مؤكداً بين ثقة المرء بنفسه ومعاملاته مع الآخرين، وتجاوزه عن خطئهم، فالرجل العظيم حقاً كلما حلّق في آفاق الكمال اتسع صدره، وامتد حلمه، وعذر الناس والتمس لهم المبررات·
وقد رأينا الغضب يذهب بأصحابه إلى حد الجنون، وهذا المعنى يفسر لنا حلم نبي الله هود وهو يستمع إلى إجابة قومه بعد ما دعاهم إلى توحيد الله: ''إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين· قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين· أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين'' سورة الاعراف الآيات 68-·66
إن شتائم هؤلاء الجهال لم تؤثر على حلم هود، فهو رجل اصطفاه الله رسولا، وهم قوم سفهوا أنفسهم وتهاووا على عبادة الاحجار يحسبونها تضر وتنفع·
يقول الإمام محمد الغزالي - رحمه الله - حول خلق الحلم والصفح في موسوعته ''خلق المسلم'': أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعلم أصحابه درساً في التأني والحلم وضبط النفس، فروى أن أعرابياً جاءه يطلب منه شيئا، فأعطاه ثم قال له: أحسنت اليك؟ قال الأعرابي: لا ولا أجملت· فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن يكفوا ثم قام ودخل منزله، فأرسل إليه وزاده شيئاً، ثم قال له: أحسنت إليك؟ قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، فقال له النبي: إنك قلت ما قلت آنفاً، وفي نفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك· قال: نعم· فلما كان الغد جاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ان هذا الاعرابي قال ما قال ''فزدناه'' فزعم انه رضي، أكذلك؟ قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا·
فقال رسول الله: ''مثلي ومثل هذا كمثل رجل له ناقة شردت عليه فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحبها، فقال لهم: خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم واعلم· فتوجه لها بين يديها فأخذ من قمام الأرض، فردها حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها، واستوى عليها ''وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال، فقتلتموه، دخل النار·
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستغضب أحيانا غير انه لا يجاوز حدود التكرم، والمعروف من سيرته انه ما انتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها·
ولما قال له أعرابي جلف وهو يقسم الغنائم: اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، لم يزد في جوابه ان بين له ما جهله وقال له: ويحك فمن يعدل إن لم أعدل؟ خبت وخسرت إن لم أعدل· ونهى أصحابه عن أن يقتلوه حين هم بعضهم بذلك·
ان الشخص الغضوب كثيرا ما يذهب به غضبه مذاهب حمقاء، فقد يسد الباب اذا استعصى عليه فتحه وقد يكسر آلة تضطرب في يده، وقد يلعن دابة جمحت به وحدث أن رجلا نازعته الريح رداءه فلعنها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: لا تلعنها فإنها مأمورة مسخرة· وانه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه·
وسيئات الغضب كثيرة ونتائجه الوخيمة أكثر، ولذلك كان ضبط النفس عند الغضب دليلا على القدرة المحمودة· عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ماتعدون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذي لا تصرعه الرجال· قال: ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب·
وقال رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم: أوصني ولا تكثر علي لعلي لا أنسى· قال: لا تغضب·
ومن الناس من لا يسكت عنه الغضب، فهو في ثورة دائمة، وتغيظ يطبع على وجهه العبوس، اذا مسه أحد أخذ يلعن ويطعن، والإسلام بريء من هذه الصفات الكدرة· قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء·
واللعن من خصال السفلة، والذين يستنزلون اللعنات على غيرهم لأتفه الاسباب يتعرضون لبلاء جسيم، بل إن المرء يجب ان يتنزه عن لعن غيره، ولو أصابه منه الأذى الشديد·
وكلما ربا الإيمان في القلب ربت معه السماحة وازداد الحلم· قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: ادع الله على المشركين والعنهم· فقال: ''إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانا''· وعلى قدر ما يضبط المسلم نفسه، ويكظم غيظه ويملك قوله ويتجاوز عن الهفوات، تكون منزلته عند الله·
وقد حرم الإسلام المهاترات السفيهة وتبادل السباب بين المتخاصمين، وكم من معارك تنتهك فيها الاعراض وتكثر فيها الشتائم المحرمة· وقد عد القرآن الكريم الحلم والصفات الطيبة والمعاملات الرقيقة طريق الفلاح التي تسرع بصاحبها إلى الجنات العلا·
قال الله تعالى: ''وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين· الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين'' آل عمران الآيات 134-·133

اقرأ أيضا