الاتحاد

دنيا

حبة طماطم!

قبل أن يغمض عينيه ويمضي إلى مثواه الأخير طلب من شقيقه أن يحضر له حبة بندورة (طماطم)! كثف كل أحلامه وأمنياته في لحظات الموت بأمنية يتيمة·· حبة بندورة·
روى الشقيق، الناجي الوحيد من العائلة، ما حدث، تلعثم كثيرا وفقدت جمله ترابطها المنطقي وهو أمر متوقع عندما يدور الحديث عن فاجعة استثنائية· ما فُهم منه أن الصهاينة قصفوا منزلهم بالقنابل· استشهدت والدته وشقيقته فور تفجر حممها، فيما أصيب شقيقه إصابة بالغة· لم يتحدث عن كيفية مقتلهما هل تناثرتا أشلاء نتيجة الأسلحة ''المبتكرة'' التي استعان بها الجيش الإسرائيلي لتركيع المقاومة؟ أم أصابتهما الشظايا في مقتل؟ المهم أن الصغير الناجي حاول إسعاف شقيقه المصاب·· ناضل ليوقف دفق الدماء· تحدث إليه· رجاه أن يصمد ويتماسك حتى يتمكن من طلب النجدة كان الليل يسحب رداءه القاتم فوق غزة ليضاعف من مخاوف الطفل وعذاباته· هل أدرك حينها أنه بات يتيما؟ هل تبادر إلى ذهنه أن والدته لم تعد لتهدهده بعد اليوم؟ هل فهم أن شقيقته لم تعد لتغيظه باللعب بحاجياته؟ هل فكر بأنها الليلة الأخيرة التي سيقضيها بصحبة أهله وإن كانوا مجرد جثامين؟ يبدو أنه لم يعبأ حينها إلا بأخيه الذي مازال قلبه ينبض· ظل متعلقا بأمل نجاة أخيه المصاب بعدما تفقد بقية أفراد الأسرة وتيقن من رحيلهم·
تتوالى الأسئلة وتتعاظم·· ترى ما الذي دار بخلد الصغير وهو يعاصر موت أحبته؟ هل بكى وصرخ؟ هل تلوى ألما؟ أم أطبق فاه وكتم أنفاسه حتى لا ينتبه الصهاينة إلى وجوده حيا؟ كل ما يمكن تأكيده هو حرصه على تلبية أمنية أخيه الأخيرة حيث هرع ليحضر حبة البندورة· لا أحد يعلم من أين جلبها؟ هل كانت مغسولة أم ملطخة بالدم وممزوجة برائحة الفسفور الأبيض؟ هل كانت ناضجة أم خضراء؟ لا شيء يهم فقد رحل طالبها بعيدا عن حسابات النصر والهزيمة·
قال الناجي الصغير وهو ينظر بعينين زائغتين إلى اللاشيء:''تعبت كثيرا وأنا أحاول إنقاذ أخي، لكن الدم ظل ينزف· نمت إلى جانبه·· احتضنته وغفوت، وعندما استيقظت صباحا ناديته·· حركته لم يجب·· لقد مات أخي''، وانفجر بالبكاء! بدا الصغير، وهو يؤكد أنه كان متعبا، وكأنه يحاول تبرير استسلامه للنوم، وفي نفسه أنه لو بقي مستيقظا لما مات شقيقه· لكن الذي لا يعلمه الصغير ''المنكوب'' أن الصهاينة استخدموا أسلحة لا تخطئ ضحيتها ولا تتركه إلا أشلاء أو بقايا بشرية مقتولة الروح· كيف ستعالج هذه الندوب في أرواح الصغار؟ كيف سيقبلون حلولا وتسويات وقد شاهدوا صنوفا من الويلات يندى لها الجبين؟ تشردوا··· قتلوا··· حرقوا···اغتصبت طفولتهم وتركوا تائهين بين دهاليز السياسة، وتجاذبات المصالح· صحيح أن أكثر من أربعمائة طفل رحلوا جراء الحملة البربرية على القطاع بيد أن لعنة أرواحهم الطاهرة ستظل تطارد المجرمين، وربما سيأتي اليوم الذي سيخشون فيه حبة طماطم·
ليلى خليفة

اقرأ أيضا