ثقافة

الاتحاد

مريم فرج جمعة.. ارتباط وثيق بثقافة المكان والبيئة

جانب من الجلسة الحوارية (من المصدر)

جانب من الجلسة الحوارية (من المصدر)

عبير زيتون (دبي)

عندما تفقد الساحة الثقافية كاتباً بفعل الموت، بعد أن ملأ الحياة إبداعاً وتطوراً وحراكاً، كيف يمكن لنا نحن الأحياء وكجهات ومؤسسات ثقافية، إعادة الاعتبار لسردياته الإبداعية، بوصفها حياة إلى الأمام لا إلى الخلف؟ كيف نعيد استذكاره بعد الموت في ذاكرة المجتمعات؟ ماهو المتوجبُ على المؤسسات الثقافية أمام مشاريعهم الكتابية التي لم تكتمل بعد، وبقيت كمسودات كتابية مؤجلة في أدراجهم، ولم يمهلهم الموت المباغت الزمن الكافي لإخراجها إلى النور؟ كما هو الحال مع رحيل صاحبة (نشيد- وفيروز -وماء) المبدعة الإماراتية البارزة خليجياً وعربياً في مسيرة القصة القصيرة مريم جمعة فرج.
أسئلة متشعبة فيها الكثير من وجع الفقد الساخن، حملته قراءة أربعة أجيال مختلفة من الكتَاب والكاتبات الإماراتيات المشاركات في الجلسة الحوارية التي نظمتها ندوة الثقافة والعلوم، مساء أمس الأول، تحت عنوان (مريم فرج جمعة - قراءة في السيرة والتجربة)، وشهدت حضوراً من أسرة الفقيدة، ومن زملاء ضفاف الكتابة الإبداعية والصحفية والمحبين لشخصها ولأعمالها القصصية.
استهلت عائشة سلطان، عضو مجلس الإدارة، في تقديم الجلسة بتسليط الضوء على السمات الشخصية والمعرفية للراحلة الكاتبة والقاصة والمترجمة مريم فرج جمعة، وظروفها الشخصية الحادة في زوايا متطلباتها والتي دفعتها للتخلي عن الكثير من أحلامها في التحصيل المعرفي، تلبية لمفهوم المسؤولية (الخاصة والعامة)، التي تميزت بالنضال والصدق الشفاف والحرص والدقة والتفاني مع سمات الخجل الشديد، والهدوء والصبر أمام مشاق الطريق وتقلباته الحياتية، متوقفة عند تنويعات التجربة الكتابية وسماتها الإبداعية المميزة، سواء في الكتابة القصصية، أو مع الترجمة كما تتجلى مع كتابها (تجارب من الإبداع النسائي العالمي -امرأة استثنائية) وتميز لغتها السردية بالجدة وطاقة الاختزال والدقة والنوعية التي لا تعرف تكراراً أو اجتراراً في المضمون والشكل الفني والسردي.
وبهدف تحقيق العُمق في زوايا النظر في سرديات الكاتبة والقاصة الراحلة، وبعد أن قرأت الكاتبة صالحة عبيد، عضو مجلس الإدارة، بصوتها مقاطع مختارة من أعمال الراحلة، وقَدم كل من الكتَاب المشاركين في الجلسة إبراهيم مبارك، وفتحية النمر، وريم الكمالي، قراءاتهم الشخصية في نقاط القوة التي تميزت بها أعمال مريم فرج جمعة، والتي جعلت منها علامة بارزة وأيقونة كتابية ضمن جيل الوسط، أو ما يسمى بالجيل الثالث، وممن شهد عصر التحولات الاجتماعية وتأثيرها على ثوابت الحياة، مجمعين في آرائهم على ميزة الخصوصية المتفردة في حساسيتها الحالية لهموم وقضايا الإنسان المعاصر وجوانب الابتكار والجودة الفنية في بناء معمار القصة المعاصرة شكلاً ومضموناً، بفنيات تخرج عن إطار السرد التقليدي أو المألوف.
وفي هذا السياق أكد الكاتب إبراهيم مبارك في مشاركته على تفرد مريم فرج جمعة بمسألة ارتباطها الوثيق بثقافة المكان والبيئة، وغنى موروثه الثقافي في زمن التحولات والتغييرات العاصفة التي شهدتها البيئة مع تركيزها الجاد والمفيد على القضايا الاجتماعية، وهموم الإنسان خاصة فئة المهمشين والهامشيين من الحياة بطريقة حساسة ومعاصرة وجاذبة في الخلط والمزاوجة بين الماضي والحاضر، جعلت من أعمالها القليلة، ذاكرة وجدانية حية ونابضة بصدقها عن إنسان المكان والزمان.
بينما كشفت الكاتبة فتحية النمر في بداية مشاركتها عن فحوى الأسئلة التي تشغلها ذهنياً مثل: لماذا كانت الراحلة مُقلة في إنتاجها الكتابي، رغم أنها تميزت منذ سن مبكرة في السرد القصصي، وكانت نموذجاً للكتابة النسوية القوية على الساحة في زمن السبعينيات والثمانينيات؟ ولماذا يا ترى ركزت على فئة المقهورين والمسحوقين في معركة الحياة؟ هل هي بسبب الظروف المالحة الشخصية التي لازمت مسيرتها؟ أم هي خصوصية نادرة في طريقة مريم فرج جمعة في اصطياد موضوعاتها؟ مؤكدة -أي النمر- على تعبيرية وشاعرية واستثنائية صوت الراحلة في التعبير الحي لغوياً وشاعرياً عن أصوات هذه الفئات، وعلى لغتها العالية في ثقافتها وإطلاعها وعلى ميزة التكثيف والرمزية الدالة في اقتناص ما تريد التعبير عنه بوضوح.
أما الكاتبة ريم الكمالي، التي خذلتها دموعها الباكية على ذكرى استحضار الراحلة، وقد زاملتها في العمل الصحفي وعلى معرفة ملموسة بشخصيتها وسماتها المتفردة الشخصية والمعرفية، فتساءلت: ماهو مصير العمل الأدبي القصصي القابع في أدراج صاحبة (فيروز-وماء) والتي كان حلمها طباعته قبل رحيلها؟ ولكن ظروف المرض الشخصي القاهر غدر بحلمها الشخصي الذي لم يكتمل وحال دون ذلك؟
ومع سؤال الكمالي تعددت اقتراحات الحضور المشارك في الجلسة في ضرورة تبني المؤسسات الثقافية لهذا المشروع المؤجل، وإخراجه إلى النور مع وجهات نظر تدعو إلى ضرورة تدريس نتاجاتها في المدارس والجامعات لتميزه بالصدق والابتكار، وتعبيره الحي والنابض عن ذاكرة المكان والزمان.

اقرأ أيضا