عندما عاد زعيمُ الحرب قلب الدين حكمتيار إلى أفغانستان ليلقى ترحيباً رسمياً كبيراً الشهر الماضي، وذلك بعد أن تخلى عن 16 عاماً من التمرد واستفاد من عفو عن تاريخ طويل من الانتهاكات إبان الحرب، كان من المتوقع أن يتبنى قضيةَ السلام بسرعة ويشكّل نموذجاً لمتمردي «طالبان» في البحث عن توافقات. ولكن بدلاً من ذلك، حط الزعيم الإسلامي مثل قنبلةٍ في عالم السياسة الأفغانية المضطرب، حيث أهان الرئيسَ أشرف غني علناً، ونقض تعهداً بتجريد آلاف من مقاتليه من السلاح، وترك العاصمة المرتبكة تتساءل عما إن كانت دعوته للعودة إلى البلاد قد مثلت خطأ فادحاً. وفي سن التاسعة والستين، يبدو حكمتيار حسن السمت. ولكن اسمه ما زال يثير الرعب في النفوس هنا. ذلك أن الرجل الذي كان بطل مليشيا حاربت السوفييت في الماضي، اشتهر خلال الحروب الأهلية اللاحقة بقسوته وبطشه بالأسرى وبقصف أحياء كابول حتى الدمار، حسب ما يقول خصومه. ولم يُسمح له بالعودة إلى أفغانستان إلا بعد أن رفعت عنه الأمم المتحدة العقوبات الأممية التي كانت تفرضها عليه. غير أنه منذ عودته لم يشر أبداً إلى الماضي، ناهيك عن أن يقدم اعتذاراً. كما أن خطاباته تنضح بالتحدي. وقد جذب أحدُها مؤخراً حشداً هاتفاً من الأنصار إلى تجمع في الملعب الوطني، تخللته صيحات الحرب. ولم يشر حكمتيار إلى «طالبان» عموماً إلا ليصفهم بـ«الإخوان»، ويشير إلى أنهم يتقاسمون قضية مشتركة تتمثل في الرغبة في تخليص أفغانستان من القوات الأجنبية. ولكن حتى الآن، تجاهل المتمردون عودته بعد أن كانوا قد نددوا به الخريف الماضي باعتباره خائناً لأنه عقد اتفاق سلام مع غني. وبعد ظهوره الأول المستفز، اختفى حكمتيار وسط مجموعة من الاجتماعات واللقاءات الخاصة في مجمع تم تجديده على نحو أنيق، حيث كان منشغلاً بالترحيب بالأنصار، وقادة المليشيات، والمنافسين السياسيين، والزعماء القبليين من «البشتون»، المجموعة العرقية التي ينتمي إليها. وتتولى حراسةَ المجمع الكبير، الذي وفّرته الحكومة، قواتٌ أمنية تابعة لحكمتيار، وجدرانه المرتفعة مغطاة بملصقات له. والتفسير الأكثر تفاؤلاً لسلوك حكمتيار يذهب إلى أنه يريد إعادة بناء مؤهلاته الصارمة المناوئة للغرب من أجل إبهار «طالبان»، التي أخذت تنهمك في ساحة المعركة مؤخراً، ولا تبدي رغبة في استئناف مفاوضات السلام. ويقول حكمتيار إنه يسعى لبناء جسور عبر المجتمع الأفغاني، واستعمال نفوذه لإنهاء النزاع. ولكن بالنسبة لبعض المراقبين، يبدو كما لو أن الزعيم الداهية يستغل اتفاق السلام كمطية لتحقيق طموحاته السياسية المحبَطة، ويخشون أن يكون هدفه، بدلاً من التعاون مع الحكومة التي منحته العفو وولوجاً كاملا للحياة العامة، هو تشكيل طيف من الخصوم -وخاصة من أبناء جلدته البشتون الذين يشعرون بأنهم قد هُمشوا واستبعدوا من السلطة- لتحدي الحكومة التي تعاني أصلاً من مشاكل وتحديات جمة، وربما إرغام غني على التنحي عن الحكم. ويقول إسحاق غيلاني، وهو سياسي التقى حكمتيار عدة مرات منذ عودته في الثامن والعشرين من أبريل: «إنني أخشى مما سيحدث خلال الأشهر القليلة المقبلة»، مضيفاً «هناك حديث عن تشكيل تحالف ضد الحكومة، وضد الولايات المتحدة، وضد الديمقراطية. لقد ارتكب غني أخطاء كثيرة، ولكن إذا جمع حكمتيار كل الشركاء الذين يكرهونه وتحالفوا ضد الحكومة، فإن ذلك سيكون مكلِّفا جداً لمستقبل أفغانستان». وحتى الآن، لا يجهر الأفغان بمعارضتهم لعودة حكمتيار عموماً، ولكنّ ثمة شعوراً متنامياً بأن شهر العسل قد انتهى. فالمسؤولون الحكوميون يلتزمون الصمت، وإنْ كان عدد منهم قد عبّر في المجالس الخاصة عن صدمته وغضبه إزاء تعليقاته. وحكمتيار لم يدلِ بتصريحات مؤخراً، ومساعدوه الذين كان الوصول إليهم يسيراً قبيل عودته أصبح الاتصال بهم الآن متعذراً. ومنذ عودته، اجتاحت آلاف الملصقات التي تحمل صور حكمتيار العاصمةَ، وتفيد تقارير أن بعض السياسيين الأغنياء من البشتون عرضوا عيله مزيداً من الرجال والسلاح والمال. وإذا كان بعض أنصاره يقولون إن سلوكه القاسي خلال الحرب الأهلية لم يكن أكثر مغالاة من زعيم أي مليشيا أخرى، فإن منتقديه يقولون إنه لا يستحق دوراً في مستقبل أفغانستان إلا إذا تبرأ من ماضيه. وقال «سيما سمر»، رئيس اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان: «إن الشيء الشجاع الذي ينبغي أن يفعله هو الاعتذار للشعب الأفغاني»، مضيفاً «إذا كان قوياً بما يكفي لفعل ذلك، فإن ذلك سيداوي الكثير من الجراح وسيثني الناس عن السعي للانتقام. بل إنه يمكن أن يجلب السلام». ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس»