يمثل يوم قيام منظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا في 25 مايو 1963، يوماً مشهودا للوفاق الإفريقي.. فقد اجتمع رؤساء حوالى 33 دولة من قادة مجموعتين آنذاك، هما مجموعة «الدار البيضاء» (التحررية التقدمية من 6-7 أعضاء) و«مجموعة منروفيا» أو أحياناً «برازافيل» (من المحافظين، وتضم أكثر من عشرين دولة)... واتفق الجميع في تراضٍ ملفت، أحدث ضجة في الدوائر الغربية حينها، على حضور نكروما، وناصر، وسيكوتوري، ونيريري، وسنغور، وكينياتا، معاً في قصر قيادة محافظة هو الإمبراطور «هيلاسيلاسي»! وفي وقفة واحدة من أجل استقلال إفريقيا وتصفية النظام العنصري في جنوب القارة، ولإعلان تأسيس المنظمة. وكان القرار الحاسم أن يجتمع هؤلاء للإعلان الفعلي عن قيام المنظمة في القاهرة في نفس الموعد من العام التالي 1964، وعند قيادة متحررة ممثلة في جمال عبدالناصر... وكان اجتماع القاهرة حاسماً بدوره، ففي قراره الأول دفع بالقارة إلى حالة لم يتوقعها كثيرون، رغم اعتباره قراراً سلبياً عند دعاة الوحدة، إذ حسم مسألة الحدود الإفريقية التي كانت ستعرضها لكثير من الأهوال، لأنها في النهاية ميراث استعماري، فقررت المنظمة إقرارها، وعدم الاعتراف بأية نزاعات حولها. أما القرار الثاني، فعوض الأول باعتباره قراراً إيجابياً شجاعاً بحق، وهو قرار إنشاء لجنة ملحقة بالقمة هي «لجنة التنسيق لتحرير المستعمرات». ولوحظ هنا أنها ملحقة بمعنى الدور المؤقت الذي يجب أن تنتهي مهمته عاجلاً وليست لجنة روتينية دائمة في المنظمة. وهي «لتنسيق عملية التحرير»، أي ذات أداء جماعي ضد الاستعمار الذي بدأ يتبلور مع الدور الأميركي الصاعد في القارة في ذلك الوقت. وهي هنا تختلف عن طابع لجنة مهمة أيضاً مشكلة في الأمم المتحدة باسم اللجنة الرابعة، المعنية بمهمة تصفية الاستعمار. وكانت الحملة على الاستعمار والنظام العنصري، وإسرائيل ضمن الاستعمار الجديد، هي ملامح لقاء يوم إفريقيا عام 1964. ويومها بدا التحفظ أيضاً واضحاً إزاء أي اتجاه للتقسيمات الإقليمية، أو حتى النوعية مثلما يسمى الآن المنظمات الإقليمية، غرباً وشرقاً وجنوباً، بل وكان ثمة تحفظ على وجود اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة في أديس أبابا، باعتبارها منافساً في العمل الاقتصادي بوسائل أفضل! وكان ثمة خوف ظاهر لدى البعض، وخاصة من دول ما يسمى بالفرانكفونيين، من احتمالات التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية من قبل الدول القوية، أو ذات الصوت العالي في القارة، وخاصة من قبل نكروما أو سيكوتوري، ناهيك عن عبدالناصر... وكانت تجربة «التدخل» لإنقاذ لومومبا ماثلة للعيان، وأخرى ضد انقلاب حدث في التوجو، وقف سيكوتوري ضده بقوة، ولذا تم النص بقوة ضد احتمالات هذا التدخل. في ذلك العام الذي اجتمعت فيه القمة الإفريقية في القاهرة، تحت شعار تحرير القارة -وقد كان- اجتمعت أيضاً القمة العربية لتحرير فلسطين في القاهرة كذلك.. واجتمعت قمة عدم الانحياز، كما كانت ثمة لجنة وزارية لترتيب اجتماع 1965 لمجموعة الدول النامية «السبع والسبعين» الباقية في محاولة لتأكيد استقلالها الاقتصادي، وهي ذات صوت حتى الآن رغم ضعف «منظمة الأنكتاد»... وبهذه القوة أحيط «يوم إفريقيا» الأول بمعنى القوة الصاعدة فعلاً لدول تشق طريقها نحو الحضور العالمي... ولكن قوى الاستعمار بدأت تتمركز بدورها وتحول دون حدوث مثل هذا التقدم أفريقياً، فبدأت الانقلابات العسكرية، وتضاعفت أشكال الإلحاق الاقتصادي، وصور النهب، بل وشل إمكانية التقدم الاقتصادي، بآليات الانفتاح، وأفكار السوق العالمي والسوق الحرة، والاتفاقات الجماعية مع الاتحاد الأوروبي وغيره. ولا ندعي أن كل ذلك كان منتج «مؤامرات»، وإن قلنا «مناورات»، لأن لدينا حكاماً أفارقة من أهلنا وثروات في أراضينا، ومثقفين ومفكرين، وقبلنا بأشكال من العمل السياسي الليبرالي، أو أنماط من التعبير المدني، بل وقامت انتفاضات الربيع الإفريقي في تسعينيات القرن الماضي، وإذا بنا في «يوم إفريقيا 25 مايو 2017» نتساءل عن هذا الهول من أشكال الإرهاب والتفتت لا التجمع، وأشكال انفلات السلطة من بين يدي الشعوب داخلياً، ثم إذا بنا أمام أعتى أشكال «التدخل الأجنبي» أمام أعيننا، ومن دون حرج من الكثيرين منا، فهل ترى ذلك كله منتج مؤامرة، أم نتيجة التغاضي عن قيم «مايو 63-1964» المحدودة؟ * رئيس مركز الدراسات العربية والإفريقية- القاهرة