الاتحاد

دنيا

الديناميت ·· ميليشيا معادية للأسماك تثير غضب الأزرق وتسلبه خيراته

هنا كورنيش البحر، المكان الوحيد للآلاف من قاصدي المدى الأزرق، يتنفسون الصعداء على دورة الساعة··· عدد قليل من الكيلومترات تغري المتعبين لالقاء ما امكن من الهموم وممارسة رياضة الهرولة والهوايات··· هنا تقيم مهنتان، واحدة على الرصيف المحاذي للرصيف ''المدبب'' بالصخور وهي مهنة المقهى السيار· اما الثانية فهي مهنة الصيد التي يحفظ الشاطئ وصخوره تاريخها، ويحيي ذكريات يوم كان للصيد شرف المهنة·
لكن اليوم ليس كالأمس، وكما عمق المدينة مطلها البحري، اذ تحول الصيد من مهنة بريئة الى فعل قتل في بعض الاحيان، وتحول الصيادون الى ''ميليشيا'' معادية للاسماك حاضراً ومستقبلاً، حيث حلت ''الديناميت'' محل الصنانير والشباك·
السمك الطازج لم يكن حلماً يراود اصحاب البطون الخاوية كما يحصل اليوم، لانه كان متوافراً على الشاطئ بكثرة· اما الآن فان الحال تبدلت لان الصياد لم يعد ذلك الانسان المعوز الذي ينتظر الحظ على شكل ''قمقم'' مسحور او خاتم مرصود، او جنية ناطقة، فقد أصبح تاجراً بكل معنى الكلمة، يرفع اسعاره اقتداءً بالدولار او تشبهاً به، ويحجب عن الزبائن بضاعته الطازجة، عملاً بمنطق ''السوق السوداء''·
كان لعالم الأسماك أسراره فاذا به انتحار، حيث المغامرون المهددون بالجوع، جوع الغد وبعد غد، هم وحدهم مجانين الاقدام على الشراء، أما أكثرية المتحلقين حول البسطات فليسوا اكثر من جمهور مشدودين الى المكان بحكم الفضول وثورة الذكريات·
في يوم مضى، كان السمك فرصة الفقراء الوحيدة لتناول وجبة دسمة، أما اليوم فإن ''الطلاق'' تم مع أصحابها القدامى، وأصبحت صداقتها مع الأغنياء فقط· فقد قفزت أسعار الكليو الواحد بقدرة قادر من المئات الى الآلاف· والديناميت أصاب الثروة السمكية إصابة قاتلة، حيث انخفضت قيمة الإنتاج الوطني من 60 الى 20 بالمئة من حاجة الاستهلاك المحلي، وأدى الى القضاء على بيوض الاسماك، وقضى ايضاً على الاعشاب المائية التي تغذيها·
نجيب الديك صاحب مسمكة، تحدث عن رحلته الطويلة مع صيد السمك وقال: ''الثروة السمكية التي كانت تشكل غذاء الفقراء، اصبحت الآن طعام الاغنياء فقط، ولا غرابة اذا علمنا ان هذه الثروة البحرية تفوق في اهميتها الثروة النفطية، لكن الغلاء الفاحش وارتفاع اسعار عدة الصيد، جعلت كيلو السمك الطازج ليس اقل من 20 و30 ألف ليرة''·
وأضاف: ''كل شيء ارتفع ثمنه، فالشبكة التي كان سعرها فيما مضى عدة آلاف، تباع الآن بمئة الف واكثر، وكذلك اسعار الشرك والخيوط والصنارات والاقفاص··· في الماضي كنت اموّل المسمكة بجميع انواع الاسماك بحوالي مئة الف ليرة، الآن يلزمك اكثر من مليون ثمن بعض الاصناف''·
وعن أفضل أوقات الصيد قال: ''حسب اجواء الطبيعة، انما الانسب هو فصل الربيع، كذلك فصل الشتاء، عند ارتفاع (النو) في البحر· فصيد ''القريدس'' لا يتم الا عند هياج البحر، حيث يخرج هذا النوع من الرمل بأعداد وافرة''·
ويضيف: ''بحرنا صغير اجمالاً لكنه يتمتع بأعداد وافرة من الأسماك المتعددة الاصناف والأجناس· ومتى حافظنا على بذور السمك وامتنعنا عن الصيد بواسطة الديناميت او ''الحوز''، امكننا المحافظة على هذه الثروة المهمة التي تعتبر من اهم الموارد الاساسية· ليتوقف الديناميت عن اصطياد السمك، فيعود غذاء السمك الى مائدة الفقراء· لكن طالما ان سعر السلطان ابراهيم 40 و50 الف ليرة والفريدي بـ20 الفا، واللقز بـ30 الفا والسرغوس وغيره فكيف سيستطيع رب العائلة شراء كيلو واحد لأولاده؟''
أبو علي البرجي يصطاد السمك بالصنارة منذ سنوات قال عن هذه الهواية: ''لا أستطيع ان اصف مدى استمتاعي برمي صنارتي في البحر الواسع المملوء بالاسرار· فهنا مجال الهدوء والراحة بعيداً عن تعب الحياة· اقضي يومياً سبع ساعات في الصيد· بعض الاحيان تكون الغلة وافرة، واحياناً اخرى لا أسترزق بسمكة واحدة، عدا ان الصيد هو هواية الا انه في هذه الايام اصبح ضرورة ملحة· فرب عائلة لا يتجاوز اجره اليومي الـ15 الف ليرة، لا يستطيع تأمين وجبة سمك واحدة في الشهر بل في العام· ان رائحة السمك باهظة الثمن بالنسبة لنا والحق في ذلك على ''الديناميت''· وأكد: ''حرام على الصيادين قتل مليون سمكة حتى نصطاد كيلوجرام واحد، انها جريمة حقيقية''·
ابو شهاب يصطاد السمك منذ سنوات وله مع البحر ذكريات طريفة، قال: ''منذ صغري وانا امارس هذه الهواية وقد شغفت بها عندما طرحت صنارتي لأول مرة في البحر· وكم كان فرحي عظيماً عندما ''لقطت'' سمكة لا بأس بها· من هنا بدأ الادمان وبدأت رحلتي الطويلة مع البحر واسراره· في هذه الهواية امضي يومياً خمس ساعات واكثر حسب المزاج، ولكن ولا مرة تقاعست عن هذه الهواية، فعندما لا تسمح الظروف الطبيعية بالصيد، آتي الى البحر للفرجة·· أما الغلة فأوزعها على الاقارب والجيران، واحب ان اقول ان الصيد هو هواية وتمضية وقت اكثر منه منفعة او تجارة· وكهاوٍ اتمنى ان يبقى قرار منع الصيد بالديناميت ساري المفعول وينفذ لانه يضر بالبحر· مثل الصيد ''بالحوز'' الذي يمزجونه بالعجينة، فانه يسم السمك ويقضي على البذور وعلى عملية التفقيس· فاذا اوقفت هذه العوائق في فترة سنة واحدة تتوافر لدينا ثروة سمكية ضخمة''·



الصنارة··· الشرك

أبسط وسائل الصيد هي القصبة والخيط الحرير، وصنارة يعلّق فيها الطعم، وقطعة فلين تبقى عائمة لتشير الى وجود السمكة· وهناك وسيلة اخرى تتلخص في خيط تعلق فيه بذرة قريدس ترمى بعيداً عن الشاطئ· ومن الوسائل المتطورة ''الشرك'' وهي خيطان من النايلون، تعلق عامودياً بخيط طويل (800 متر) او اكثر، عليه قطع من ''البلاستيك'' او الفلين ليطفو على وجه الماء، بينما تتدلى الخيطان تحت عمق ثلاثة امتار تقريباً، وبطرفها صنارة عليها طعم وقطعة من الرصاص تبقيها في العمق لتكون في متناول السمك، وانواع الطعم: سردين - اخطبوط - قريدس··· وايضاً هناك الجاروفة او ضوء القنديل، وهي عبارة عن شباك تمتد الى حوال (500 متر) يسحب الحبل مجموعة من البحارة بقيادة ''ريّس الفلك'' حتى تصل الى الشاطئ

اقرأ أيضا