محمد شمس الدين (أبوظبي) لم يكن يتوقع أحد من المراقبين أن تتبلور فكرة القمة العربية الإسلامية الأميركية كركيزة أساسية ذات رؤى استراتيجية لتؤتي ثمارها على كافة الصعد السياسية والاقتصادية، وكذلك الأيديولوجية، ولا سيما في الوقت الذي يشهد ضبابية في توقع مسارات الاقتصاد العالمي وترقب العديد من الدوائر والمؤسسات الاقتصادية. يصعب وللوهلة الأولى، استيعاب الحجم الضخم لقيمة الاتفاقيات التي وقعتها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة على الصعيد الاقتصادي والتي تتجاوز 400 مليار دولار، بما فيها أيضاً صفقات الأسلحة التي تواكب معها تقديم، دعم أميركي، يعزز طموح المملكة لنحو قدراتها التصنيعية في هذا المجال الحيوي، فضلاً عن الشراكات المثمرة للجانبين في مجالات حيوية وذات قيمة اقتصادية مضافة لمسيرة الاقتصاد السعودي الذي ارتدى عباءة جديدة منذ أبريل الماضي، ضمن رؤية المملكة 2030، ونبحث هنا تأثيرات تلك الشراكة الاستراتيجية على صعيد القدرات الاقتصادية ومسيرة التنمية في بلدان المنطقة. تؤكد بديهيات علم الاقتصاد والتنمية، دوماً أن الدولة التي تشهد تقدماً اقتصادياً وطفرة في معدلات التنمية، لاسيما عبر تعزيز شراكتها العالمية مع اقتصاديات كبرى عالمية، إذ ينتقل تأثير هذه الصفقات إلى الدول المجاورة. وبالنظر إلى حجم وقدرات دولة ريادية على الصعد كافة في منطقة الشرق الأوسط وهي المملكة العربية السعودية، والتي تعد أكبر اقتصاد عربي، وقياساً أيضاً لدورها الفاعل في الاقتصاد العالمي سواء من جهة كونها أكبر منتج للنفط في العالم، حيث تضطلع دوماً بتعبيد وتهيئة الظروف لضمان الاستقرار النفطي العالمي، أو حتى قياساً لكونها من ضمن مجموعة العشرين كأكبر اقتصاديات العالم. فإن علينا أن نتطلع للنتائج المثمرة الذي سيحققها التقارب والشراكة التاريخية بين كل من المملكة، والولايات المتحدة، لا سيما وأن القمة اتسمت برؤية شمولية لمعالجة كافة الثغرات التي تعزز استقرار وتقدم دول المنطقة. ولم تقف حصراً على مسايرة وتعزيز شراكة اقتصادية فقط، بل شملت النواحي كافة بما يعزز مسيرة الاقتصاد الشمولي الذي تحرص على ترسيخه المملكة انطلاقاً من مكانتها ورؤية قيادتها وتواكباً مع الرؤى الثاقبة لقادة وحكام دول مجلس التعاون الخليجي. فوائد متعددة لا يمكن حصر أو قياس التداعيات الإيجابية المرتقبة على الصعيد الخليجي والعربي والإسلامي نتاجاً لتعزيز نسيج التحالف الاقتصادي السعودي الأميركي، في جوانب محددة كتنشيط قاعدة الاستثمارات، والرواج التجاري، ونمو حركة الصادرات والواردات في دول المنطقة، وزيادة معدلات التوظيف من العمالة العربية، بالنظر لكون المملكة العربية السعودية ودول المجلس من الدول الأكثر استقطاباً للعمالة العربية. مع تعزيز وخلق قنوات أخرى من الشراكة في المراحل اللاحقة. وفي ذلك الصدد، استطلعت «الاتحاد» آراء عينة من الخبراء في دول المنطقة لقياس تأثيرات وجدوى تشييد جسور من الشراكة بين أكبر اقتصاد عربي وأكبر اقتصاد عالمي، تمتد كمشاريع مقبله لأكثر من 10 أعوام وذلك على النحو التالي:- علاقات راسخة في البداية يؤكد جمعة الكيت، الوكيل المساعد لوزارة الاقتصاد، لشؤون التجارة الخارجية، أن العلاقات السعودية الأميركية هي علاقات راسخة، وذات رؤية تاريخية منذ عام 1934 منذ بدايات اكتشاف النفط، حيث تبلورت تلك العلاقات على أكثر من صعيد وشهدت ازدهارا وتطورا عبر العديد من التحالفات الاقتصادية والاستراتيجية بين الجانبين. وأضاف أنه قياسا لتطور قدرات المملكة العربية السعودية جنباً إلى جنب مع أشقائها من دول مجلس التعاون الخليجي، فإن تأثيرات أي شراكة اقتصادية تعقدها، سيدعم ولا شك خطى التنمية في كافة دول المجلس ويعزز طروحات الاستقرار الاقتصادي الإقليمي. ونوه إلى أن تشابه التشريعات الاقتصادية وتبني كافة دول التعاون لفلسفة التحرر الاقتصادي والانفتاح على العالم، يعني أن أي مشاريع ستشهدها أي دولة ستساهم في تطوير المناخ الاقتصادي في كافة دول المجلس. وبين أن دولة الإمارات تتطلع لتحقيق طفرات، ستساهم جنباً إلى جنب مع المملكة العربية السعودية في الارتقاء بمستوى حركة رؤوس الأموال والنشاط الاقتصادي في دول المنطقة، وهو ما تحذوه الآمال، من جراء تعزيز الشراكة بين المملكة والولايات المتحدة في تعزيز الاستقرار الاقتصادي من جهة توفير فرص عمل وزيادة معدلات الاستثمارات ونمو رؤوس الأموال، وتزايد مؤشرات النشاط التجاري بين دول وبلدان المنطقة. العلاقات الإماراتية الأميركية وأفاد الكيت، بأن قدرات دولة الإمارات تساهم في تعزيز آفاق الشراكة الخليجية مع أكبر اقتصاد عالمي وهو الاقتصاد الأميركي، حيث استحوذت الولايات المتحدة، على 7.1% من مجمل التجارة الخارجية غير النفطية للإمارات خلال 2016 مع العالم، وتأتي في المرتبة الثالثة كأهم شريك تجاري للإمارات. وأضاف أن الإمارات تستحوذ على 35% من صادرات أميركا للدول العربية، مع استحواذها أيضاً على 43% من صادرات الولايات المتحدة لدول مجلس التعاون الخليجي، كما أن الدولة تستحوذ على 32% من مجمل التجارة الخارجية لأميركا مع الدول العربية من السلع غير النفطية. وتأتي في المركز الأول في حال استثناء النفط. وأشار إلى أن أجمالي قيمة استثمارات الولايات المتحدة في الإمارات بنهاية العام 2015، تجاوزت 6.9 مليار دولار، حيث تأتي في المرتبة الثانية كأهم الدول المستثمرة بالدولة لتستحوذ على ما نسبته تتجاوز 6.3% من مجمل الاستثمار الأجنبي المباشر في الإمارات لنهاية 2015، فيما تبلغ عدد الشركات الأميركية المسجلة في وزارة الاقتصاد وتمارس عملها داخل الدولة 305 شركات، و 676 وكالة تجارية وعدد العلامات التجارية المسجلة 38290 لنهاية 2016. نقل التكنولوجيا من جانب آخر، أكد الدكتور أحمد المطوع، رئيس مجلس إدارة البنك الخليجي التجاري في البحرين، وأستاذ الاقتصاد السابق بجامعة الإمارات، على تعدد مسارات الشراكة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والسعودية مع تنوعها، حيث تتنوع بين صفقات كمشتريات لمعدات وأنظمة، ومخرجات صناعية، من الولايات المتحدة، أو مشاريع مشتركة بين مؤسسات في كلا البلدين، حيث جرت العادة على ان تكون بعض المشتريات لا تتضمن نقل تكنولوجيا، ولكن على الجانب الآخر فإن بعض المشتريات التي أبرمتها المملكة مع الولايات المتحدة ترتبط بنقل المعرفة التقنية، وتوطينها لدى الشركات السعودية، وهذا يدعم خطى التطور الاقتصادي للمملكة. وأضاف أنه قد جرت العادة ومن خلال تجارب سابقة، على أن الشركات الأميركية تكون أكثر تحفظاً في نقل التقنية عند أبرامها مشتريات مع أي دولة أخرى قياساً للشركات الألمانية والفرنسية، ولكنه يؤمل تحت مظلة تلك الاتفاقيات المبرمة مع المملكة العربية السعودية كونها اتفاقيات استراتيجية أن تسهم في نقل التقنية بالأخص أن المملكة بدأت تشهد طفرة في النظم التعليمية وباتت تتمتع بقدرات وكوادر بشرية مؤهلة للتعامل مع التكنولوجيا الأميركية. الاقتصاد الأميركي وبين المطوع، أن قوة الاقتصاد الأميركي كموجه عالمي، تؤكد لنا بما لا يدع مجالا للشك الفوائد المنتظرة على صعيد المنطقة الخليجية والعربية ككل نتاجاً لتلك الاتفاقيات الضخمة مع المملكة العربية السعودية، فضلاً على التأثير إيجاباً على الاقتصاد العالمي، إذ ستشهده الشركات الأميركية ازدهاراً يؤثر إيجاباً على تحفيز الاقتصاد العالمي، فضلاً على زيادة الطلب الأميركي على النفط مما يرفع أسعاره عالمياً ويحرك مسيرة الإنتاج العالمي، وبالتبعية ينعكس إيجاباً على العوائد النفطية لدول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية النفطية. على صعيد متصل، يؤكد الدكتور نجيب عبدالله الشامسي، مدير عام الهيئة الاستشارية لدول مجلس التعاون الخليجي السابق، أنه يجب على الدول العربية الاستفادة من نهج الشراكة الذي أبرمته المملكة العربية السعودية من جهة تحسين الخلل في المجريات الاقتصادية والتنموية، ولكن ينبغي دوماً أن تكون تلك الشراكات متوازنة للطرفين. ولا تغلب مصلحة طرف على طرف آخر، مؤكداً أن المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي كمنظومة وتكتل بلغ درجة من النضج الاقتصادي للتعامل بندية مع أكبر اقتصاد عالمي. رؤية سعودية وقال الدكتور فواز العلمي، وكيل وزارة التجارة والصناعة ورئيس الفريق الفني لمفاوضات انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية السابق: إن تلك الاتفاقيات المبرمة، تأتي تأكيداً على الشراكة الاستراتيجية بين المملكة والولايات المتحدة ومتسقةً مع أهداف رؤية المملكة 2030 التي تنادي بزيادة المحتوى المحلي في قطاع النفط والغاز، من 40% إلى 75% وفي قطاع الصناعات العسكرية من 2% إلى 50%. كما فتحت تراخيص الاستثمار الممنوحة للشركات الأميركية، وعددها 23 ترخيصاً آفاق السوق السعودية الرحب لاستثماراتها بنسبة 100%، ومنحها حق الدولة الأولى بالرعاية، دعماً لوثيقة برنامج التحول الوطني 2020، الهادفة لزيادة حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة للمملكة بنسبة 133.3% خلال السنوات الثلاث المقبلة، ورفع قيمة فرص الاستثمار الإجمالية إلى 2300 مليار ريال، مما سيضاعف نسبته إلى 200% من الناتج المحلي الإجمالي، ورفع ترتيب المملكة في تقرير التنافسية العالمي من المركز 25 إلى المرتبة 20، ومضاعفة نسبة المحتوى المحلي من 20% إلى 40%. تكامل الرؤى وأشار العلمي، إلى أن تلك الشراكة الاستراتيجية لتواكب دور صندوق الاستثمارات العامة مع رؤية 2030 في تمويل المشاريع الاستراتيجية للاقتصاد السعودي، وجعله أكبر صندوق سيادي في العالم، خاصة بعد قيامه بالاستثمار في رأسمال مجموعة «سوفت بنك» اليابانية، الذي يصل إلى 100 مليار دولار، وإنشاء صندوق استثماري يهدف إلى التوسع في المجال التقني حول العالم. الاتفاقيات تخلق فرصاً استثمارية للدول الإسلامية أبوظبي (الاتحاد) أكد ناصر بن عقيل الطيار، مؤسس مجموعة الطيار للسفر والسياحة في المملكة العربية السعودية، أن تعزيز وتيرة التقارب السعودي الأميركي على مختلف الصعد، ولا سيما الاقتصادي الذي يمثل العصب المحوري والحقيقي لأي علاقات دولية مستدامة، خصوصاً بالنظر لضخامة الاتفاقيات الموقعة والمشاريع التي يؤمل منها تحريك سفينة الاقتصاد في كل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والانعكاسات المرتقبة على تعزيز التطور الاقتصادي وخلق فرص استثمارية في الدول الإسلامية ودول مجلس التعاون الخليجي، مع حضور ومشاركة 53 رئيس دولة إسلامية في تلك القمة والحضور الضخم للوفد المرافق للرئيس الأميركي. وقال الطيار، إنه لا شك أن تعزيز نهج التقارب مع أكبر اقتصاد عالمي سيعزز من فرص خلق الأعمال والمشاريع، وسيساهم في تطوير المنظومة الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي، قياساً مع رؤية المملكة 2030، التي تسعى لتشييد جسور من الشراكة مع الدول المتقدمة والاقتصادات البارزة فضلاً على معالجة الاختلالات في مسيرة التنمية بنهج شمولي. بالأخص للمعطيات السلبية التي تصطدم بها طروحات التنمية الإسلامية والعربية كانتشار الإرهاب الفترة الماضية وتزايد موجات التشدد، والتي تعد حائط تصدم به جهود التنمية المستدامة.