الاتحاد

الإمارات

رئيس "الشؤون الإسلامية والأوقاف" لـ "الاتحاد": خطابنا الديني متسامح.. ومنابرنا ضد التطرف

محمد مطر الكعبي

محمد مطر الكعبي

إبراهيم سليم (أبوظبي)

أكد الدكتور محمد مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، أن الخطاب الديني في الإمارات عموده التسامح، مشيراً إلى أن «الهيئة» تنهض بجهود كبيرة ومقدرة لدى المنتديات والمنظمات المحلية والإقليمية والدولية في بناء جسور التعاون والتنسيق لترسيخ ثقافة التسامح والتعايش والسلام في المجتمعات، وذلك عبر استراتيجية دقيقة وشمولية في مواجهة التحديات التي تعانيها المجتمعات كافة، ومن أبرزها التطرف، وانزياح الفكر الشبابي نحو أيديولوجيات مبثوثة عبر هذه الوسائل الذكية ومنصات التواصل التي بات من الضروري تطويق الفكر الشاذ فيها وإحلال الثقافة الإيجابية التي تعلي من شأن التواصل الحضاري بين الأمم والشعوب، وتبني أقوى الأنماط العصرية في التعارف والتعاون ونشر ثقافة السلام.
وقال الكعبي، في حواره مع «الاتحاد»: نحمل مسؤولياتنا بتحصين قلاعنا الوطنية: المساجد، ووسائل الإعلام، ومراكز التثقيف ومؤسسات التعليم، من الفكر الشاذ والمتطرف، ثم ترسخ ثقافة النقد الذاتي لتحفيز التطور ومواكبة الحياة العصرية، ثم نرصد ونحلل ونرد - بالتعاون والتنسيق مع الأزهر الشريف والمجامع الفقهية - على كل فتوى أو رأي أو خطاب خارجي بفتوى علمية ورأي حصيف وخطاب وسطي معتدل، مضيفاً: ثلاث خطوات لا بد منها لترسيخ قيم الاعتدال والتسامح: تحصين الذات، ثم تطويرها، ثم الرصد والتحليل لما يفد إلينا عبر هذا الفضاء المفتوح عالميا.

حول خطط «الهيئة» واستراتيجيتها في ترسيخ ثقافة التسامح، ذكر الكعبي، أن مؤشرات النهضة والاستقرار والازدهار في عصرنا هذا تدل على أن المجتمع الذي يعيش ثقافة التسامح بمنأى عما تعانيه العديد من المجتمعات كما هو مشاهد اليوم، وبنعمة الله تعالى وحكمة قيادتنا الرشيدة منذ عهد الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، فإن دولة الإمارات وكل من يعيش على تراب وطننا العزيز المستقر المزدهر من مواطنين ومقيمين، يعيشون أرقى نموذج من نماذج الحياة السعيدة الثرية بتنوعها الإنساني.
وأضاف: وفي إطار ترسيخ قيم التسامح واستشراف آفاقه وبيئات إنتاجه وتفعيله في الهيئات والمؤسسات الحكومية، فإن استراتيجية الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف أن تمارس التسامح فكراً ورؤية ورسالة في منابرها كافة وخطابها الديني المنفتح على الحياة ومؤتمراتها والدراسات الإنسانية والمجتمعية التي تنتجها وتنشرها، واحترام التعددية الثقافية والدينية والحضارية لكل من يفد إلى دولة الإمارات من عمالة وسياحة ورجال أعمال وشركات ومؤسسات اقتصادية وتعليمية وإنسانية، باعتبارها روافد تثري نهضة الدولة، وتتشارك معنا في صياغة النسيج الاجتماعي الذي ترعاه قيادتنا الرشيدة، ويؤمّن له ديننا الحنيف بيئة مثالية للتعايش البناء بين بني الإنسان، إذ الحضارة تبادل في الأخذ والعطاء، والحياة لا تنهض ولا تزدهر إلا باستثمار كل ما لدى البشر من إبداعات وطموحات.
وتابع: «الإمارات تفخر بأنها المثال المحتذى به في التسامح الديني والتعايش الإنساني الراقي، وبشهادات كبار الشخصيات العالمية والمنتديات الدولية، كما كان لنهج الوسطية والاعتدال أعلى مؤشرات السعادة في الممارسة الفكرية والتعامل اليومي مع الناس».

أعمدة التسامح
وأكد الدكتور الكعبي، أن أحوج الناس لثقافة التسامح وقيادة قافلة التسامح هم علماء الأديان والكتاب والمثقفون وأئمة المساجد، الذين يمثلون أعمدة التسامح في المجتمعات، وفيما يختص بإدارات الشأن الديني في العالم الإسلامي، نرى أن أهم مقومات المتكلم الناجح عن الدين أن يحبب الناس - كل الناس - في دين الله، وأن يجعل المسجد محور اجتذاب لكل أبناء المجتمع، وهذا هو ديننا الذي عنوانه الرحمة، والرحمة هي منطلق التسامح والتعاون على البر والتقوى.
وتساءل الكعبي: أليس من واجب العالم والواعظ والإمام والخطيب أن يبلغ عن الله تعالى وعن رسوله، صلى الله عليه وسلم؟ فما أدوات هذا التبليغ الناجح إلى ديننا؟ إنها الدعوة لهداية جميع خلق الله، وذلك لا يكون إلا بــ (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، والتبليغ عن رسول الله هو اتباعه بالرفق، وما كان الرفق في شيء إلا زانه، وهل عرفت البشرية نبياً أو مفكراً أو مصلحاً أصدق تسامحاً من رسول الله ؟ لأن التسامح إخلاص وصدق في القلب وتراحم وبناء قوي لأواصر التقارب والتعاون بين الناس، ومن كان واثقاً من صدق منهجيته ونبل أهدافه، فلا بد أن يبني أرقى النماذج الحضارية والإنسانية والاجتماعية.

الخطاب الديني
وحول دور وأهمية الخطاب الديني في مواجهة الإرهاب وأسباب التطرف، أشار رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، إلى أنه بات يُطلق هذا التساؤل العلمي الرصين، الخاص بالخطاب الديني، لينبّه إلى ضرورة تكاتف الأقلام والمنابر المتنوعة كافة لمواجهة موجات التطرف والتشدد العابرة للزمان وللمكان وتحت مسميات أفراد ومنظمات شتى، إذ ليس من الواقعية المنهجية أن يوكل إلى الخطاب الديني وحده مسؤولية المواجهة، وأضحى من المسلّمات لدى المحللين أن الأسباب إذا تعددت فيجب أن تكون الحلول من مصادر تلك الأسباب، وأسباب التطرف إما جهل وتعصب في الدين أو بطالة للشباب وفقر للمجتمعات أو إقصاء وتهميش للآخر، وهذه كلها أسباب فكرية ودينية واقتصادية وإدارية حرّضت على تفشي ظاهرة التطرف في بعض البلدان العربية وغيرها.
وأكد الكعبي، ضرورة تعاون الجميع على تشكيل منظومة قيم وثقافة تمقت الفساد وتُقنِع المجتمعات وتلبي طموحات شبابها وتدمجهم في آليات العمل والتنمية المعرفية والإنتاجية لصالح أسرهم وأوطانهم عندئذ يتقهقر التطرف العابر للقارات أو يتحجّم ويضمحل تلقائياً، ليحل محله التنافسية في البناء والإنتاج والاستقرار والازدهار، ومن ثم التعايش الحضاري بين مكوّنات المجتمع الواحد أو العيش بسعادة وتسامح وتراحم.

قيمة الإنسان
وأوضح أنه أصبح واضحاً عبر هذا المعيار التفاعلي لظاهرة التطرف أنها تتأزم ثم تنفجر في دول وبيئات تفشى فيها الفساد والفقر والفشل، وأنها تنعدم أو تكاد في الدول التي حققت للشباب طموحاتهم وأنجزت للمجتمعات مشاريع التنمية المعرفية والصحية والخدمية ووضعت قيمة الإنسان في قمة أولوياتها ـ كدولة الإمارات ـ حيث وزارة للتسامح وأخرى للسعادة وثالثة للشباب.
وأضاف: مضى عام 2018 الذي حمل للداخل والخارج منهجية زايد الخير، فكان عاماً للرضا والسعادة عم خيره الداخل الوطني، ثم فاض إلى الأشقاء والأصدقاء في العالم، وها قد أقبل عام التسامح استمرارا لنهج الأب المؤسس الذي خلد التاريخ قيمه وريادته الإنسانية في العطاء والتسامح والوسطية والاعتدال، فكلنا اليوم نعيش حياة البناء والتطور والاستقرار والازدهار، بل التنافسية في دفع عجلات الابتكار والتميز والفرادة، وفي هذه الحالة الوطنية التكاملية، الكل متشرّب بقيم الانتماء والولاء بل الفخار والازدهار، وثقافة التدين الوسطي المعتدل والمناهج التربوية المتطورة والمشاريع الخدمية المتواصلة والاقتصاد المعرفي المزدهر تحت قيادة رائدة راعية لكل هذا الحراك الوطني والإنساني الابتكاري.

الخطاب الديني المعتدل أولى خطوات مواجهة التطرف ( الاتحاد)

الأنموذج الإماراتي
واستطرد الكعبي قائلاً: يبدو أن الأنموذج الإماراتي بدأ ينتشر عالمياً، فما ترسخ مما سبق من ثقافة إيجابية وعلى أرض الدولة بات يعقد دورياً عددٌ من الندوات والمؤتمرات الدولية، كمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة تحت رعاية سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، والذي يشارك فيه مئات من العلماء والمفكرين من شتى الدول، وكذلك مركز هداية، ومركز صواب ودار زايد للثقافة الإسلامية.. إن كل هذه المؤسسات والمراكز البحثية في الدولة تؤشر إلى جدية الرصد والتحليل والنقد والمتابعة مما يجعل من دولة الإمارات مرجعية عالمية في هذا الشأن.
وفيما يتعلق بامتلاك خطاب ديني معاصر وهوية هذا الخطاب، ذكر الكعبي أنه يمكننا أن نفصل القول في واقع الخطاب الديني وتطوره في دولة الإمارات وتحصين المجتمع من التطرف وآثاره، حيث تدفع الدول العربية ثمناً باهظاً في إجراءات مواجهتها للتطرف، فكيف السبيل إلى توفير هذه الطاقات وتوجيهها نحو التنمية ؟ أقول أنه لا بد من مراجعات ذاتية جذرية بين المكونات الفكرية والدينية في البلدان العربية أو الإسلامية التي ما تزال تعاني أسباب التطرف، والوصول إلى وئام بين مكوناتها.

هوية الخطاب
وأوضح الكعبي أن هوية الخطاب الديني في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف تتمحور في تحقيقِ مجتمَعٍ آمِنٍ مُتلاحِمٍ، مُحافِظٍ علَى هُويَّتِهِ، مُتمسِّكٍ بولائِهِ وانتمائِهِ لوطنِهِ، ترسيخ الاعتدالِ الدينِي، وتحقيقِ الأمْنِ الفكرِيِّ والاجتماعِيِّ، حمايةِ المجتمعِ الإماراتِيِّ مِنَ الأفكارِ الهدَّامةِ والممارساتِ الدخيلةِ الوافدَةِ التِي تَتَعارضُ معَ القيمِ الإنسانيةِ النبيلةِ، وتعزيز مبادئ الرحمة والتسامُحِ والسلام، نشر ثقافة الاحترام والتعاون بين أتباع الديانات.
وتستهدف «الهيئة» بكل ذلك من يعيش على أرض الإمارات، عبر وسائل الإعلام الرسمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وخطب الجمعة، ودروس المساجد، وبرزَ ذلكَ فِي جميعِ برامجِ الهيئةِ ومبادراتِهَا وفعالياتِهَا.

خطابنا الإعلامي
وأشار الدكتور الكعبي إلى وجود تعاون وتنسيق يومي وأسبوعي بين المؤسسات الإعلامية الوطنية كافة، فهناك برنامج تلفزيوني يومي على قناة الإمارات «هذا ديننا» يتناول الموضوعات المستجدة، ولـ «الهيئة» إشراف على برامج إذاعة القرآن الكريم من أبوظبي وتوجيه استراتيجيتها لتعزيز الهوية الوطنية ونشر ثقافة الاعتدال في الموضوعات والأناشيد والفواصل والبرامج، وإعداد وتقديم برامج إذاعية للتواصل المباشر بين علماء الهيئة والجمهور ومنها: برنامج صباح النور، وبرنامج يستفتونك، وغيرها.
وإنشاء قسم الإعلام الإلكتروني لإنتاج مواد إعلامية مناسبة وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي تتناول الرد على الأفكار المتطرفة، وغيرها.

إطفاء الحرائق
ونوه الكعبي بأنه تم عرض النموذج الإماراتي في الملتقى الثالث لمنتدى تعزيز السلم، وجهود الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الرامية إلى إطفاء الحرائق في بؤر الصراع الملتهبة، والتصدي لثقافة الكراهية والطائفية واستباحة دم الإنسان لأجل دينه أو فكره أو مذهبه أو طائفته، والعودة إلى ثقافة السلام والتسامح المستندة إلى المبادئ السامية للدين الإسلامي الحنيف. وقال: «إن الناظر إلى ساحات الصراع ليجد أنها تستند في تأجيجها إلى فتاوى ذات صبغة دينية»، وهذا يعني أن المتطرفين قد قاموا باختطاف الدين، فأصدَروا فتاوَى التكفيرِ والتفجيرِ، بِحقِّ الصغيرِ والكبيرِ، مِمَّنْ لاَ يبايِعُهُمْ، ولاَ يُؤيِّدُ انحرافَهُمْ وتَطَرُّفَهُمْ، فصارَ لِزاماً عَلَى العلماءِ والمؤسساتِ الْمَعْنِيَّةِ بالخطابِ الدينِيِّ أَنْ تأخُذَ بِزمامِ المبادرةِ، وتُبْرِزَ الإسلامَ بجوهَرِهِ الأصيلِ، وحقيقَتِهِ الناصعةِ، وتُعيدَ إليهِ صورتَهُ الحضاريةَ اللامعة.
وفي هذا الإطار، تم التركيز في حديثنا على استراتيجية الخطاب الديني بالدولةِ، لتعزيز ثقافة السلام والتسامح ومُواجهةِ التطرف والأفكارِ المتشددةِ.

إجراءات لضمان الاعتدال
حول الإجراءات التنفيذية لضمان الاعتدال في الخطاب الديني، وعدم التأثير على منهج التسامح للدولة، اتخذت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف خطة دقيقة - وفقاً للدكتور محمد مطر الكعبي- تم تنفيذها وفق ما يلي: عدم السماح لأصحاب الفكر المتطرف ببث أفكارهم المتشددة والترويج لها، تنفيذ قانون تنظيم المساجد بشأن حرمة المساجد، ومنع استغلالها للأنشطة المحظورة.
وكذلك التقييم المستمر لجميع المعنيين بالخطاب الديني في «الهيئة» من أئمة وخطباء ووعاظ ومحفظين واستبعاد المتشددين، وقد تعهد جميع العاملين في الشأن الديني بالالتزام بقانون مكافحة الكراهية والطائفية الذي يهدف إلى الحفاظ على كرامة الإنسان،، وحماية الحريات الدينية، وتعزيز السلام والتسامح والتعايش بين الثقافات والحضارات المختلفة، وينص على تجريم ما يلي «ازدراء الأديان، والتمييز، وخطاب الكراهية».
كما تعهد جميع العاملين في الشأن الديني بالالتزام بوثيقة التسامح و تعميق المحبة والتلاحم المجتمعي وتجنب خطاب الكراهية، وعدم السماح لأحد باستغلال المساجد والوعظ والإفتاء للترويج للأفكار المتطرفة.

الخطط التطويرية لخطب الجمعة
فيما يتعلق بالخطط التطويرية لخطب الجمعة في الدولة، أوضح الدكتور محمد مطر الكعبي أن هناك معايير لتوجيه الخطاب الديني في الخطب، ومن أهمها: تجنب الحديث عن الأحزاب السياسية والطوائف والجماعات وتقييمهم، وعدم السماح باستغلال خطبة الجمعة للترويج للأفكار الحزبية والطائفية، والتركيز على تنمية الوعي الديني بشأن القضايا التربوية والعلاقات الاجتماعية، والأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، والتسامح والتعايش، والاعتدال والوسطية، ومواجهة الأفكار المتطرفة، وعدم التعرض للأشخاص وتجريحهم، وتجنب الخوض في المعالجة السلبية لقضايا تحرض على العنف والكراهية، مثل قتل الآخر وإهانة معتقدات الأديان الأخرى، وتجنب الدعاء على الأقوام والملل الأخرى.

مؤسسة للثقافة الإسلامية والتسامح الديني في مدريد
افتتحت الإمارات في منتصف ديسمبر الماضي، مؤسسة الثقافة الإسلامية والتسامح الديني في العاصمة الإسبانية مدريد، وتم افتتاح هذه المؤسسة التابعة للهيئة العامة للشؤون الإسلامية، وبحسب الدكتور محمد مطر الكعبي رئيس «الهيئة»، إن من التوجيهات الحكيمة لقيادتنا الرشيدة أن تعمل الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف على تصحيح مسارات الفكر الديني في هذا العالم الذي أصبح قرية واحدة، ولذا يلزم إعطاء صورة صحيحة ونقية عن الإسلام الحنيف الذي كثر مشوهوه وقل موضحوه، وهذه المؤسسة في مدريد لها العديد من الأهداف الثقافية والدينية والحضارية، ومنها: تشجيع الحوار بين الأديان في إطار من التسامح والتكامل.

اقرأ أيضا