الاتحاد

الاقتصادي

ممكّنات أساسية لضمان أمن الطاقة والمياه في الخليج

ألواح شمسية لتوليد الطاقة النظيفة (الاتحاد)

ألواح شمسية لتوليد الطاقة النظيفة (الاتحاد)

بقلم سلطان الجابر
العضو المنتدب والرئيس التنفيذي
لشركة «مصدر»

يشعر كل مواطن خليجي بالاطمئنان إلى وفرة موارد الطاقة بمختلف أنواعها، ولكن المعنيين بالقطاع يدركون أن هذه الوفرة، إنما هي نتيجة للسياسات الداعمة التي تنتهجها حكوماتنا لخدمة المواطن، وأنه إذا ما تم بيع وقود السيارات والكهرباء وفق التكلفة الفعلية وبأسعار الأسواق العالمية، فإن الصورة ستكون مختلفة كثيراً، ولن تكون الاستفادة من خدمات الطاقة متاحة بالسهولة الحالية.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن غالبية دول الخليج تفتقر إلى موارد كافية من المياه العذبة، وأنها تقوم بتحلية المياه في عملية تتسم باستهلاكها الكثيف للطاقة، تتضح أمامنا المسؤوليات الإضافية الملقاة على عاتق الجهات المعنية في قطاع الطاقة والمياه.
لقد حبا الله بلدان الخليج بثروات هيدروكربونية وفيرة، وعملت قياداتنا على تسخير هذه الموارد بحكمة لإرساء بُنى تحتية متطورة، وتوفير جميع متطلبات الحياة العصرية.
ورافق هذه النهضة نمو كبير في عدد السكان، وزيادة في الطلب على الطاقة والمياه، مما وضعنا أمام تحدي الاستمرار في توفير الإمدادات الضرورية لمواكبة هذا النمو.
فمن جهة، نحن بحاجة إلى تصدير النفط والغاز لتأمين الموارد المالية واستكمال تطوير البنى التحتية، ومن جهة أخرى، تزداد الحاجة إلى مزيد من إمدادات الطاقة لمواكبة النمو المتسارع في الاحتياجات المحلية.
وقبل أقل من شهر، تشرفت بتقديم محاضرة في مجلس الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في دولة الإمارات، وكان موضوعها الجهود التي تبذلها دولة الإمارات في قطاع الطاقة لضمان استدامتها، حيث يمكن تعميم اتجاهات هذه الجهود على مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، نظراً لتشابه الظروف فيما بينها.
وكمثال على جهود ضمان أمن الطاقة والمياه، سنلقي الضوء على مبادرات دولة الإمارات بهذا الصدد، حيث يقوم النهج الذي تتبعه الدولة على مسارين متوازيين، هما إدارة الطلب وتنويع المصادر، فعلى صعيد إدارة الطلب، يجري تنفيذ آليات وإجراءات فنية وتنظيمية، وتم وضع معايير إلزامية لتحسين كفاءة استخدام الطاقة في المباني الجديدة، وتشجيع استخدام أجهزة عالية الكفاءة تخفض الاستهلاك، فضلاً عن نشر وترسيخ ثقافة ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه.
أما بالنسبة لتنويع مصادر الطاقة، فهو مجال يتطلب العمل وفق استراتيجية طويلة الأمد ويحقق العديد من الفوائد، بما فيها تعزيز أمن الطاقة والمياه، وتحقيق الاستدامة في قطاع النفط والغاز، والحد من آثار تقلبات أسعار المنتجات النفطية، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
ونظراً لتنوع الظروف الجغرافية والمناخية، ينبغي ان تقوم كل دولة بدراسة المزيج الأمثل الذي يناسبها من الموارد المتوافرة لديها. وبالنسبة لنا في منطقة الخليج، تعد الطاقة الشمسية المورد الأمثل بالنسبة للطاقة المتجددة، حيث تحظى بلادنا بنسب مرتفعة من الإشعاع الشمسي على مدار العام.
تكامل بين مزيج متنوع
وباعتبار أن غالبية أنظمة توليد الكهرباء تعتمد حالياً على الطاقة التقليدية، فإن نشر مشاريع الطاقة المتجددة على نطاق واسع يحتاج إلى خطط طويلة الأمد، ما يعني أننا بحاجة إلى مزيد من المصادر، إلى جانب الطاقة التقليدية والمتجددة.
وهنا تتضح مكونات مزيج الطاقة الذي يناسبنا ليشمل الطاقة التقليدية، والنووية، والمتجددة، وبحيث تتكامل فيه المصادر والتقنيات لتعزيز كفاءة الإنتاج والاستهلاك. ويمكن للطاقة النووية السلمية والآمنة القيام بدور محوري في تلبية الطلب المتنامي على الكهرباء، وبدأت دولة الإمارات بالفعل في تنفيذ برنامجٍ نووي من المتوقع أن يبدأ بإمداد الشبكة الوطنية بالكهرباء في عام 2017.
وقد حظي نموذج التزود بالوقود النووي الذي وضعته الإمارات بتقدير كبير نظراً لالتزامه بأعلى معايير السلامة والشفافية وحظر الانتشار النووي، وقامت العديد من الدول باعتماد هذا النموذج لتطبيقه.
وتقدم الطاقة النووية مزايا كبيرة، أهمها الجدوى الاقتصادية من حيث تكلفة الإنتاج، فضلاً عن توفير إمدادات الطاقة اللازمة لدعم التنمية الصناعية واستمرار النمو الاقتصادي.
زيادة التوجه نحو المصادر المتجددة
وبالنظر إلى أسواق الطاقة العالمية، نرى أن عام 2011 شهد، وللمرة الأولى، ارتفاع حجم الاستثمارات في مشاريع توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة ليفوق الاستثمار في توليد الطاقة من الوقود الهيدروكربوني، حيث كانت قيمة استثمارات مشاريع الطاقة المتجددة ما يزيد على 257 مليار دولار، مقابل 223 مليار دولار للوقود الهيدروكربوني.
ولهذا التحول أسباب عديدة، منها السعي إلى ضمان أمن الطاقة لمواكبة النمو السكاني والاقتصادي والصناعي، وإيجاد تقنيات نظيفة تسهم في الحد من تداعيات تغير المناخ، إضافة إلى زيادة الاهتمام بالمحافظة على الموارد الطبيعية لتستفيد منها أجيال الغد وفقاً لمبادئ التنمية المستدامة. ونظراً لكوننا - في دول الخليج - لاعب رئيس في مجال الطاقة التقليدية، فإن بناء القدرات في قطاع الطاقة المتجددة سيتيح لنا تعزيز هذا الدور والاستفادة من خبرتنا ومواردنا بشكل أكبر.
«مصدر»
استجابة للطلب المتزايد على إمدادات الطاقة، قامت حكومة أبوظبي قبل ما يزيد على ست سنوات بتأسيس “مصدر”، من خلال شركة مبادلة للتنمية، وذلك بهدف تطوير قطاع الطاقة المتجددة وفق نظرة شاملة تغطي كافة مراحل سلسلة القيمة.
فبدلاً من الاكتفاء بتنفيذ مشاريع توليد الكهرباء من المصادر المتجددة، رأت قيادتنا بنظرتها الحكيمة أن المحافظة على مكانتنا المتقدمة في قطاع الطاقة تتطلب بناء القدرات وتطوير القطاع بكافة مراحله، بدءاً من التعليم والبحث والتطوير، مروراً بالاستثمار في تطوير التكنولوجيا النظيفة، وتنفيذ المشاريع المحلية والعالمية لتوليد الكهرباء من الطاقة المتجددة، وصولاً إلى بناء مدينة مستدامة تكون بيئة حاضنة لتحفيز ودعم نمو هذا القطاع والناشئ.
وقطعت “مصدر” مراحل مهمة في السنوات الماضية، حيث تسهم في بناء رأس المال البشري المتخصص في القطاع من خلال “معهد مصدر” الذي خرج دفعتي ماجستير، وقدم 15 طلباً لتسجيل براءات اختراع.
وأطلقت “مصدر” صندوقين للاستثمار في تطوير التكنولوجيا النظيفة، وساهمت بتنفيذ العديد من المشاريع المحلية والعالمية لتوليد الكهرباء من الطاقة المتجددة على أسس تجارية، ومن أهمها “شمس1” التي تعد أكبر محطة للطاقة الشمسية المركزة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ إضافة إلى مشاريع عالمية مثل خيماسولار، وفالي 1 و2، في اسبانيا؛ ومصفوفة لندن في المملكة المتحدة التي تعتبر أكبر محطة في العالم لتوليد الطاقة من الرياح البحرية.
كما يجري العمل على بناء “مدينة مصدر” لتكون منصة تحتضن الشركات المتخصصة في مجال التقنيات النظيفة وتدعم نمو القطاع. ويجري تطبيق أفضل معايير التنمية العمرانية المستدامة في مدينة مصدر، حيث تم خفض استهلاك الطاقة بنسبة 51% مقارنة بالمباني المشابهة في دولة الإمارات، وتم خفض استهلاك المياه بنسبة 54%، كما يجري إعادة استخدام وتدوير نسبة 96% من مخلفات عمليات التشييد والإنشاء.
ويجري حالياً تشييد المقر الدائم للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) كأول منظمة دولية بهذا الوزن تتخذ مقرها في منطقة الشرق الأوسط.
المستقبل
إدراكاً لأهمية الحوار والتعاون وتبادل الخبرات في تطوير قطاع الطاقة المتجددة، أطلقت “مصدر”، واستضافت، العديد من المنصات عالمية المستوى التي تُعنى بجميع جوانب ومُمكّنات تعزيز التقدم نحو تعزيز انتشار حلول ومشاريع الطاقة المتجددة والتنمية المستدامة، بما فيها القمة العالمية لطاقة المستقبل التي أصبحت أهم منصة دولية تجمع الأطراف المعنية بالقطاع. وفي ضوء الاهتمام الإقليمي والعالمي بالمشاركة في هذا الحوار، تنامى عدد هذه المؤتمرات والفعاليات ليشمل جائزة زايد لطاقة المستقبل والقمة العالمية للمياه، واستضافة المؤتمر الدولي للطاقة المتجددة والعديد غيرها. وقامت “مصدر” بجمع هذه المؤتمرات تحت مظلة “أسبوع أبوظبي للاستدامة” الذي تستضيف دورته الأولى خلال الفترة 13 – 17 يناير الحالي لمناقشة السياسات وأحدث الابتكارات في مجالات الطاقة والمياه والتنمية المستدامة.
وتماشياً مع التوجه العالمي للاستثمار في الطاقة المتجددة، حددت جميع بلدان الخليج نسباً معينة لتوليد الطاقة اعتماداً على المصادر المتجددة. ولكن على أهميتها، تبقى هذه المبادرات مدفوعة بجهود حكومية، ولضمان النجاح في ترسيخ مكانة بلدان الخليج في قطاع الطاقة، فإننا بحاجة إلى أطرٍ تشريعية وتنظيمية تدعم نمو هذه المبادرات وتشجع انخراط القطاع الخاص بالاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة. فمن المهم مشاركة كافة الأطراف الفاعلة اقتصادياً بتطوير قطاع الطاقة وعدم ترك هذه المسؤولية على الجهات الحكومية وحدها.
وكخطوة أولى، من الضروري وضع سياسات وطنية واضحة تدعم نمو قطاع الطاقة المتجددة الذي أصبح مساهماً أساسياً في مزيج الطاقة العالمي.
وفي ضوء النمو السكاني والاقتصادي السريع الذي تشهده بلدان الخليج، فإن تلبية الزيادة في الطلب على إمدادات الطاقة والمياه يجب أن تبقى ضمن أعلى أولويات التخطيط للمرحلة المقبلة.

اقرأ أيضا

متاحف أبوظبي تعزز جاذبيتها السياحية بـ1.22 مليون زائر في 2018