نحن لسنا شعبويين ولسنا طائفيين، ومنذ تأسيس الدولة الحديثة بشكلها الحضاري رغم أنها كرست بيننا التقسيم، وفرضت علينا الحضارة والمدنية ضريبة اللحاق بها لمواكبة العصر وتعويض الزمن الذي ضاع، وكنتيجة طبيعية لمفهوم الدولة الحديثة، لم يعد لدينا أطماع في غيرنا تتعدى حدود الجيرة وحسن الجوار. ومن بين كل المتغيرات المحيطة بنا وكل التحديات، لا فرق بيننا وبين باقي الشعوب، ونحن الأولى كمسلمين بأتباع المنهج الصحيح لقول الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، «سورة الحجرات: الآية 13»، هذا هو ديننا وهذه هي عقيدتنا، ولم نسعَ إلى تفسير الآيات بما يناسبنا لنسمو على غيرنا أو يسمو ويعلوا الآخرون علينا. فالشعبوية هي الحاضنة الأم لكل المفاهيم والظواهر والأيديولوجيات العنصرية القائمة على المذهب والطائفة والعرق، فعبر تاريخنا الحديث والمعاصر قضت على الكثير من النظريات والحركات من خلال التباين الحاد بين نبل ومثالية النظرية وبين قسوة سقوط تلك القيم عند التطبيق، وخير مثال لدينا هو مثالية النظرية الماركسية اللينينية وسقوطها نتيجة النظرة الضيقة والشعبوية من خلال التطبيق، فالمشاعر الشعبوية تقصي وتقتل كل إبداع أو وعي ممكن، وهو ما حدث في دول أوروبا الشرقية إبان المد الشيوعي، وأصبحت مجتمعات بدائية تدنت فيها قيمة الإنسان، وكانت نتيجته الحتمية تراجع واندثار القيم الفكرية والفنية والروحية. وعلى الجانب الآخر من العالم عانت الشعوب الأوروبية من ظاهرة الشعوبية أو الشعبوية بكل أشكالها ومسمياتها، وكانت الغطاء المثالي للحربين العالميتين الأولى والثانية، في إيطاليا وألمانيا، وحتى اليابان، وهي كانت أحد الأسباب التي أدت إلى انهيار النظرية الماركسية حين اصطدمت بواقع من المصالح الفردية جردت الإنسان من كرامته. واليوم تعود إلى الظهور مجدداً تلك التيارات والتوجهات وصعود أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا ذات التوجه الشعبوي، من خلال تزايد الخوف المرضي «الإسلامفوبيوية»، وهو مفهوم تم التكريس له وتمويله منذ سنوات كنتيجة حتمية لخلق وتمكين الكيانات والأحزاب الإسلامية وكل الحركات الجهادية المتطرفة، والتي توالدت وانشطرت منها بكل مسمياتها من حولنا وامتدت إلى العالم، لخلق حالة من الخوف المرضي تجاه الإسلام، لتدعو بدورها أيضاً إلى إلغاء الآخر وعدم القبول به ومحاربته، وهذا كان هو الهدف من الأساس، ولكنه أصبح سلاحاً ذا حدين، وفي كلا الاتجاهين. الشعوبية وكل الحركات العنصرية والتي يتبناها اليمين المتطرف الصاعد حول العالم اليوم، هي الأصل في الإرهاب الذي نعاني منه اليوم، فهو نتيجة حتمية لها كمفهوم وأداة تعمل ضد الإنسانية والحضارة، تأخذ وتنتقص منها من خلال تراجعها أمام هذا الفكر الضيق، ولا تضيف إليها سوى ما نشاهده اليوم من خراب واقتتال ودمار، نحن ندفع الثمن الأكبر منه. ستظل هذه المظاهر حملاً مضافاً يسكن أكتافنا، وسنظل ربما لزمن طويل نعاني من تداعياته على واقعنا وتحديه لحياتنا ووجودنا، فنحن والعالم كله من حولنا في المصيبة سواء، وسنظل طويلاً نبحث عن حلول ومعالجات للتطرف والإرهاب كنتيجة حتمية للشعبوية والعنصرية، وسنرى وستظهر الكثير من النظريات والجهود في التصدي له وتجفيف منابعه، ولكنها سوف تظل محاولات على الطريق، ومن المؤكد أنها ستحد منه وتبطيء فاعليته، ولكنه سيظل يضرب أينما كان رغم كل التحوطات والسبب دوماً وهو السؤال، ابحث عن مصادر التمويل وحركة رؤوس الأموال، فما دام هنالك تمويل للإرهاب، فسيظل يعيش بيننا، وسنقدم والعالم معنا ودوماً الكثير من التضحيات. العنصرية بكل أشكالها ومسمياتها وما نتج عنها من إرهاب، هي واحدة من أخطر الظواهر والأمراض عبر كل العصور. فالأمراض كالقمامة لا تتخلص من نفسها، ولابد لنا كمجتمع أن نساهم وبفعالية وبكل السبل وبوعي على محاربتها، وأن نترك عادة الفرجة من بعيد، فها هي ظلال الخطر عادت تحيط بنا من خلال تمدد هذا الفكر الهجين. مؤيد رشيد