حسونة الطيب (أبوظبي) عندما تم تشخيص جين آلان، في السنة قبل الماضية، بالإصابة بإحدى أمراض اللوكيميا، كانت آخر ضربة ضمن صراع طويل تمكنت من خلاله في التغلب على سرطان الثدي والشفة. حينها وصف لها الأطباء عددا من الأدوية التي تساعدها على الحياة مدة خمسة عشر عاماً آخر، لكن كيف لها توفير 14 ألف دولار شهرياً، تكلفة هذا الدواء ليعينها على العيش فترة أطول. وتتضمن المرحلة الأخيرة من خط إنتاج الأدوية الجديدة، ما يزيد على 600 دواء للسرطان، التي عادة ما تتم المصادقة عليها سريعاً. وفي ظل الارتفاع الكبير لأسعار أدوية السرطان، يجد العديد من محدودي الدخل، أنفسهم بين خياري الموت أو توفير مبلغ ليس في مقدورهم أصلاً ويفوق دخلهم السنوي بكثير. ومن بين هذه الأدوية، «سبريسل»، الذي جلب مبيعات للشركة المصنعة «بريستول مايرس»، 1.8 مليار دولار في السنة الماضية وحدها. وارتفع سعر العلبة سعة 30 حبة 100 ملجم، إلى 12 ألف دولار في يناير الماضي، في آخر سلسلة من الزيادات السنوية التي شهدت ارتفاع الأسعار بما زاد عن 60% منذ 2010. وصادقت الإدارة الأميركية للأغذية والأدوية، في الأول من هذا الشهر، على دواء دورفالوماب المسجل بالعلامة التجارية «إمفينزي» لشركة أسترا زينيكا البريطانية، لعلاج سرطان المثانة. وتقدر التكلفة السنوية للبيع بالجملة لهذا الدواء، بنحو 180 ألف دولار، وهو يعمل على مساعدة الجسم لاكتساب المناعة للتصدي لمرض السرطان. وتجد جين، نفسها الآن وسط واحد من أكثر النزاعات حساسية في قطاع الرعاية الصحية الأميركي، الذي تنجم عنه تعقيدات وخيمة تلقي بظلالها على قطاع الأدوية. وبينما احتدم النقاش حول ارتفاع تكلفة الأدوية في أميركا، تصر الشركات المصنعة، على أن مؤسسات التأمين والتوظيف والحكومة، لا تقوم بدفع سعر التجزئة المعلن لهذه الأدوية، بل تستغل طرفا ثالثا كوسيط للحصول على عمليات خفض كبيرة في شكل خصومات. وتؤكد الشركات المُصنعة أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن مؤسسات التأمين والوسطاء، تحتفظ بهذه الخصومات لمصلحتها، بدلاً من تحويلها لفائدة المرضى. وكشفت تحقيقات أجرتها صحيفة «فاينانشيال تايمز»، أن أدوية السرطان مثل «سبريسل»، محصنة ضد هذه التخفيضات الكبيرة. وحتى أن بعض الأدوية التي تباع بتخفيضات تصل إلى الثلث، إلا أنها وكمنقذة للحياة، لا تزال تحتفظ بسعر التجزئة أو ما يقاربه. والسعر النهائي الذي يدفع مقابل الأدوية، سر لا تعلمه إلا الشركات المصنعة والوسطاء، بادعاء أن المحافظة على هذا السر يساعد على الإبقاء على انخفاض الأسعار. ويؤكد بعض خبراء القطاع، أن معظم أدوية السرطان، لا تشملها هذه التخفيضات في بعض الأسواق التجارية والحكومية. ويقول النقاد، إن ارتفاع التكلفة يثير بعض المشاكل، لا تقتصر على المرضى فحسب، بل للمستثمرين في شركات الأدوية أيضاً. ومع أن هذا الارتفاع يصب في مصلحة حاملي الأسهم في الوقت الحالي، إلا أن بعض العاملين في القطاع، يتوقعون عدم الفائدة على المدى الطويل، في ظل الغضب الشعبي الكبير من تكلفة الأدوية. وفي غمار الحرب المستعرة في أميركا، ضد أسعار الأدوية، يعتبر السرطان قضية ذات خصوصية. وفي مقدور شركات تصنيع الأدوية، فرض أسعار عالية على أدوية السرطان، نظراً إلى أن من الصعب لشركات التأمين رفض توفير الدواء للمرضى بمثل هذا المرض الذي يثير الشفقة والعطف. ونتج عن هذه الظاهرة، ارتفاع الأسعار للأميركيين، بنسبة تفوق نظرائهم في الدول الأخرى حول العالم، حيث حددت دراسة متوسط سعر دواء السرطان من العلامات التجارية المعروفة، بنحو 8700 دولار شهرياً، مقارنة بنحو 2587 دولار في المملكة المتحدة و2741 دولار في أستراليا. وأثر ارتفاع الأسعار على الرعاية الطبية أيضاً، البرنامج الذي تموله الحكومة للمتقاعدين والذي يشكل بين 65 إلى 70% من الإنفاق على أدوية السرطان. وفي حين يملك هذا النظام لوائح تحميه من ارتفاع الأسعار، لكنها تنطبق فقط على أدوية السرطان التي يتم حقنها في الدم، حيث لا تخضع التي يتم تناولها بالفم لهذه اللوائح. وأكثر الأدوية تكلفة في هذه المجوعة، هو دواء «ريفليميد»، الذي تنتجه شركة «سيلجين»، التي رفعت سعره بأكثر من 50% منذ 2012، لتصبح تكلفة الحبة 10 ملجم، نحو 600 دولار. ويعتقد النقاد، أن حالة «ريفليميد» تتسم بانتهاكات فاضحة، مدعين بقلة الابتكار التي ساهمت في ظهوره، حيث يعتبر مشتقاً فقط من «الثاليدومايد»، الذي تم سحبه من الأسواق في 1962 في أعقاب فضيحة تسببت في ولادة الآلاف من الأطفال المشوهين. وسعى بعض مديري الشركات الكبيرة في السنة الماضية، لإبطال الملكية الفكرية التي تحمي ذلك العقار، بادعاء أن «سيلجين» أخذت دواءً قديماً وأجرت عليه تعديلات طفيفة لا علاقة لها بالكفاءة والفعالية. لكن على الرغم من ذلك، تملك الشركة براءات اختراع أخرى تحمي «ريفليميد»، الشيء الذي ربما يمكن الدواء من المنافسة العامة حتى 2026. وتعرض مرضى السرطان لضربتين جراء ارتفاع الأسعار بدل الواحدة، إحداهما، تحويل شركات التأمين لزيادة التكلفة لهؤلاء المرضى في شكل أقساط أعلى. ثم إن المبلغ الذي ينبغي أن يدفعوه من حر أموالهم، يتم حسابه كنسبة من قائمة الأسعار التي تستمر في الارتفاع. ويقدر متوسط التكلفة التي يتكبدها المريض الذي يتناول دواء «ريفليميد»، بنحو 11500 دولار سنوياً، في حين لا يتعدى متوسط الدخل السنوي 26200 دولار. وربما يصب كل ذلك في مصلحة كبار المديرين مثل روبرت هيوجين، مدير شركة «سيلجين» الذي تقاضى راتباً وصل إلى 16.5 مليون دولار في 2016. ارتفاع الأسعار عامل محوري يعتبر ارتفاع الأسعار، العامل الرئيس في نمو أرباح قطاع صناعة الأدوية خلال العام الماضي، وفقاً لدراسة حديثة أعدها بنك كريدي سويس. وبصرف النظر عن التدقيق العام في أسعار الأدوية، يرجح محللو البنك، أن صافي ارتفاع الأسعار الذي يأخذ عمليات الخصم والتخفيضات في الاعتبار، شكل 8.7 مليار دولار من صافي الدخل في السنة الماضية. ويشير المحللون إلى عدد من المؤسسات الأكثر اعتماداً على ارتفاع الأسعار من بينها، ألي ليلي وبايوجين وآبفاي وغيرها. وإذا لم تتجه هذه المؤسسات إلى رفع أسعار منتجاتها من الأدوية، لتراجع صافي دخولها، ما يعني تراجع نشاط العمل التجاري الذي يقوم على ذلك. وشركات التقنية الحيوية، هي من بين الشركات الأقل اعتماداً على ارتفاع الأسعار مثل، «بايومارن» و«ريجنرون»، التي تتجه لزيادة أرباحها من خلال طرح منتجات جديدة في الأسواق، بدلاً من رفع الأسعار القديمة منها. كما تقلل مؤسسات تتضمن، نوفو نورديسك وجايليد، اعتمادها على ارتفاع الأسعار، مقارنة بمنافسيها الآخرين. ويقول المحللون، إن السؤال الرئيس هو ما إذا كانت شركات صناعة الأدوية ستستمر في استخدام التكتيك الذي يؤهلها لزيادة أرباحها، في ذات الوقت الذي يستعر غضب المرضى جراء أسعار هذه الأدوية الموصوفة. لكن الإجابة عن هذا السؤال ربما تكون بالنفي. ويعتقد كريدي سويس، أن هذه الشركات عرضة للمخاطر، في حالة إنتاجها أدوية عالية التكلفة لأمراض طويلة الأجل تصيب شريحة كبيرة من الناس، نظراً إلى أن التكلفة الإجمالية لعلاج هؤلاء الناس مرتفعة للغاية بالنسبة لشركات التأمين ودافعي الضرائب. وتتضمن هذه الأمراض، الإيدز الذي تسيطر على أدويته شركتا جايليد وفايف، والتهاب المفاصل الروماتويدي الذي تهيمن على منتجاته الأكثر فاعلية كل من جونسون آند جونسون وشركة آبفاي، إضافة إلى التصلب المتعدد الذي تعتبر شركة بايوجين الرائدة في سوقه. تمويل العلاج دونه عقبات منذ طرح أدوية علاج السرطان القوية في أربعينيات القرن الماضي، حاول اختصاصيو الأورام السيطرة على الآثار الجانبية السامة، إلا أن هذه السمية تم استبدالها بـ «سمية مالية» اليوم. ويعاني ما يقارب ثلث مرضى السرطان في الولايات المتحدة الأميركية، صعوبة تأمين تكلفة العلاج، حيث يفشل 18% منهم في الالتزام بالبرنامج العلاجي. وأصبحت «السمية المالية»، أحد العوامل الرئيسة في موت مرضى السرطان. ويقول دكتور جرج نايت، مدير الجمعية الأميركية لأطباء الأورام: «يتفق الجميع تقريباً على أن (السمية المالية)، قضية أساسية في الرعاية الطبية للسرطان. وأناشد بضرورة تشخيص المرضى في المراحل الأولية من المرض، حيث يميل المصابون عند هذه المراحل للكشف عن القضايا المالية، لكن ليس عدم مقدرتهم للحصول على الدواء. وهذا هو النوع الذي يفشل في مواصلة برنامج العلاج والمعاودة في مرحلة متأخرة تفقده فرصة إمكانية الاستشفاء». وبينما كان اهتمام الأطباء يتركز حول العقاقير الأكثر فاعلية لعلاج السرطان، تحول الآن للعب دور المنظم المالي. وفي حالة عدم مقدرة المريض للحصول على الدواء المثالي، ربما يختار الأطباء قائمة من الأدوية اعتماداً على توفرها عبر المساعدات المالية التي تقدمها المؤسسات الخيرية وشركات صناعة الأدوية. واعتماداً على نجاح طلب الدعم، ربما يضطر الأطباء للعودة إلى نقطة البداية قبل تحديد جرعة الدواء التي يستطيع المريض تسديد تكلفتها. وترى شركات تصنيع الأدوية أن المشكلة لا تكمن في ارتفاع الأسعار، بل في نظام التأمين الصحي الأميركي الذي يفتقر لإمكانات الدفع لأمراض مثل السرطان. ودأبت شركات التأمين خلال السنوات القليلة الماضية، على مطالبة المرضى بدفع مبالغ أكثر، ليتحملوا الجزء الأكبر من العبء المالي. وهذا التكتيك كان مدعوماً ضمنياً من قبل إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الذي يرى أنه يترتب على المستهلكين البحث عن خيارات أقل تكلفة. نقلاً عن: فاينانشيال تايمز