الاتحاد

رأي الناس

تعدد الخيارات... إنهاك وارتباك

حين تتعدد خيارات الإنسان، تجده يقف في مفرق الطرق، فإما أن يملِكَ الدنيا، وإما أن تملِكه وتستحوذ عليه ويغدو رهين قوائم مزدحمة بخيارات المأكل والمشرب والملبس واقتناء المزيد، فإذا ما وقع في شباك الثانية، انشغل بالقشور ونسي الجذور وأمعن بالمظهر وأعرض عن الجوهر واثّاقل إلى الأرض عن الغاية السماوية من وجوده.
في اللحظة التي تغادرك البساطة والخيارات المحدودة، يحلّق طائر التعاسة فوق رأسك وتسكن الكآبة صدرك ويُجافيك الرضا ولا تكفّ عن القول: «هل من مزيد»، حتى ينتهي بك قطار العمر بين أكوامٍ من المقتنيات والممتلكات، وما أن تُغلقَ آخر صفحاتِ كتابك، حتى تسلّم العهدة لمن بعدك، وتغادرها كلّها إلى بارئك مجرّداً إلا من كفنٍ ولحد.
تجتاح ظاهرة تعدد الخيارات «Overchoice» بعض مجتمعاتنا هذه الأيام، فلا نكفّ عن شغف التسوّق حتى يتشتت الذهن بين الماركات المرموقة فنحتار ولا نختار، وبالعودة إلى سنواتٍ مضت، نجد أنه على محدودية خياراتها وما كنا نقتنيه، إلا أن السعادة كانت تتملّكنا والرضا يسكننا والسكينة تحفنا. يقول كيفين هوجان في عرضه حول عمليات الإقناع والتأثير على الآخرين، أنَّ العدد الكبير من الخيارات في حياتنا يصنع ما يسميه بالتنافر الإدراكي، وهو ما يحدث عندما نتمسك باثنين أو أكثر من الخيارات أو المعتقدات والأفكار ولا نعلم أيهما أفضل أو أيهما نختار، هذا يجعلنا نشعر بالارتباك والعجز، لهذا نرى أن بعض عباقرة العصر ورواد الأعمال مثل ستيف جوبز وبيل جيتس وغيرهم يحاولون الاعتياد على لبس واحد حتى لا يرهقوا عقولهم بالتفكير في الاختيار، ويوفروا طاقتهم لاتخاذ قرارات أكثر أهمية في حياتهم ومستقبل شركاتهم، لهذا أصبحوا قادة عظماء في مجالهم وحققوا مكانة ريادية.
خياراتنا المتعددة تجعلنا نغرق في التنافر الإدراكي والتشتّت الذهنيّ. حقاً كم يشقى البعض في عالمنا اليوم بسبب الوفرة وليس الندرة، ويقع رهنَ الأمنيات والطموحات الماديّة، متناسياً بأن مستلزمات رحلته الأرضية لا تُجاوِز القليل من الزادِ والعتاد والرضا بما هو فات والقبول بما هو آت.


اقرأ أيضا